برغم اختلاط عناوين المُسلسلات الرمضانية وتزاحم شخصياتها وتعدد موضوعاتها، إلا أن الجمهور تجاوب بإحساسه مع القليل منها وحرص على مُتابعة الحلقات للاستمتاع الشخصي من ناحية والاطلاع على الجديد في سوق الدراما المصرية ونوعياتها من ناحية أخرى، وبطبيعة الحال تبلورت الأفكار والمضامين مع انتصاف الشهر الكريم واكتمال الرؤى الفنية والإبداعية وإيضاحها وبيان مقاصدها وأهدافها. وكعادة كل عام تبدأ عمليات الفرز والتدقيق بعد استيعاب الحالات الدرامية والتخلص من الشعور بالانبهار المبدئي لعملية التلقي والتعامل مع الحكايات والحواديت بتعقل وتدارس للمعاني والأبعاد الموضوعية للأحداث، ومن هذا المنطلق تأتي الأحكام متأنية على مستوى الأعمال فيُدرك منها السمين ويُرفض الغث وفق القاعدة البديهية لأي مُتلقي.
وبمقاييس التذوق الطبيعي للجمهور العادي يُمكن القول بأن نسبة الأعمال المُتميزة كانت هي الأقل بين الكم الهائل من الأشكال والمُصنفات الدرامية ولعل ذلك كان واضحاً في ردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا منذ الأسبوع الأول لعرض المُسلسلات، حيث بدأت عبارات النقد التلقائي تتوالى وتُصيب كبد الحقيقة في كثير من التنويهات والتلميحات والتصريحات حول المستوى المُتردي والضعيف للغالبية من المُسلسلات ذات الخمس عشرة حلقة أو غيرها من الأعمال من الثلاثين حلقة.
ومضى اليوم تلو اليوم ووتيرة الغضب والهجوم تتزايد على كُتاب السيناريو والمُخرجين والأبطال، اللهم بعض الاستثناءات القليلة لنوعيات درامية بعينها كان من بينها مُسلسل «ستهم» الذي جسدت فيه روجينا دوراً فارقاً في مسيرتها الفنية، لكن الحُكم الإيجابي على المسلسل والانحياز له لم يقتصر فقط على دور البطلة ولا موضوع المُسلسل الذي كتبه السيناريست ناصر عبد الرحمن باحترافية عالية أو تمكن المخرج رؤوف عبد العزيز من أدواته الفنية، وإنما الأمر تجاوز كل عناصر التميز المُتوقعة وانصب التركيز كله في مشاركة نجم الإنشاد الديني الكبير يسن التهامي كونه يظهر لأول مرة في عمل درامي على هيئته الطبيعية وبنفس الصورة التقليدية له كمُنشد ومُبتهل يصدح بأجمل ما لديه من مواويل العشق الإلهي وآيات التصوف والزهد والورع، كأنه بالفعل في حلقة ذكر حقيقية وليس مُجسداً لحالة درامية إبداعية فنية خالصة من بنات أفكار الكاتب وبتوجيه من المخرج.
لقد نسي الشيخ يسن كل ما حوله من مُعدات وكاميرات وخلافه واستغرق تماماً في حالته الإبداعية الخاصة كما تعود أن يكون فهو المُولع بالإنشاد والمُتماهي في الكلمات والألحان والسابح في نقاء وصفاء الموال الحزين الشجي، فلطالما امتد به الوقت وهو غائب عن واقعه مُحلقاً في سماء النغم مع كلمات عمر بن الفارض، ذلك الذي ينهل من أشعاره فيُطرب من حوله ويُدخلهم في نشوة الانسجام مع جمال الصورة الشعرية والجُملة اللحنية وصيحات الأداء الصادق بصوت عميق وإحساس أعمق.
هكذا هو الشيخ يسن التهامي المُلقب ببلبل الصعيد باعتباره من أبناء الجنوب وصاحب الرصيد الجماهيري الأوفر في جميع مُدن وقرى ومحافظات الوجه القبلي، وهو سر اختياره ليكون ضمن أبطال المُسلسل الذي تدور مُعظم أحداثة في جنوب مصر، فضلاً عن ملائمة فنه وإبداعه مع الأحداث، لذا تم توظيفه ليكون مُعبراً عن ثقافة المواطن الصعيدي ودالاً على ميوله ومزاجه الفني العام، وهو مزج بين خصوصية الدراما الجنوبية بملامحها المعروفة وطبيعة الصوت الغنائي الإنشادي بكل سماته التأثيرية والإنسانية.
لقد أفلح المؤلف ناصر عبد الرحمن كثيراً في تضمين أغاني يسن التهامي لتُصبح جزءا من نسيج الحكاية التراجيدية بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة كمكون وإضافة مهمة لمسيرة البطلة ومعاناتها داخل مُجتمع مُغلق يسيطر فيه الرجل وتُخول إليه كل المسؤوليات والصلاحيات بوصفه رب العائلة والعنصر الأقوى وصاحب السُلطة والمقام الرفيع، حيث كل المُعطيات في الثقافة الصعيدية تُمكنه من ذلك حسب ما تفترضه الدراما ويفرضه سياق المُعالجة.
ومن واقع ما تم ذكره يأتي مُسلسل «ستهم» في ترتيب مُتقدم بين الأعمال المُتميزة موضوعياً وفنياً، وإن نافسه في المحتوى الفني وجزئية الإنشاد الديني على وجه الخصوص مُسلسل «المداح» الذي يقوم ببطولته المطرب حمادة هلال مع اختلاف الرؤية بين الموضوعين وفوارق الأداء الكثيرة بين هلال والشيخ يسن، حيث الأول يعد مُطرباً شعبياً بينما الثاني مُنشداً دينياً بامتياز يقف منفرداً على ناصية إبداعه وفنه واختصاصه.