في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية: هل ما تزال للتونسيين القدرة على العبور إلى برّ الأمان؟

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تبدو تونس اليوم أمام لحظة فارقة في خضمّ المخاض العسير الذي تعيشه سياسا واقتصاديا واجتماعيا، وذلك منذ الإعلان يوم 25 تموز/يوليو عن التدابير الإستثنائية والتي أدخلت البلاد في مرحلة جديدة أراد خلالها الرئيس قيس سعيد القطع مع المراحل السابقة وفرض رؤيته لكبرى التوجهات العامة السياسية والاقتصادية في البلاد.

وقد اختلفت التقييمات في تونس بشأن الإستشارة الوطنية، التي تعتبر المرحلة الأولى من خريطة الطريق التي وضعها وتعهد بتنفيذها الرئيس التونسي للخروج من المرحلة الإستثنائية والعودة إلى النظام الديمقراطي.
ومع انتهاء الآجال التي تمّ وضعها للمشاركة في هذه الإستشارة الإلكترونية، فقد اعتبر البعض، أنها حققت أهدافها وتمكّن «حكام تونس الجدد» من معرفة التوجهات العامة للتونسيين استعدادا لإتمام باقي المراحل ومنها تعديل الدستور وعرضه على الإستفتاء وتنقيح قانون الأحزاب والقانون الانتخابي وقوانين أخرى وذلك قبل إجراء الانتخابات التشريعية نهاية هذا العام.
فيما ذهب آخرون إلى اعتبار أن الرئيس سعيد وفريقه فشلوا فشلا ذريعا، ومن خلال هذه الإستشارة، في دفع التونسيين إلى الاهتمام بمستقبل بلادهم والدليل على ذلك هو ضعف أعداد المشاركين الذين تجاوزوا بالكاد النصف مليون مشارك بقليل. وحتى بعض من شاركوا عبروا على انزعاجهم من طريقة طرح الأسئلة التي رأى عدد منهم أنها غير دقيقة ويصعب أن تساهم في إرشاد أصحاب القرار إلى ما يريده التونسيون.
كما أن فرض أن تتم المشاركة بوسائل الإتصال والتكنولوجيات الحديثة والمنصات الإلكترونية جعل عددا هاما من التونسيين عاجزين عن الإدلاء بدلوهم في هذه الإستشارة وخصوصا كبار السن الذين لا يستعملون هذه التقنيات. فقد كان من المفروض، بحسب هؤلاء، أن تتم استشارة الناس ميدانيا من خلال زيارتهم فردا فردا والاستماع لمشاغلهم وتطلعاتهم في مختلف المجالات على غرار ما يحصل عند إحصاء السكان.
كما يرى البعض الآخر أنه لم تكن هناك فائدة من إجراء هذه الإستشارة من الأساس، فقد كان من الأفضل ربح الوقت من خلال إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية والمرور مباشرة  إلى الإصلاحات الاقتصادية من دون إضاعة للوقت والجهد والمال. فالأوضاع الاقتصادية ازدادت تأزما مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا التي جعلت التونسيين مطالبين بالبحث عن موارد مالية إضافية لتغطية العجز القديم والجديد على حد سواء.

مناخ اجتماعي متوتر

والجدير بالذكر ان المواجهة اليوم بين الرئيس قيس سعيد وبين الاتحاد العام التونسي للشغل باتت في أوجها خاصة بعد ان كشف الاتحاد – من خلال مواقف أمينه العام الأخيرة- عن تعارض واضح مع توجهات الحكومة التونسية ومن وراءها توجهات الرئيس. وتجلى ذلك من خلال خطاب أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، والذي تطرق خلاله إلى مسألة رفع الحكومة للدعم استجابة لشروط صندوق النقد الدولي مبديا مواقف حازمة حيال هذه المسألة وقال إن الاتحاد لن يناقش مع الحكومة مسألة الدعم إلا إذا قدمت الأخيرة الوضعية الحقيقية والصريحة للأجور مقابل الأسعار في تونس.
وتزامن هذا الخطاب مع عودة ظاهرة الإضرابات في تونس في عديد القطاعات، وآخرها قطاع عمال البلدية الذين نفذوا إضرابا عن العمل للضغط على الحكومة بهدف الاستجابة لمطالبهم الاجتماعية. كما أعلنت نقابة العاملين بالكهرباء والغاز، عن مشاركة 13 ألف عامل في القطاع بالإضراب عن العمل، رفضا لخصخصة إنتاج الكهرباء من الطاقات البديلة.
ومن شأن موجة الإضرابات هذه ان تزيد من وطأة التحديات والصعوبات التي تواجهها حكومة بودن في خضم هذا الظرف الصعب. أما في قطاع الإعلام فقد دخل صحافيون تونسيون،  في اعتصام مفتوح في مقر عملهم بالتلفزيون الرسمي، «دفاعا عن استقلالية الخط التحريري للمؤسسة» وفق النقابة الوطنية للصحافيين. وأوضحت النقابة أن الاعتصام يأتي «من أجل الدفاع عن استقلالية الخط التحريري للمؤسسة باعتبارها مرفقا عموميا، ودفاعا عن حقوقهم المشروعة في مواجهة المضايقات التي يتعرضون لها». وقد ازدادت وتيرة التوتر والتشنج بين قطاعي الإعلام والحكومة مؤخرا خاصة بعد ما اعتبرته نقابة الصحافيين بالتضييق على الإعلاميين وآخرها إيقاف صحافي في إذاعة خاصة لرفضه كشف مصدر معلوماته. وكذلك يشهد التلفزيون الرسمي انتفاضة في وجه ما أسماه المحتجون محاولات «فرض أجندة» رئيس البلاد قيس سعيد على التلفزيون.
يبدو اليوم في خضم كل هذه التحولات ان الحراك المعارض لتوجهات الرئيس يتسع، وحتى أكثر الأحزاب التي أعلنت سابقا دعمها اللامتناهي للرئيس وهي «حركة الشعب»   أعلنت خلال مؤتمرها الأخير، عن جملة من التحفظات بشأن السياسات العامة للدولة في ظل المرحلة الإستثنائية.

وضع اقتصادي مترنح

وفي خضم هذا المناخ الاجتماعي المتوتر، تصطدم عملية البحث عن الموارد والسيولات المالية بالتخفيض الجديد في تصنيف تونس السيادي الإئتماني الذي سيزيد من زعزعة ثقة المانحين في قدرة الاقتصاد التونسي على سداد القروض في آجالها في حال تمت الموافقة على منحها. وبالتالي ستفكر كل جهة مانحة مرات ومرات وسيعترض أكثر من مسؤول وصانع قرار على إقراض تونس بعد تصنيفها الجديد وهي التي باتت تحتل المراتب المتأخرة في جل التصنيفات والمؤشرات التي لها علاقة بالتنمية أو جودة الحياة أو السعادة أو غيرها.
ولعل هذا التصنيف الجديد سيزيد من تلكؤ صندوق النقد الدولي في منح تونس القرض الذي تريد، والذي تتفاوض عليه الحكومة منذ فترة مع الصندوق ولم تنجح في إقناعه على الموافقة. فالطرف المانح يطالب بإصلاحات مؤلمة عجز من هم في الحكم عن الاستجابة لها وتتمثل أساسا في خفض كتلة أجور المنتمين إلى الوظيفة العمومية ورفع الدعم عن السلع الأساسية وإصلاح المؤسسات العمومية التي باتت تمثل عبئا على الاقتصاد الوطني.
فهناك أطراف اجتماعية تقف سدا منيعا للحيلولة دون خضوع البلاد لإملاءات صندوق النقد الدولي، وهناك القدرة الشرائية للمواطن التونسي التي ستتدهور مع رفع الدعم عن السلع الأساسية، وهناك شبح البطالة الذي قد يهدد البعض في حال استجابت الحكومة لطلبات الصندوق ضاربة عرض الحائط بالمسائل الاجتماعية. كلها عوامل تجعل مهمة الحكومة عسيرة في إقناع صندوق النقد الدولي بمنح الخضراء القرض الذي تريد لتغطية العجز في الميزانية عن فترة ما قبل الحرب الروسية الأوكرانية وذلك من دون الحديث عن الحاجيات الجديدة المنجرة عن هذه الحرب.
ولسائل أن يتساءل في هذا الإطار ماذا لو رفض صندوق النقد الدولي إقراض تونس؟ هل تم إعداد خطة لتعبئة الموارد والبحث عن بدائل رغم هذا التصنيف السيادي الائتماني المتردي؟ إن ماهو أكيد إلى حد الآن أنه لا توجد خطط بديلة باعتبار أهمية المبلغ المطلوب وصعوبة الحصول عليه من أطراف أخرى ليس لها وزن صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى أن حكام تونس الجدد لم يولوا المسائل الاقتصادية والاجتماعية المكانة التي تستحق في سلم الأولويات.
فساكن قرطاج قد وقع على ما يبدو في شراك خصومه وذلك بعد أن ضغطوا عليه وحركوا أطرافا دولية خارجية ليسارع بالخروج من المرحلة الاستثنائية، فجنح إلى الاهتمام بالشأن السياسي على حساب الشأن الاقتصادي وكرر خطأهم ذاته عندما كانوا في الحكم وسار على نهجهم. ألم يكن من الأفضل لو أن رئيس الجمهورية قضى هذه الأشهر الثمانية يبحث مع خبراء الاقتصاد عن حلول للخروح من هذه الأزمة وصم أذنيه عن الضغوط التي كانت تدفع به إلى إيلاء الأهمية للإصلاحات السياسية؟
يبدو للبعض أن زمن التدارك لم يفت بعد، وأنه بإمكان التونسيين أن يخرجوا من هذه الأزمة الخانقة شريطة توفر عاملين أساسيين: أولهما احترام الآجال الواردة في خريطة الطريق من قبل رئيس الجمهورية وذلك للتسريع بالخروج من المرحلة الإستثنائية والعودة إلى الديمقراطية، وثانيهما حسن استغلال الموارد الذاتية والترفيع في نسق تصدير بعض المنتوجات على غرار الفوسفات الذي تضاعف ثمنه في الأسواق العالمية في الفترة الأخيرة نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية. فالفوسفات هو حل ناجع شريطة العودة إلى نسق التصدير العادي الذي قدم تونس، وقبل حصول ثروتها، كثاني منتج ومصدر لهذه المادة على مستوى العالم.
لا أحد ينكر أن الخضراء بقيت تترنح اقتصاديا واجتماعيا طيلة عشرية من الزمان لكنها أيضا بقيت تقاوم بكل السبل الممكنة والمتاحة وتبحث عن التوازن لتستمر ولا يصيبها ما أصاب اليونان وبلدانا أخرى أعلنت إفلاسها. لكن الأمور اليوم باتت أخطر مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، وإيجاد التوازن الذي كان متاحا بالأمس لم يعد ممكنا اليوم باعتبار ثقل التركة التي خلفتها العشرية الماضية. وبالتالي فلا خيار أمام التونسيين سوى الحوار دون إقصاء لأي طرف لإيجاد الحلول الكفيلة بالخروج من هذا الوضع المزري الذي وجدوا أنفسهم فيه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية