صدرت أخيراً الترجمة الفرنسية لرواية «التشهي» (عن آكت سيد) لعالية ممدوح، وهي رواية تعد استثناءً في تجربة الكاتبة العراقية، جاءت بلغة مباشرة، عارية، فاضحة، قلقة ومستفزة، لم تتردد في مقابلة الواقع بقبحه وتشوهاته، في كشف المكبوت، وفي تسمية الأشياء بمسمياتها، من غير مواربة ودون مكياج.
في «التشهي» من المحتمل ألا يستوقف القارئ سوى صراحتها في تعرية المستور، في مُصارعة الرجل الذي طالما تفاخر بفحولته، في تقليب الجسد في وضعياته المختلفة، وقد لا تُقرأ سوى من زاوية الرواية الأيروتيكية، وذلك المستوى الأول من التلقي قبل أن نبلغ مستوياتها الأخرى، فالأيروتيكية في هذا النص لم تكن غاية، بل وسيلة، لها غرض آخر، لا تعنى بإرباك القارئ أو استثارته، لكن لها مبتغى سياسياً، في جرد الخسارات الفردية والجماعية التي تلقاها الرجل العربي في مجمله، والعراقي خصوصاً في النصف الأول من القرن العشرين. استعانت عالية ممدوح بلغة الشبق كي تحكي عن ولعنا بالخسران، حين ينقطع حبل اليقينيات التي عمرت طويلاً في عقولنا.
نهاية العضو.. نهاية الأيديولوجيا
لنتخيل حكاية رجل بدين، لم يكمل الخمسين من عمره، يستيقظ صباحاً فيًلاحظ أن عضوه الذكري قد تقلص حجمه إلى حد الضمور. من الوهلة الأولى فنحن إزاء حالة طبية، ذلك ما يفكر فيه بطل الرواية سرمد برهان الدين، ذلك العراقي الشيوعي الذي ساقته الأقدار إلى المنفى في لندن، فيستعين بطبيب في باريس، قصد تخليصه من الورطة التي وجد فيها نفسه. سيخيل للقارئ، من الصفحات الأولى، أنه سيقرأ نصاً يستعين بالبيولوجيا وعلم التشريح ويقارب الأمراض الجنسية في مساعدة الراوي على الخروج من مأزقه، لكن عالية ممدوح تكسر أفق توقع قارئها، تحوله صوب أزقة ومسارات سردية أخرى متشعبة ومتداخلة في ما بينها. تستعير فكرة اختفاء العضو كي تحدثنا عن اختفاء أشياء أخرى مهمة في حياة الإنسان، ما حصل للبطل ليس سوى مختصر ما وقع للإنسان: من اختفاء جدار برلين، اختفاء الاتحاد السوفييتي، اختفاء الشيوعية، اختفاء اليسار الراديكالي، اختفاء اليقين الذي ساد عقوداً، وكيف أن العربي في مهجره يجد نفسه، في الأخير، معزولاً، وحيداً، مجبراً على الصمت، وعلى تأمل ماضيه وهو يحمل ورقة يدون فيها خساراته.
جاءت رواية عالية ممدوح في ترجمتها الفرنسية بعنوان مُغاير: «مثل لذة لا تريد أن تنطفئ» وهو عنوان يعبر تماماً عن المتن، فشخصية سرمد، الذي يفقد أعز ما يملك يُداوي نفسه، على طول النص، باستحضار ذاكرته، مع فصول تخللت الرواية جاءت بأصوات نساء عرفهن أو عاشرهن.
أن يخسر رجل ـ طالما تفاخر بفحولته ـ عضوه فتلك مصيبة ستجعله يُراجع حياته، لكنها لا تقل حجما عن خسرانه المعتقد والعقيدة السياسية، التي راهن عليها دهراً، قبل أن يكتشف أنها كانت هباءً. من خلال تتبع حكاية سرمد برهان الدين وهو يحاول استعادة أثمن عضو في بدنه، فنحن نتصفح محاولات المناضلين الشيوعيين، وهم يحاولون ـ عبثاً ـ استعادة مكانتهم التي داستها مكنة الليبرالية الحديثة. إن ما عانى منه الراوي من عدم قدرة على الانتصاب، إنما هي صورة مصغرة عن عدم قدرة الشيوعيين العرب على النهوض وعلى رفع رؤوسهم، وقد خانتهم بصيرتهم في تنبؤ المصير الذي ينتظرهم، عقب تهاوي جدار برلين. لقد شعروا بأنه لم تعد هناك جدوى من وجودهم، مثلما شعر سرمد برهان الدين بأن لا قيمة له وقد صار غير قادر على الاقتراب من امرأة، وهو الذي قضى عمره في معاشرة النساء. كان يجاهر بفحولته مثل يساري يجاهر بحفظه للبيان الشيوعي. ذلك البيان الذي تُرجم بشكل سيئ إلى العربية ـ كما يقول الراوي ـ مثلما ترجم هو نفسه أوهامه بشكل خاطئ. إنها إذن رواية الاختفاء، كل ما كسبه البطل من غنائم سوف يضيع، لكنه لن يدرك الحالة التي وصل إليها إلا عندما يضيع منه عضوه، في تلك اللحظة سوف يدخل في مونولوج مطول يستحضر فيه ذاكرته المشتتة بين العراق والمنفى، بين اشتغاله في الترجمة وقراءاته الأدبية المؤدلجة، يطلق العنان للسانه في خشونته وهو يتذكر حبيباته وقد صرن ذكرى طواها مثلما طوى حياته في العمل السياسي.
حميمية النضال
«التشهي» هي رواية الأيروتيكية المخذولة والفحولة الضائعة، رواية السياسة والنضال من منظور ذاتي. تميل الكاتبة إلى طرح مفاده أن النضال في حياة المواطن العربي يرتبط، بشكل وثيق، بحياته الشخصية، فعلاقة سرمد مع السياسة تتصل بعلاقاته مع النساء، مع شخصية ألف، التي أحبها لكن شقيقه مهند استفرد بها، هي علاقته مع امرأة بريطانية علمته لعبة الإغواء فصار مواطنا في بلدها، علاقته مع فتاة من ألمانيا الشرقية، حين عاشرها، فقدت هي بلدها. إن بطل الرواية الذي قضى أيامه في ترجمة شعر إليوت، هو صورة تختصر الحالة النفسية التي يحيا فيها شيوعيون عرب في المنفى، لا فرق لديهم بين عملهم اليومي في السياسة ومضاجعاتهم للعابرات، حيث نصادف مقطعاً يصف حالهم في شخصية أبو مكسيم: «له تجارة وأشغال وأرباح وفوائد وفواتير ومضاربات وتسويق وبيع» مع ذلك فإنه لا يغفل عن غزواته العاشقة، تماما مثلما فعل سرمد، لكن حين يضمر العضو سيصير غير قادر على تقبل الحالة التي وصل إليها، بحكم أن وجوده مرتبط بوجود النساء في حياته، لم يضايقه أن ضيع حبه لشخصية ألف، التي خطفها منه شقيقه الذي يعمل في المخابرات، بقدر ما ضايقه أنه لم يعد قادراً على معاشرة أخريات.
جاءت رواية عالية ممدوح في ترجمتها الفرنسية بعنوان مُغاير: «مثل لذة لا تريد أن تنطفئ» وهو عنوان يعبر تماماً عن المتن، فشخصية سرمد، الذي يفقد أعز ما يملك يُداوي نفسه، على طول النص، باستحضار ذاكرته، مع فصول تخللت الرواية جاءت بأصوات نساء عرفهن أو عاشرهن، لكن هناك نقطة يبدو أن المؤلفة لم تطل الحديث عنها، هي معاناته من البدانة، من الانتفاخ، من زيادة الشحوم، كما لو أنها تخبرنا بأن النهاية تسبقها زيادة في جرعة المثالية، كلما انتفخت أحلام المناضل اليساري العربي، وصل به المآل إلى ضمور، إلى نهاية درامية كما وقع لبطل روايتها.
روائي جزائري