في سماء مصر لمع فلسطينيون وسكنوا وجدان شعبها

 كمال القاضي
حجم الخط
3

لم تكن مسألة الهوية والحدود والجنسية عائقاً أمام الفنان الفلسطيني على مدى التاريخ وفي مختلف الأزمنة والعصور، فعلاقته بمصر تحديداً ممتدة ومتجذرة، حيث عاش العديد من الأشقاء الفلسطينيين وغيرهم من الجاليات العربية الأخرى في ربوع القاهرة وعرفوا طريقهم إلى الشهرة والنجاح بدون أن يتطوع أحد بالسؤال عن أصل الجنسية العربية، فلسطينية أم عراقية أم لبنانية أم سورية أم غيرها، فالكل عربي ولا فرق بين شقيق وشقيق، من يمتلك الموهبة له الحق في النبوغ والشهرة والمجد والحياة تحت الأضواء كنجم تتوافر له كل مقومات الحُب الجماهيري وربما يتفوق على نظيره المصري إذا ما أجاد وأتقن وصار من نجوم الصف الأول.
ولفرط التماهي والاندماج داخل نسيج المجتمع المصري لم يستطع أحد أن يميز بين الفنان الفلسطيني وزملائه وأشقائه من الفنانين المصريين الذين ينافسونه على القمة، فالجميع سواء أمام الجمهور والذائقة الشعبية فقط هي الحكم بين من هو نجم ومن هو مجرد ممثل عادي يُجيد تجسيد الأدوار لكنه لا يرقى إلى مستوى النجومية بمقاييسها المعروفة والمعهودة.
لقد تجاوز الوسط الفني بطبيعته الثقافية مُعضلة التمييز والتفرقة فاستمر التعامل مع كل المواهب متساوياً في الفرص بلا أدنى مُحاباة لفنان دون الآخر، حيث المعيار هو الكفاءة ولا شيء غير الكفاءة والقدرة الإبداعية للمطرب أو الممثل أو المخرج أو الفنان التشكيلي أو الرياضي، فميدان المنافسة يتسع لكل العناصر وعلى المتفوق أن يربح مزيداً من الأسهم ليجد الصدى المناسب لنجاحه وتفوقه.
وقد تم العمل بموجب هذه القاعدة لعقود وعهود طويلة وما زال مستمراً بغير اتفاق مُسبق على فكرة العدالة في تكافؤ الفرص بين المُبدعين، حتى أن ضباب الخلافات السياسية بين الحكومات في فترات معينة لم يُعكر صفو العلاقات بين الشعبين الشقيقين ولم يُقم الحواجز أمام التلاقي والتواد والتعاطف وذوبان الفن المصري الفلسطيني في بوتقة الإبداع العربي الشامل كعنوان دال على العرق الواحد والدم الواحد والجذر الواحد.
من هذا المنطلق ظل الجمهور المصري مُتعلقاً بنجومه المُفضلين غير مشغول بجنسيتهم أو عقيدتهم أو غير ذلك من أسباب التفرقة والفرقة، وهناك أمثلة كثيرة لنجوم كبار عاشوا بين المصريين كأحد أبناء الوطن الأصليين مُتمتعين بكل حقوق المواطنة ودفء المشاعر وحالات الإبهار التي تصدر عن الفنان المُبدع إذا ما صنع شيئاً مُختلفاً فتؤثر بالإيجاب على المُتلقي المصري فيرتفع رصيد النجم جراء تميزه وإجادته، وبالطبع احتل الفنان الفلسطيني المساحة الأكبر في قلوب المصريين كبيرهم وصغيرهم.
إن القائمة الفلسطينية لكبار الفنانين والمُبدعين قد يطول تعدادها وربما يندهش البعض من الأسماء الواردة بها فهم من ألمع نجوم الشاشتين الكبيرة والصغيرة وجرى التعامل معهم وتشجيعهم بوصفهم مصريين حتى النخاع مولداً ومنشئاً وإرثاً ثقافياً عريقاً، فهؤلاء هم أصحاب الأسماء الرنانة والنجومية الطاغية والتاريخ الطويل. نادية لطفي تنتسب في الأصل كما ورد في بعض المراجع والوثائق الصحافية لأب فلسطيني وأم يونانية، عاشت في مصر وتربت في أحضانها وتلقت تعليمها بمدارسها وحصلت على الجنسية المصرية واشتهرت وبرعت في جميع أدوارها السينمائية.
كذلك صفية العمري ونجوى فؤاد وعبد السلام النابلسي وهالة صدقي وغسان مطر والمُلحن والموسيقي رياض الهمشري، والأخير من مواليد مدينة اللد وهي المدينة التي اشتهرت بصمودها وبسالتها في المواجهات مع العدو الصهيوني إبان فترات الصدام المُتكررة.
وقد ورد ذكرها في مقطع بأغنية ذكريات للمطرب الأشهر عبد الحليم حافظ، حيث أنشد قائلاً: إزاي في اللد وفي الرملة كانت العملة مأساة كاملة/ استشهد أخويا في أراضيها بين روابيها/ وحبيبته خطيبته منساش لوعتها/ إزاي يا حبيبي إزاي غشوك/ إزاي بسلاحك بإيديك قتلوك ـ قتلوك/ إزاي إزاي إزاي… إلى آخر الأغنية الوطنية المعروفة للشاعر أحمد شفيق كامل والموسيقار محمد عبد الوهاب.
وعلى المستوى الرياضي لمع اسم حارس مرمى النادي الأهلي في سبعينيات القرن الماضي مروان كنفاني الشهير بمروان الغزاوي الذي عاش في مصر فترة طويلة وأحبه جمهور كرة القدم وتزوج من إعلامية شهيرة كانت ذائعة الصيت ولها الكثير من البرامج الناجحة ويعرفها الجمهور العربي حق المعرفة.
إن حالة الاندماج الثقافي والفكري والوجداني والعاطفي بين الشعبين المصري والفلسطيني ليست وليدة اليوم وإنما هي حالة فطرية تلقائية عمرها من عمر الأوطان والأزمان ولا يُمكن إنكارها أو تجاهلها فهي غير قابلة للمحو أو النسيان أو التشكيك، حيث لا فرق كما أسلفنا بين شقيق وشقيق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية