من بداية الرواية، بل من غلافها وعنوانها الذي لم يكتف بالغبار، بل كان فيه ضمن ذهابه للماضي، تتشكل لدى القارئ انطباعات أولية بأن هذه الرواية تحكي عن الزوال، ومع تتبع مساراتها السردية، يؤكد مؤلفها سمير الزبن تلك الانطباعات.. ويبدأها بخلع «هالة» لحجابها كرمز لزوال ما كان سبباً في هروبها.. ولكن بتتابع الأحداث والحكايات والصور، يطال هذا «الزوال» كل شيء، الأمكنة والشخوص والأحداث والصور، وحتى المبادئ والأخلاق والقيم، لأن أغلب الأخطاء السلوكية والتصرفات المرضية، لم تتم مكاشفتها بين الشخصيات، ولا المحاسبة عليها أو حتى التراجع عنها.
في هذه الرواية يرمي الكاتب كل الغبار إلى الزوال.. البطلة والراوية «هالة» وهي تغادر بلدها تخلع حجابها، كرمز لتعصب ديني ما، ولنسيان ماضيها بما فيه من انزلاقات وتناقضات ومعاناة وقهر وخذلان.. وبأحداث حماة تزول الأمكنة، وبشلل والدها تزول قوته ويبقى ضعفه، وبالتحرش بها تزول القيم والأخلاق، وبموت أمها يزول الإنسان، وبقصف المقبرة يزول قبر أمها.. ويزول الزوال.
البناء والسرد
تتعدد وتتنوع مسارات السرد في الرواية، وإن كان السرد السائد الحالة الاجتماعية بمرجعياتها الدينية والمذهبية، وخطوطها الحمر.. فإن صاحبها يفرد مسارات سردية للسياسة والاقتصاد وعلم النفس الأقرب للتحليلي.. وبكل هذا يحاول سمير الزبن أن يخرج عن السائد من البناء التقليدي باعتماده على ما يسمى ببنية «الدفقة الواحدة» للرواية، فيعمد إلى تفكيك التسلسل الزمني للأحداث، ضمن حكايات تسردها «هالة» وهي في الطائرة مهاجرة إلى أمريكا، ويكون بذلك قد كثف كل الزمن الوقائعي للرواية في هذه الرحلة، وعمد إلى تأمين وحدة «الراوية هالة» داخل الطائرة، فحجز لها مقعداً قرب النافذة، ومن دمشق إلى إيطاليا، كان بجانبها مسافر نائم طوال الرحلة لأنه أخذ حبوباً منومة علاجاً لخوفه من الطيران، ومن إيطاليا إلى نيويورك كانت جارتها امرأة صينية أو يابانية، وضعت على صدرها ورقة تقول إنها لا تجيد الإنكليزية.. وبات الشريط التخييلي يعتمد على ركائز للتداعيات بعيدة عن المشهدية.. فقط بعض الوقائع في الطائرة كأن تهز رأسها كي تنفض أفكارها، أو تحرك شعرها، أو ابتسامة الذي كان نائماً بجانبها.. وبغياب المشهدية، أي حركة الشخصيات والأحداث وتفاعل كل مكونات الرواية في المكان.. صارت مسارات السرد أقرب إلى خيوط السيناريو، وصارت الحكاية تتكئ على الحكاية كحكايات «شهرزاد» لكنها لا تكتمل دفعة واحدة، وبضياع المكان تخلخل الزمن أيضاً ضمن سعي الكاتب إلى تجاوز التسلسل الزمن التقليدي للأحداث، وصارت الكتابة أقرب إلى الذهنية، وضاعت توقعات القارئ واستنتاجاته، وأضاف ذلك إلى إشكاليات الشخصيات ارتباكاً في منطقيتها، كأن يؤجل «حسني» حديثه لحبيبته «هالة» عن عشر سنوات قضاها في السجن إلى نهاية الرواية، بدون أي مبرر مقنع.. أو كأن يبدأ تحرش زوج أخت «هالة» بها في المكتب نفسه على دور «عامر» وليس على دور «حسني» بل يبقى ذلك التحرش ضمن عدة حكايات فقط لأنها لا تريد تخريب بيت اختها. والمفارقة أن الكاتب الذي اعتمد تقطيع وتشابك خيوط حكاياته، لم يعمد إلى التشويق وشد القارئ إلى المجهول، فمن بداية الرواية «فداء» في أمريكا و«هالة» مسافرة إليها.. وبعد ذلك هل ثمة تفاصيل مثيرة تشد القارئ؟
تتعدد وتتنوع مسارات السرد في الرواية، وإن كان السرد السائد الحالة الاجتماعية بمرجعياتها الدينية والمذهبية، وخطوطها الحمر.. فإن صاحبها يفرد مسارات سردية للسياسة والاقتصاد وعلم النفس الأقرب للتحليلي.
منطق الشخصيات
مما لا شك فيه أن تناول العقائد الدينية الداخلية للشخصيات موضوع إشكالي بحد ذاته، وعمق العلاقة مع الله عبر المذاهب الدينية علاقة خاصة جداً، حتى السير الذاتية والحوارات التوثيقية لا تؤطرها بناظم ما يمكن الاتكاء عليه للحكم على الشخصية، أو للحديث عنها، لكن ثمة بيئة معينة ترسم ملامح تنشئة هذه الشخصية على الأقل. «بيت السعيد» عائلة معروفة في حماة، أحداث الرواية تدور في السنوات الواقعة بين عامي 1976 و2008 تقريباً، إذن اختار الكاتب مدينة حماة كبيئة لتطور شخصيات روايته فيها، وتشكيل الملامح العامة لأفراد تلك العائلة، وانطلاقاً من أن لكل قاعدة شواذ نذهب مع الروائي إلى عدم اهتمام هذه العائلة بالحجاب.. يعني «هدى وفداء وهالة» يقمن في دمشق لكنهن يزرن العائلة في حماة.. وقد ماتت الأم ومرض الأب، ومرت سنين وكبرت «هالة « وذهبت إلى الجامعة.. وفجأة إثر موت الأب، تنبع نساء حماة من تحت سجادات الصلاة ويؤنبن ويوبخن ويخوفن البنات من غضب الله، وعذاب جهنم وعذاب القبر لعدم ارتدائهن الحجاب.. هدى محجبة ومتزوجة في دمشق، فداء لم تكترث لهن، لكن هالة: «شـعرت أن جسـدها يحترق بنـار حامية، أصيبت بالدوار وهي جالسة، زرعت فيها تلك الكلمات الرعـب مـن حسـاب الآخـرة، أخافتهـا ألـوان العـذاب، من عذاب القبر إلى جهنم التـي سيصـليها فيها االله، وذهبـت إلى أختها هدى وطلبت منها غطاء للرأس، فأحضرته لهـا، وضـعته علـى رأسها، وباتت منذ تلك اللحظة محجبة». إن الخلل ليس في هذا التحول السريع وحسب، بل بغياب تأثير البيئة المنطقي.. ففي مدينة كحماة الحجاب منذ الابتدائية في المدارس، فلا عودة أبداً لدور الأم، ولا ذكر لأي تأثير لأخوة هالة الذكور الأكبر سناً منها.. وماذا عن والدها الحموي وبيت سعيد العائلة المعروفة في حماة.. إن المنطق يقول بتأثير البيئة في تشكل وبناء الشخصية، وليس استحضار البيئة للحكاية.
ولم تتوقف إشكالية شخصية هالة عند هذا التحول السريع وحسب، بل في كل علاقاتها مع معارفها في الرواية، وقد سلط الكاتب الضوء على طفولة هالة، مقارباً علم النفس التحليلي بذكرياتها، فبموت أمها صارت لها امرأة أب، كانت تخافها رغم حيادية المرأة.. ونبهتها مرة أن لا تضع يديها بين فخذيها، فحين جاءتها الدورة الشهرية أصابها الهلع والخوف من خالتها، وقبل ذلك تعرضت لتحرش جنسي من عمها وهي في العاشرة، ولم تفهم ملامسة صديقتها لها في ما بعد.. ويبدو أن هذه العودة لطفولة هالة المجردة من بيئتها ككل، لم تسعف القارئ الربط ما بين هذه الاستعادات وانزلاقات هالة بعد حجابها.. فتحرش عمها انتهى بصمتها وخوفها من وقاحته حين سألوه لماذا تتهرب هالة منه، فقال اسألوها، فتاة في زمننا هذا ولديها اختان ومدرسة وصديقات تخاف من دورتها؟ وبغض النظر عن العلامات الأخرى التي لم تذكرها الرواية كظهور النهدين ونمو الجسد، فكيف لفتاة لا تعرف دورتها تخاف منها لأنها لم تعد بنتأً؟ «عنـدما صـحت مـن نومهـا بعـد عام من تحذير خالتها والدماء تغطـي ملابسـها في تلـك المنطقـة، لـم تعرف ماذا تفعل، لقد تحققت نبوءة زوجة أبيها، وهـي لـم تعـد بنتـاً».
هذه المفارقات تستمر بتكوين الكاتب لشخصية هالة، وإشكالية رغباتها، وتأرجح تلك الرغبات بين الجسد والعقل، بين العقيدة والمحرمات.. كل هذه الطفولة وتكتشف غرائزها متأخرة، في الوقت الذي تثيرها تحرشات زوج اختها الذي تكرهه، وتحب عامر ولا ترغب به، تمارس السّحاق مع جارتها سعاد، وتمارس الجنس مع حسني وهو متزوج من امرأة تعشقه وانتظرته عشر سنوات سجن، وزارتها في بيتها.. وفي الوقت نفسه محجبة وتصلي وتقرأ القرآن وتحافظ على عذريتها لزوجها الشرعي فقط.. هل ثمة علاقة ضمن علم التحليل النفسي بين طفولة هالة وتكونها النفسي.. ربما؟
اللغة في الرواية رشيقة جزلة سلسة بتراكيبها وجملها ومفرداتها… جريئة، وجريئة بفجاجة أحياناً.. متجانسة بمستوياتها بشكل عام.. ويرجع ذلك على أن الكاتب يأخذ من «هالة الراوية» بداية الحكاية فقط، ويحكي هو عن شخصياته ويسأل ويجيب حتى بتفاصيل الأحاسيس الداخلية.
البطل النموذجي
إذا كان الروائي سمير الزبن يخرج عن المألوف أيضاً بالابتعاد عن البطل النموذجي التقليدي، ويكسّر كل «التابوهات» والمحرمات، فهذا لا يعني أن لا نجد في الرواية شخصية سليمة نفسياً أو فكرياً أو سلوكياً، شخصية بسيطة إيجابية على الأقل؟ إذا سلّمنا أن هالة وحسني وزوج أخت هالة وعمها، وجارتها سعاد التي خانت زوجها مع ابن أخيه.. خانوا المبادئ والحب الشرف والعلاقات الإنسانية والزوجية والمهنية.. فماذا عن باقي الشخصيات التي يستعيدها الكاتب تبعاً للحكاية التي يريد؟
الأب ظلمته الحياة بشلل نصفي.. كيف ولماذا في ظل الغيبيات التي تسيطر على أغلب شخصيات الرواية وجوها العام؟ الأخ عبد الله الذي لم يظهر في واقعة الحجاب، يظهر فجأة كي يهدد اخته فداء بالذبح إذا تزوجت من مسيحي أجنبي حتى لو أعلن إسلامه. عامر الذي يحب هالة بصدق وإخلاص، يتركها ويتزوج مسيحية مثله رضوخاً لحزن أمه وبطش أبيه. زوج هالة المصري الذي تزوجته هروباً من خذلان حسني وعامر، كان شكاكا ومريضاً اتهمها بعذريتها وطلّقها، ما دفعها لحسم كل أمورها والهجرة إلى نيويورك بلم شمل من اختها فداء. والمفارقة أن الكاتب الذي فرد صفحات مفصلة عن تمسك هالة بعذريتها، التي كانت محورية في حياتها وعلاقاتها مع من تحب.. نسي تماماً هذا الموضوع «العذرية» عند أختها فداء، فقد نامت مع حبيبها الأمريكي في الفندق، وسرد الكاتب تفاصيل دقيقة عن طقوس تلك الليلة بين رجل وزوجته.. ولم يحترم ذهنية القارئ وتساؤلاته عن تلك المفارقات. بغض النظر عن العلاقة مع إدوارد الظريف والمخلص والهادئ.. الذي لم نعرف لماذا أحب فداء، فالشخصية المعطاءة الدمثة المتصالحة مع نفسها، والمتماسكة والمتجانسة مع بيئتها وعملها في الترجمة ومع علاقاتها بالجميع هي فداء.. فداء التي لا تضع حجاباً لكنها تؤمن بالغيبيات، وفي أول محك واقعي عادت إلى مرجعياتها الدينية، ورفضت الزواج من حبيبها إدوارد المسيحي، من دون أن يعلن إسلامه، ورفض إدوارد ذلك لأنه علماني، وكان الحل هو الزواج المدني؟ وللأسف ظلمت الحياة فداء بحرمانها من الأطفال بسبب استئصال رحمها، كما ظل والدها الطيب الحنون البسيط بشلل نصفي أقعده عاجزاً بقية عمره.
اللغة ومستوياتها
اللغة في الرواية رشيقة جزلة سلسة بتراكيبها وجملها ومفرداتها… جريئة، وجريئة بفجاجة أحياناً.. متجانسة بمستوياتها بشكل عام.. ويرجع ذلك على أن الكاتب يأخذ من «هالة الراوية» بداية الحكاية فقط، ويحكي هو عن شخصياته ويسأل ويجيب حتى بتفاصيل الأحاسيس الداخلية.. ولكن هناك بعض التبايات في المستويات اللغوية تظهر في التعبير عن الأحاسيس الدينية، أو في علاقات الحب وعواطف الافتقاد كتعابير والدها بعينيه، ولغة هالة الطفلة حين عبرت عن مشاعرها بافتقاد أمها.. وبغياب مشهدية الأحداث غاب توصيف الأمكنة وتفاصيلها وحركة وعلاقة الشخصيات بها، كما غاب وصف ملامح الشخصيات ذاتها، فلم نعرف لماذا هالة بهذا الجمال ولا كيف هو شكل حسني أو عمار إلخ.
كما ساهم في عدم تباين المستويات اللغوية تبعاً لاختلاف الشخوص، استخدام الروائي لضمير الغائب (هي، هو) طيلة الرواية، ما عدا حديث «حسني» عن تجربة سجنه، « بضمير المتكلم «أنا» وكانت اللغة حميمية معبرة وصادقة، واستطاع الكاتب أن يخرج من النمط السائد للحديث عن السجون، مضيفاً أن السجن ليس جدرانا وقضبانا وحسب، بل هو تدمير للذات والمجتمع والحياة والأحلام، الخ، حتى بعد الخروج منه.
وفي نهاية الرواية التي منها عنوانها، ترتقي اللغة للحالة التي كانت فيها «هالة» إلى ما يمكن تسميته بالواقعية السحرية، حين يختلط الحلم بالواقع، والحقيقة بالخيال، في حلمها بعاصفة من الغبار تلاحقها لتبتلعها، ولـيس هنـاك أحـٌد تلجـأ إليـه، أو مكان تحتمـي بـه.. وتستمر في الـركض، ويمـلأ الغبـار عينيها وفمها.. وحين نزلت من الطائرة ركضت باتجاه اختها فداء ورمـت نفسـها عليها باكية في حضـنها، أبعدتها فداء عنها لترى وجهها الباكي، نفضت هالة شعرها بهـز رأسها باتجاه اليمين واليسـار بقـوة.. وسـألت فـداء مـن بـين دموعهـا: هـل تشّمين رائحة الغبار؟
كاتب وصحافي فلسطيني/ سوري