فاوستو بيفيني اوليفانو في”الحقيقة المخفية”: هل اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا مرتبط بمشاريع إسرائيل الفتنوية في لبنان؟

سمير ناصيف
حجم الخط
3

ما هي الحقيقة المخفية والحلقة الأهم في تفسير خلفيات عملية اختفاء الإمام موسى الصدر في زيارة دعي إليها إلى ليبيا، التي كانت بقيادة العقيد معمّر القذافي في نهاية آب (أغسطس) 1978 بالنسبة إلى ما يجري حاليا في ليبيا وفي العالم العربي والشرق الأوسط؟

على الرغم من أن هذه القضية المؤلمة جداً للكثير من اللبنانيين وأبناء المنطقة، وخصوصاً لعائلات الإمام الصدر والشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين (رفيقيه في الاختفاء) وإلى الأكثرية الساحقة من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان والعالم العربي، فإن خلفيات هذه القضية ما زالت غامضة مع أن أسئلة كثيرة طُرحت حول أسباب هذا الاختفاء والمسؤولية عنه وإذا ما كانت نفذته جهة واحدة أو جهات وعن دور إسرائيل فيه.

صَدَرَ مؤخراً كتاب بعنوان “الحقيقة المخفية” كتبه الصحافي والمحلل السياسي الإيطالي فاوستو بيفيني اوليفانو وترجمته إلى العربية ونشرته “مؤسسة الشيخ محمد يعقوب للتنمية” يضم أجوبة كثيرة حول هذه القضية ويشمل مقابلات مع عدد من الشهود العرب والإيطاليين الذين كانوا في ليبيا لدى وقوع هذا الاختفاء أو الذين ارتبطوا بالقادة الثلاثة عائلياً وفكرياً. وجرت هذه اللقاءات في إيطاليا ولبنان وأماكن أخرى.

وقد كلّفَ أبناء الشيخ يعقوب (في عام 2010) الصحافي اوليفانو بوضع الكتاب. وبعد نشره باللغة الإيطالية في مطلع عام 2011 خلال فترة شهرين وتحمُّس الكاتب لترجمته إلى العربية، توفي المؤلف عن عمر لم يتعد 49 عاماً وعثرت عليه الشرطة الإيطالية في شقته متوفياً في ظروف غامضة.

هذا ما ورد في تمهيد الكتاب الذي كتبه نجل الشيخ يعقوب الدكتور علي محمد يعقوب. وبالتالي، وبعد التدقيق في ما ورد فيه، قررت “مؤسسة محمد يعقوب” ترجمته ونشره بالعربية لكون قضية الاختفاء ازدادت غموضاً وارتبطت أكثر فأكثر بما يجري حالياً في لبنان والمنطقة.

يقول اوليفانو في الفصل الأول إن قضية اختفاء الإمام الصدر ورفيقيه مرتبطة بشكل وثيق باختلاف مشروع الإمام الصدر، مع مشروع العقيد القذافي، بالنسبة إلى دعم المقاومة الفلسطينية في لبنان (خصوصا في الجنوب) بعد الغزو الإسرائيلي للجنوب اللبناني واحتلال أجزاء منه لفترة في عام 1978. فالقذافي كان قد نصّب نفسه قائداً للمواجهة الفلسطينية والعربية مع إسرائيل فيما الإمام الصدر كان قد بدأ في إنشاء نواة لمقاومة لبنانية ميدانية مسلحة وسياسية تأخذ مصالح أبناء لبنان عموما والجنوب (أكثرية سكانه من المسلمين الشيعة) في الاعتبار، وتعتمد خططاً سلمية خدماتية (بالإضافة إلى المقاومة المسلحة) هي في حاجة أيضاً للدعم.

يقول المؤلف في الصفحة (37) ان الإمام الصدر اعتقد انه في زيارته إلى ليبيا آنذاك سيقنع العقيد القذافي بمساعدة مقاومته في لبنان بتمويلها وإمدادها بالسلاح، وتجاوز الإمام آنذاك تحذير “المجلس الإسلامي الشيعي اللبناني” إزاء تلك الزيارة معتقداً ان القذافي كان في كنف الرئيس الجزائري هواري بو مدين الملتزم مشروع التحرير الفلسطيني ـ اللبناني، وبالتالي ذهب مطمئناً إلى طرابلس ولم يعُدْ.

الكاتب يعتقد في الفصل الثاني أن خلافاً كان قائما بين حركة “أمل” العسكرية ـ الخدماتية التي أسسها الإمام الصدر، و”الحركة الوطنية اللبنانية” وحليفتها المقاومة الفلسطينية، وأن أطرافاً سياسية لبنانية من مختلف الطوائف كانت تتهم بعض المنظمات الفلسطينية (في سبعينيات القرن الماضي) بالسعي لإقامة دولة فلسطينية في لبنان.

ولكن الصدر لم يكن من هؤلاء (حسب المؤلف) بل على العكس كان يطرح “إفلاس إسرائيل (بلد الديانة الواحدة كما سماها) أمام لبنان، بلد تعدد الأديان” فاستقبلته سائر الجهات والكنائس والبابا بولس السادس. (ص 67)

في نظر الكاتب إذاً، كان العقيد القذافي مسؤولاً رئيسياً عن اختفائه بسبب مشادة حصلت بينه وبين الصدر حول المواقف أو بسبب سوء الاستقبال الذي لاقاه ورفيقيه خلال الزيارة وقرارهم السفر المبكر ومغادرة طرابلس الغرب. النائب اللبناني السابق حسن يعقوب (ابن الشيخ محمد يعقوب الذي كان في العاشرة من عمره عندما اختفى والده) قال في مقابلة مع اوليفانو في شباط (فبراير) 2010 ان اختفاء والده كان عملاً: “نظمته أجهزة مخابرات دول أخرى غربية وإقليمية وعربية بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، وقد أوكلت هذه الأجهزة لمعمر القذافي القيام بهذا العمل”. (ص 65)

ويَعتبرُ حسن يعقوب ان الصدر ووالده “جعلا لبنان جسراً بين دول الشرق والغرب بدلاً من إسرائيل”. (والده كان الناطق الرسمي باسم الصدر)

ويؤكد النائب السابق يعقوب ان الإمام الصدر توسط لدى البابا بولس السادس للسماح للإمام الإيراني روح الله الخميني بالإقامة المؤقتة على الأرض الفرنسية في تلك السنة، وقد تم هذا الأمر في 9 أيلول (سبتمبر) من عام 1978 بعد تسعة أيام على اختفاء الصدر.

إذن، تُطرح تساؤلات في الكتاب عن دور “السافاك” (المخابرات الإيرانية في عهد شاه إيران) في عملية اختفاء الإمام بالتعاون مع الموساد، علما أن الصدر دعم خلال حياته السياسية الرئيس جمال عبد الناصر كما ساهم (حسب الكتاب) بالتعاون مع حكومة لبنان وحكومات عربية ملتزمة، بإصدار مجلس الأمن القرار الدولي 425 الداعي إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بعد غزوها واحتلالها لتلك المنطقة في آذار (مارس) 1978.

ولا يوفر يعقوب الولايات المتحدة الأمريكية عبر اتهامها بإمكان ضلوعها في مشروع القذافي الليبي و”الإيراني ـ الموسادي” في عملية اختفاء الصدر الذي كان في امكانه ان يلعب دوراً فاعلاً وكبيراً في مواجهة المشروع الإسرائيلي في لبنان، الذي أدى بعد ذلك إلى احتلال الجنوب اللبناني حتى عام ألفين عندما حررته المقاومة اللبنانية.

ويؤكد الكاتب ومعظم الشهود (بمن فيهم النائب يعقوب) ان الإمام الصدر ورفيقيه لم يدخلوا ولا وصلوا إلى إيطاليا كما ادعى نظام القذافي، ولكن إيطاليا اقحمت في الموضوع بسبب مصالح وصداقة رئيس حكومتها آنذاك سيلفيو برلسكوني مع القذافي وعلاقة المخابرات الليبية في تلك الحقبة مع المخابرات الإيطالية.

ويؤكد الكاتب، في نهاية الفصل الثاني، ان اختفاء الصدر أدى إلى انشقاق في حركة “أمل” انطلقت على أثره حركة “امل الإسلامية” التي أصبحت لاحقاً حزب الله اللبناني. (ص 81).

وفي الفصل الثالث، يشير إلى ان اختفاء الصدر خلق أزمة وتظاهرات في لبنان تزامنت مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد الأولى بين مناحيم بيغين وأنور السادات عام 1978 ومع اكتشاف الموساد الإسرائيلي وجود معسكرات تدريبية لمجموعات لبنانية شيعية في بلدة الطيبة الجنوبية اللبنانية، وهذه المعسكرات كانت على الأرجح تابعة لحركة الإمام الصدر (ص 91).

وإذا كانت نظرية اختفاء الإمام في إيطاليا بعد سفره من ليبيا صحيحة (وهذا ما يستبعده الكاتب) فإن المسؤولين عن الاختفاء كانا إسرائيل والسافاك، ولكن الكاتب يرجح ان الإمام احتُجز في ليبيا في البداية.

وفي الصفحة (117) من الفصل الثالث يورد الكاتب ان القذافي طلب موافقة الصدر في مقابلتهما في طرابلس الغرب على إنشاء جيش أو منظمة عسكرية تواجه “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة سعد الحداد أو تدعم “جيش لبنان العربي” المنشق عن الجيش اللبناني والمدعوم مادياً ولوجستياً من ليبيا، ولكن الصدر عارضَ هذا العرض لأنه رفض ان يُزجّ لبنان، في حمام دم فغضب القذافي منه ونشبَ شجارٌ كلامي عنيف بينهما أدى إلى توقيف الإمام مع مرافقيه.

الفصول (من الفصل الرابع إلى نهاية الكتاب) تشمل مقابلات للكاتب مع شهود إيطاليين ولبنانيين وليبيين حول ما إذا تواجد الإمام الصدر ورفيقيه في طائرة (اليطاليا 881) المتوجهة من ليبيا إلى روما في 31 آب (أغسطس) 1978. وأهم هذه المقابلات كانت مع صحافيين ومسؤولين لبنانيين التقوا الصدر في الفندق نفسه وكانوا في عداد وفد من “الحركة الوطنية اللبنانية” يزور طرابلس الغرب في مناسبة الاحتفالات بيوم الثورة الليبية ومنهم الصحافيون (آنذاك في جريدة السفير اللبنانية) بشارة مرهج ومنح الصلح وأسعد المقدّم، والقنصل اللبناني في طرابلس الغرب نزار فرحات. وخلاصة هذه اللقاءات ومضامين شهاداتهم في التحقيق أن جميعهم لم يقابلوا الإمام الصدر ورفيقيه بعد 31 آب (أغسطس) (تاريخ الاختفاء) مع أن فرحات كان يسعى للحصول على تأشيرات لسفر الوفد إلى فرنسا. وقد حاول الشهود الليبيون إثارة التساؤلات حول سفر الإمام إلى إيطاليا وتأكيد حصوله في شهادات اعتبرها المؤلف كاذبة إذ أشارت هذه الشهادات إلى أن هذا السفر قد تم بالفعل من دون أدلة مقنعة.

وقد وجّه رئيس الوزراء اللبناني (آنذاك) سليم الحص مذكرة استفسار إلى المسؤول الليبي عبد السلام جلود، أُضيفت إلى استفسارات “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان” فلم يحصل على إجابة مقنعة، وحاول جلود إلقاء اللوم على سلطات الشاه الإيراني في اختفاء الإمام في أوروبا. (ص 148)

ويؤكد المؤلف أن التواطؤ الإيطالي ظهر في كون تحقيقات القضاء الإيطالي في هذه القضية كانت تفتحُ وتُغلق بسرعة وبدون إعلام العائلات وممثليهم القانونيين. (ص 227)

وفي الصفحة (310) يورد الكاتب مقابلة مع شخصين يقول انهما مسؤولان في إعلام حزب الله في قيادته، أحدهما ركزّ على أن الصدر اختلف مع بعض القيادات الفلسطينية حول السياسة المطلوب اتباعها في الجنوب اللبناني والآخر على أن الموساد الإسرائيلي لعب دوراً في اختفاء الصدر بسبب تعاطف الإمام الكبير مع الفلسطينيين والمحرومين في لبنان وعدائه للصهيونية العالمية ولمشاريع الوزير الأمريكي هنري كيسنجر في المنطقة آنذاك. (ص 311 ـ 313)

يبقى ان الكاتب قال في الخاتمة جملة ربما أثرت في مواقف النائب اللبناني السابق حسن يعقوب ألا وهي: “هناك مَنْ يجب ان يتحمل المسؤولية، كائناً مَنْ كان الفاعل”. (ص343)

علماً ان يعقوب ساهم في استدراج هنيبعل معمّر القذافي إلى لبنان في السنوات الأخيرة حيث تم اعتقاله في ظل خلافات لبنانية حول مسؤولية هنيبعل عن القضية ومشروعية محاكمته.

 

فاوستو بيفيني اوليفانو: “الحقيقة المخفية

مؤسسة الشيخ محمد يعقوب للتنمية، بيروت 2019

359  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية