عبد المجيد مسكود
تُنسب الجزائر العاصمة إلى أسماء شيوخها، وشيوخها هم مغنو الشعبي. ذلك الطابع الموسيقي الذي يتراوح بين الغناء والشعر، فلا أغنية شعبي دون قصيدة وكل قصيدة عاصمية من شأنها أن تُغنى. موسيقى «شعبي» مهمتها استعادة الحنين والعناية بالنوستالجيا والزمن الفائت، فالمغني العاصمي، المتسلح بالمندول أو البانجو، لا يعنيه حاضره بقدر ما يعنيه أن يستذكر ما عاشه السابقون، في مدينة ساحلية، منفتحة على الرياح كلها ـ ظاهرياً ـ لكنها محافظة في جوهرها، على غرار مدن الساحل الأخرى. وشيوخ مدينة (دزاير) كما يسميها أهلها، منهم من رحل وآخرون يواصلون الغناء، على غرار امحمد العنقى، بوجمعة العنقيس، فضيلة الدزيرية، دحمان الحراشي، الهاشمي القروابي، اعمر الزاهي وعزيوز رايس، لكن أيضاً عبد المجيد مسكود (1953) هذا الأخير على الرغم من رصيده وأهميته الفنية، لا يزال محل خلافات، والسبب: أغنية تعود إلى عام 1989 بعنوان: «العاصمة» يحاول كثيرون ـ عنوة ـ تأويلها على أنها أغنية تمييز وتفرقة بين الجزائريين، وبالتالي تحميلها أكثر مما تحتمل أغنية كتبت في رثاء «دزاير».
تكاد هذا الأغنية أن تطغى على اسم مسكود، كما لو أنه لم يؤد غيرها، وهو الذي قضى نصف قرن في الغناء ولا يزال يكتب أشعاره إلى اليوم، على الرغم مما ألم به من مرض.
جولة غنائية
كثيرون تغنوا بالجزائر العاصمة لكن أغنية ـ قصيدة عبد المجيد مسكود تظل أكثر النصوص اكتمالاً في التعبير عن طبوغرافيا المدينة، وتعددها، وحرف ساكنتها، معتقداتهم وأوليائهم الصالحين. تلك القصيدة من شأنها أن تختصر كتاباً عن التاريخ السوسيو ـ ثقافي لعاصمة البلاد. جاءت مكثفة، مكتظة بالرمزيات في شرح مدينة مرت عليها الأهوال وخرجت منها سالمة. مدينة الريحان والياسمين وعبد الرحمن الثعالبي، مدينة النساء الشاعرات والخيالة والدراويش، كما جاء ذكرها على لسان هذا المغني. في هذه الأغنية سوف نسافر بين أحياء المدينة، ونطوف بين حقب من تاريخها القديم، ونحن قعود على دكة الاستماع، سنجد أنفسنا إزاء قصيدة تستحضر إرثاً بشرياً وآخر ثقافياً، على إيقاعات الدربكة والبانجو.
حين صدرت هذه الأغنية، لأول مرة، قبل أكثر من ثلاثين سنة، سرعان ما تحولت إلى واحدة من أيقونات موسيقى الشعبي، وظلت الإذاعة مصرة على بثها في المناسبات وغير المناسبات (رغم أن حقوقها مسجلة عند الفرنسيين).. «يا دزاير… يالعاصمة… سومة قيمتك عظيمة… حبك في قلبي ديما إلى يوم الدين».. هكذا يقول في مطلعها، الذي يكاد يحفظه الجزائريون كلهم من كثرة ما استمعوا إليها. لكن منذ وصول السوشيال صار النشاز صوتاً موحداً للجموع، وطفا الخلاف بشأن هذه الأغنية، بحجة تضمنها جملة واحدة، فسرت في غير محلها، ونقصد منها قول عبد المجيد مسكود: «كل جيه جاك الماشي.. الزحف الريفي جاب الغاشي» (قصدك الناس من كل جهة… الزحف الريفي حمل إليك أناساً غير متحضرين» هكذا غنى مخاطباً مدينته التي أحبها. هل هذه جملة تعني إساءة إلى شريحة من المجتمع؟ هل تمس كرامة الذين وصلوا إلى العاصمة قادمين إليها من أرياف محاذية، أو أخرى بعيدة؟ مع أن مدينة الجزائر، مثل غيرها من العواصم، تستقطب أناسا من بقاع البلاد المختلفة، يأتون إليها من أجل الدراسة أو العمل.
كثيرون تغنوا بالجزائر العاصمة لكن أغنية ـ قصيدة عبد المجيد مسكود تظل أكثر النصوص اكتمالاً في التعبير عن طبوغرافيا المدينة، وتعددها، وحرف ساكنتها، معتقداتهم وأوليائهم الصالحين. تلك القصيدة من شأنها أن تختصر كتاباً عن التاريخ السوسيو ـ ثقافي لعاصمة البلاد.
إن التأويل السريع، غير المتعقل، سوف يحيلنا إلى تفسير مسيء، لكن المنطق يقول ألا نحاكم شاعراً أو مغنيا بأثر رجعي، فهذه القصيدة كتبت قبيل 1989، وهذه الجملة ـ محل خلاف ـ لم تكن تحمل التأويل ذاته كما هي عليه اليوم. إذا طفنا في الجزائر بأكملها، من شرقها إلى غربها، سندرك أن الناس يتداولون قاموسين لغويين مختلفين، حسب منطقة سكنهم، قاموس ساكنة المدن ليس هو قاموس الأرياف. كما أن هناك خصومة تاريخية بين الطرفين، خصومة صامتة، ويمكن أن نعثر على مثلها في كل البقاع المغاربية، هي حساسية بين سكان الحاضرة وغيرهم، لذلك فإن عبد المجيد مسكود لم يأت في هذه الأغنية بشيء جديد، بل جاهر بموضوع يعرفه الآخرون ويتداولونه في ما بينهم في صمت، دون مقاصد سيئة. ويفسر مهدي براشد، الباحث في الثقافة الشعبية علة سوء تأويل هذه الأغنية الملحمية: «لعل من سوء حظ هذه الأغنية أن شيوعها تزامن مع موجة نزوح أخرى عرفتها العاصمة بسبب فرار العديد من الجزائريين من دموية الإرهاب إلى العاصمة، خاصة تخومها، وظهور سلسلة من الأحياء القصديرية في محيط المدينة، ما أثار حفيظة هؤلاء، وشعروا بأنهم المعنيون بـ»زحف الريفي جاب غاشي» وسيزداد الأمر حدة عندما فتحت هذه الأحياء القصديرية ملفا حساسا هو «ملف إعادة الإسكان» وبروز شريحة واسعة من سكان مدينة الجزائر يعيشون أزمة سكن ويرون أنهم الأحق بإعادة الإسكان وهم أبناء المدينة، وأنهم ليسوا مجبرين على إقامة بيت من القصدير حتى تكون لهم الأولوية». هذا التفسير يتطابق مع ما ذهبنا إليه سلفا، أن الحملة الموجهة ضد الأغنية المرجعية هي قضية حديثة، تتعلق بجيل جديد، بينما لم ير جيل آبائهم سوءاً في كلماتها.
الحساسية المفرطة
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها أغنية شعبية، هذا القدر، وتصير محل لغط، فقد ظهر في السنوات الأخيرة، الكثير من القراءات المتضاربة في ما بينها إزاء أعمال أخرى من الموروث الفني للبلاد، بتنا كل حين نسمع خرجات في محاكمة مغنين أو كتاب كلمات أغاني بأثر رجعي. صارت هناك محاكم أخلاق، تنمو وتكبر في الظل، تبث تأويلاتها الذاتية بين الناس، فترفع من أسهم مغن وتسيئ لآخر، وظل عبد المجيد مسكود، كعادته، هادئاً إزاء العواصف التي تثار من حوله، متمسكاً بصفاته كما عرف عليه دوماً، وهو الذي تربى في الفن منذ سنوات المراهقة، بدءاً من المسرح، برفقة حسان الحسني، وصولاً إلى الغناء، الذي تدرج فيه من مغني الحي، ومغنِ في حفلات الزفاف، قبل أن يصير ضيفاً دائماً في التلفزيون على بيوت الناس. وسطع نجمه مع أغنية «العاصمة» التي لم يسجلها غلا بعد أن شاعت في الحفلات العائلية، ولم يسبق طوال ثلاثين سنة أن فسرها أحد على أنها تحمل تمييزاً أو تفرقة جهوية. إن ما حصل وما يحصل مع هذه الأغنية ليس سوى حلقة من مسلسل طويل من محاكمات بأثر رجعي يتعرض لها فنانون جزائريون من طرف مستمعين طارئين.
كاتب جزائري