يتناول المخرج الاسكتلندي، بن شروك، في فيلم”ليمبو” ثاني تجربة إبداعية له بعد عمله “بيكاديرو” (2016) قضايا اللجوء الإنساني التي تؤرقه كسينمائي. حيث يحاول أن يقدم للمشاهد وجهة نظر مغايرة للسائد.
يقترب فيلم “ليمبو” من مسارات شباب ركبوا بحر المغامرة ليصلوا إلى إحدى الجزر الاسكتلندية البعيدة حيث تم تجميعهم في بيت ريفي في انتظار حصولهم على صفة لاجئين.
يبدأ الفيلم بأول لقطة يظهر فيها لاجؤون يتابعون عن كثب، تبدو سحناتهم غير راضية على ما يقع، حصة لقسم الاندماج الاجتماعي حيث ترقص فيه مكونة رفقة زميلها الذي يحاول، فيما يبدو، إثارة الحاضرين.
يقدم الفيلم أبطاله الذين تختلف مساراتهم وأحلامهم، لكن يبقى الحصول على اللجوء الإنساني هو ما يوحد بينهم ويؤرق حياتهم اليومية.
ويقترب بن شروك من طالبي اللجوء القادمين من ثلاثة أماكن مختلفة حيث يقدم أفارقة وسوريا وأفغانيا، تم جمعهم في بيت ريفي يضم الحاجيات الأساسية للعيش. يواجهون صعوبة التأقلم في منطقة باردة الطقس بفعل تساقط الثلوج.
تتعدد أحلام هؤلاء الشباب الذين يتم استغلال بعضهم للعمل، رغم عدم توفرهم على رخصة الشغل، وما بين من يحلم بحياة هادئة تنسيه ماض يجثم على حاضره ويجعله أسيرا لوقائع تقاوم النسيان.
عمر السوري
يحمل عمر معه نظرة حزينة، رغم صغرسنه، يضاعفها حمله لحقيبة آلة العود، ظلت تلازمه طوال الفيلم، ولم يعزف عليها ليس فقط لأن يده مكسورة، وفيها جبس يمنعه من العزف، بل لأنه يعاني من صراع داخلي لشعوره الدائم ببحثه عن الخلاص الفردي، بعد مغادرته سوريا رفقة والديه، في الوقت الذي لا يزال فيه أخوه نبيل يقاوم في سوريا.
يترك عمر والديه في تركيا، التي تعامل اللاجئين السوريين بقسوة، ويتجه نحو اسكتلندا باحثا عن مستقبل أفضل من دون أن ينسى آلة العود التي سيجد الطريق للعزف عليها بعد زيارة غير متوقعة لأخيه نبيل، في حلم اليقظة، عندما دخل لدير من أجل الاختباء من عاصفة ثلجية.
لقد سمع من أخيه ما يثلج قلبه، رغم العتاب، حيث خاطبه قائلا: “الموسيقي الذي لا يعزف العود لفترة طويلة عازف ميت” ثم يؤكد له أيضا “بالعود أيضا نساهم في تحرير سوريا”.
فرهادي الأفغاني
لاجئ أفغاني، يحب الموسيقي وهذا ما يوطد صلاته بعمر. من عشاق فريدي ميركوري، نجم فرقة “كوين” البريطانية، يعاني من ميولاته الجنسية التي اعترف بها بطريقة مبطنة. يريد أن يصبح موظفا إداريا ويرتدي بذلة مع ربطة عنق أصر على أنه منذ سنوات لم تبتسم أية امرأة في وجهه.
قراءة العيون
عندما دخل في نقاش مع عمر حول الكيفية التي يعرف بها هل المرأة المرتدية للخمار مبتسمة أم غاضبة، كشف فرهادي لعمر السر ومعه للمشاهدين.
انتظر فرهادي، المولع بالديوك، 30 شهرا للحصول على وضعية اللاجئ، لكن الأمل لم يفارقه قط في تحسين وضعيته، لهذا ظل يلح على عمر في أن يتابع مسيرته الفنية ويصبح وكيلا لأعماله.
أحلام أفريقية
يطرح الفيلم الحلم الأفريقي الذي لا يتحقق. تماما كما العيش في دوامة الهروب التي تنطلق من البلد الأصل، نيجيريا في هذه الحالة، إلى جحيم ليبيا للوصول إلى اسكتلندا حيث ينتظرون أمر الاعتقال أو الموت في حالة الفرار من قبضة الأمن بسبب سوء الأحوال الجوية.
ما بين حلم اللعب في فريق”تشيلسي” الإنكليزي والعمل في النظافة يتيه الحلم الذي تؤرقه ذاكرة الألم والغياب المفجع.
شباب يحلم بحياة هادئة تنسيه ماض يجثم على حاضر ويجعلهم أسرى لأحداث تقاوم الذاكرة لتطفو إلى السطح اختلافاتهم والتي سرعان ما تذوب.
عندما تنفد الدموع
من اللقطات التي تلخص فداحة المأساة تلك التي كانت في قسم الانذماج الاجتماعي عندما تم سؤال أحد اللاجئين استعمال مفردة “اعتدت على” بالإنكليزية حيث كان مثاله صادما “اعتدت على البكاء كل يوم..لكن تركت، منذ مدة، هذه العادة لأن دموعي نفدت بالكامل”.
الحوار الفيلمي
اختار بن شروك، كاتب سيناريو الفيلم أيضا، أن تكون حوارات الفيلم باللغتين الإنكليزية ما بين شخصيات الفيلم، لكنه في الحوارات العائلية جعلها باللغة الأم. أحاديث عمر مع عائلته كانت باللهجة السورية، ثم الأغاني التي كانت تصدح بها الأم وعمر أيضا وخاصة أغنية “عصفور طل من الشباك”.
دارت حوارات عمر مع أهله داخل مخدع الهاتف حيث يأتي صوت الأم والأب عبر السماعة، فيما يحضر نبيل مباشرة في حلم اليقظة ليمنح عمر تأشيرة العزف كمرادف للمقاومة والتحرر تماما كما يفعل هناك.
تأطير المشاهد
من بين نقط قوة الفيلم، بالإضافة إلى الحوار، نجح بن شروك في تأطير المشاهد التي تم تصويرها في الفضاء الخارجي وبعضها داخل البيت أو القسم.
وكان كل شي في المشاهد يوحي بالانتظار (لقطات اللاجئين أمام مخدع الهاتف، وهم ينتظرون ساعي البريد، قدوم الشرطة…)
ثم استعمل لقطات الحذف أو، خارج الحقل، حيث يأتي الصوت وحده ليعبر عن كل الآهات التي جعلت مخدع الهاتف دافئا وحزينا. ثم مشهد الدفن حيث أطلعتنا الكاميرا على القبر فقط.
وظف المخرج اللقطات العامة ليبرز جو الانتظار والترقب والخوف، فيما استعمل لقطات مقربة وأخرى جد مقربة لرصد حالة التوتر النفسي التي تعيشها شخصيات الفيلم وكذلك للاقتراب من لحظات الضحك الطفولي.
على عكس بداية الفيلم داخل فضاء مغلق (القسم) فإن نهايته كانت مفتوحة على فضاء مشرع يسير فيه عمر، بعد نجاح حفله الموسيقي، لترافقه الكاميرا من الخلف وهو يتقدم إلى الأمام.
ولأن قضايا اللجوء الإنساني تتسم بالكونية، كان اختيار الممثلين يتسم بالتنوع، حيث أدى الممثل المصري أمير المصري، دور (عمر السوري) والأفغاني فيكاش بهاي (فرهادي) والفلسطيني قيس ناشف (نبيل) وفي دور واصف (أولا أريبي) وعبيدي (كوابينا انساه) والممثلة الدانماركية سيدس بابيت كنودسن، والألماني كينيث كولارد (في دوري المساعدة الاجتماعية) والبريطاني لويس غريبين في دور(ابن البلدة).
فيلم “ليمبو” يمزج بخيط كيمياء رفيع ما بين الكوميديا والتراجيديا ويضج بالتقابلات والاستعارات المفتوحة على تعدد الرؤى حسب مشرب كل مشاهد، حيث الأحاسيس والانتماء إلى الفضاء الإنساني المشترك الذي يصر البعض على تعكيره من أنظمة حاكمة تتفنن في تعذيب شعوبها ودول استقبال يحتفظ مواطنوها بكثير من الأحكام القبلية التي تشحنهم بها وسائل إعلام دولهم.
والفيلم ينافس ضمن مسابقة “مخرجين جدد” في مهرجان سان سيباستيان، ويناقش قيمة الفن وجدواه في التحرر من الأسر وقضايا الهوية المعقدة التي تطفو إلى السطح والتي لا تؤثرعلى العيش المشترك بل تقويه إذا ما تظافرت جهود الآخر.
وقد تمت برمجته ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” قبل إلغائه، ما يؤكد أن المخرج بن شروك يتابع مساره الإبداعي المتميز ومرشح بقوة للتتويج بإحدى جوائز المهرجان.