صنعاء-“القدس العربي”:مرّ اليوم اليمنيّ للصحافة في التاسع من حزيران/يونيو الجاري وما زالت الصحافة في البلاد تعاني أزمة مأساوية لم يسبق أن عاشتها على مدى تاريخها الحديث الممتد إلى بدايات القرن الماضي. ومن أبرز عناوين هذه المأساة الناجمة عن الحرب المستعرة في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات، توقف صدور معظم إصدارات الصحافة الورقية، وانحسار المشهد في منابر الكترونية كثير منها محظور محلياً، وبقاء أكثر من عشرين صحافياً رهن الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري، علاوة على قطع الحكومة صرف رواتب مئات الصحافيين منذ نحو ثلاثة أعوام، بعضهم دفع به الفقر للجوء لمهن أخرى ومنهم مَن صار يعمل في الزراعة، وبعضهم قسى عليه الزمن، ولم يستطع توفير متطلبات الحياة الأساسية؛ فتفرق شمل عوائلهم، والبعض مات عاجزاً عن توفير كلفة العلاج، وبعضهم يدفع من استقراره ضريبة النزوح الداخلي واللجوء الخارجي، والغالبية يتجرعون معاناة كبيرة باستثناء قلة قليلة جدا تشتغل لصالح أطراف الحرب عبر تبرير نزيف الدماء؛ وهي جريمة تتجاوز، في نظر البعض، جريمة الحرب نفسها.
وما زالت رابطة أمهات المختطفين والمعتقلين بمن فيهم الصحافيون تنظم وقفات احتجاجية للمطالبة بإطلاق سراح أبنائها دون رجع صدى يمنحهم بصيص أمل بالإطلاق أو حتى إعلامهم بمصير بعضهم أو أماكن احتجازهم أو السماح للبعض الآخر بزياراتهم. فالواقع مخيف ولا يقتصر على منطقة يمنيّة دون أخرى بل يشمل البلاد كلها.
في اليوم اليمنيّ للصحافة أزداد عدد المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تطالب بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين وغيرهم من المختطفين والمخفيين قسرياً في كل أرجاء البلاد، بمن فيهم المعتقلون في سجون جماعة “أنصار الله” (الحوثيين). وتصدّرت قضية المعتقلين والمختطفين والمخفيين دعوات ووقفات أحياء يوم الصحافة اليمنيّة بينما تراجعت القضايا الأخرى، وهي المطالبة بوضع حد لمعاناة الصحافيين المعيشية من خلال صرف رواتبهم؛ وهو تراجع فرضته عوامل سياسية باعتبار أكثر الصحافيين معاناة معيشية هم الذين يتواجدون في مناطق سيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) بينما مَن هُم في مناطق سيطرة القوى الأخرى يحصلون على رواتب باستثناء بعض اللاجئين والنازحين خارجياً في عواصم عربية وأجنبية، وخاصة في القاهرة؛ فجل هؤلاء يتجرعون معاناة ومكابدة عيش لا تختلف عن من في الداخل باستثناء أنهم يعيشون بلا خوف من الاعتقال والتخوين، وقد يكون موتهم بعامل طبيعي لا تتدخل فيه أيادي البشر كمن في الداخل الذين يبقون في دائرة الملاحظة والاتهام والاعتقال على حد تعبير أحدهم.
مرصد
وحسب “مرصد الحريات الإعلامية” التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادية، ومقره مدينة عدن؛ فإنه منذ مطلع عام 2015 زادت وتيرة الانتهاكات والممارسات ضد الصحافيين، فقد سجل المرصد (2041) حالة انتهاك ضد صحافيين ومؤسسات إعلامية، منها 43 حالة قتل لصحافيين ونشطاء إعلاميين، كما تم اختطاف العديد من الصحافيين ومورست ضدهم أبشع أنواع التعذيب. وتم تشريد أكثر من 400 صحافياً من مناطقهم منذ بداية الحرب، وتراجع سجل اليمن في مؤشر الحريات الصحافية إلى رقم 168 في الحريات الصحافية من بين 180 دولة.
وجدد المرصد مطالبته بصرف مرتبات الصحافيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية الذين يواجهون أزمة خانقة جراء توقف صرف مرتباتهم منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وخلال شهري اذار/مارس ونيسان/أبريل الماضيين، وفق تقرير المرصد، فقد تصدرت جماعة “أنصار الله ” (الحوثيون) المرتبة الأولى في عدد الانتهاكات التي مورست ضد الصحافيين بعدد 10 حالات انتهاك، تلتها أطراف تابعة للحكومة اليمنيّة المعترف بها دولياً وفي مناطق سيطرتها بعدد 4 حالات، وحالة واحدة سُجلت ضد مجهولين.
الصحافة الورقية
أبرز ملامح معاناة الصحافة اليمنيّة في العام الخامس من الحرب تتجلى بوضوح في ظاهرة اعتقال وعطالة الصحافيين واختفاء الكثير منهم عن المشهد بموازاة اختفاء الصحافة الورقية من صُحف ومجلات، وخاصة في صنعاء؛ فقد تسببت الحرب في انحسار الصدور الورقي في صحف سلطة الأمر الواقع، فيما توقفت عشرات الصحف والمجلات الحزبية والمستقلة التي كانت تصدر قبيل الحرب، وانحسر المشهد الصحافي في مواقع ومنابر صحافية الكترونية، وحتى هذه المواقع مورس بحقها الحظر باستثناء تلك المحسوبة إلى جانب السلطة والمؤيدة لها؛ مما يضطر القراء لاستخدام برامج متخصصة بكسر الحظر لتصفح المواقع الإخبارية.
كما يشمل الحظر عدداً كبيراً من أشهر المواقع الصحافية العربية، الأمر الذي يتضح من خلاله المستوى الذي وصلت إليه معاناة الصحافة والقارئ في اليمن.
كذلك انعكس وضع الحرب على توقف وصول الصحف والمجلات العربية والأجنبية، بما في ذلك الكُتب بسبب الحصار، وهو ما تسبب في إغلاق بعض أكشاك ومكتبات بيع الصُحف والكتب وتحول بعضها لتجارة أخرى؛ “كنتُ أبيع يومياً صحفاً ومجلات بما يوازي مئتي دولار، لكن بعد الحرب توقف وصول الصُحف والمجلات الخارجية، وتوقفت معظم الصُحف والمجلات المحلية، ولم نستطع الاستمرار، فحولنا الكشك لبيع الكتب والمجلات القديمة الصادرة قبل الحرب والمستلزمات المدرسية وغيرها، وبالكاد تصل مبيعاتي اليومية إلى عشرة آلاف ريال (زهاء 20 دولارا)” يقول مُحمّد لـ”القدس العربي” وهو صاحب كشك في منطقة ميدان التحرير وسط صنعاء.
وكان ميدان التحرير ومدخل جامعة صنعاء الجديدة هما أهم مناطق تواجد أكشاك بيع الصُحف والمجلات قبل الحرب في صنعاء فيما عدد منهم حالياً أُغلق وبعضها باعها أصحابها وتحولت لتجارات أخرى.
لقد حرمت الحرب والحصار كثيراً من اليمنيين فضيلة قراءة الصحف والمجلات العربية والأجنبية، حيث كان اليمن سوقا رائجة للصحف والمجلات العربية والأجنبية. يقول علي غيلان وكان مدير الدار العربية للتوزيع أحد أكبر موزعي الصُحف في صنعاء لـ”القدس العربي” إن “القارئ اليمني كان متابعاً ومهتماً باقتناء وقراءة الصحف والمجلات الخارجية في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والعلمية ولمختلف الفئات، الأطفال والنساء غيرهم، وكانت المبيعات كبيرة، حتى جاءت الحرب وتوقف وصول الإصدارات الصحافية الورقية لليمن فتوقف نشاطنا، ولجأنا لبيع الإصدارات القديمة من المجلات، وتحولت سيارات توزيع الصحف إلى توزع المواد الغذائية والمياه”.
عدن
الصحافي ذويزن مخشّف، سكرتير التحرير السابق لصحيفة “الأيام” العدنية اليومية نعى ما وصلت إليه الصحافة اليمنيّة خلال الحرب، وقال لـ”القدس العربي” إن الصحافة في بلاده تعيش أسوأ حالاتها، “إنها تعيش مرحلة لم يسبق لها أن عاشتها بسبب الحرب، إذ أصبحت الصحافة منقسمة إلى جماعات وأطراف تجاوزت انقسامات ما قبل الحرب، وبشكل أثرّ في قيمة العمل الإعلامي ومصداقيته ومهنيته، علاوة على استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لهذه الحالة من الغياب المهني إن جاز التعبير، وبالتالي وجد ما يمكن تسميته بـ (إعلام وهمي) حيث بإمكان أيا كان أن يكتب وينشر ما يريد ويتناقل عنه الآخرون ما ينشره” لكن – كما يقول- “تبقى هذه حالة عابرة وبمجرد توقف الحرب ستعود الصحافة اليمنية أفضل مما كانت”.
وبخصوص وضع الصحافة في عدن قال مُخشف إن وضعها قد يكون أفضل من صنعاء، من حيث وجود صحافة غير حكومية تنتقد وتقول كلمتها، وإن كانت الحريات ليست بالشكل الذي كانت عليه في السابق، إلا أن وضعها أفضل من صنعاء على حد قوله؛ مشيراً إلى تأثر الصحافة الورقية بتزايد في أعداد المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية التي تعمل لصالح أطراف الحرب، لكنه عاد وقال: “مهما قلت فالصحافة اليمنية تعيش أسوأ مراحل تاريخها خلال الحرب الراهنة، وبشكل تعجز عن وصفه الكلمات”.
الانتهاكات
وعودة إلى العام 2018 وهو ما أصدرت بشأنه نقابة الصحافيين اليمنيين أحدث تقاريرها حول واقع الحريات. وكان التقرير رصد 226 حالة انتهاك طالت حرية الصحافة هناك خلال العام الماضي، وتنوعت الانتهاكات بين اختطافات واعتقالات بلغت 86 حالة بنسبة 38 في المئة من اجمالي الانتهاكات و38 حالة حجب مواقع الكترونية ومواقع تواصل اجتماعي بنسبة 17 في المئة ثم الاعتداءات بـ 17 حالة بنسبة 8 في المئة والمحاكمات بـ 17 حالة بنسبة 8 في المئة تلا ذلك المصادرة لمقتنيات الصحافيين ومصادرة الصُحف بـ 15 حالة بنسبة 7 في المئة، ثم التهديدات وحملات التحريض بـ 12 حالة بنسبة 5 في المئة يليها الشروع بالقتل 10 حالات بنسبة 4 في المئة ثم المنع من التغطية بـ 9 حالات بنسبة 4 في المئة و5 حالات تعذيب لصحافيين في المعتقلات بنسبة 2 في المئة و4 حالات إيقاف رواتب طالت الكثير من الصحافيين بنسبة 2 في المئة و3حالات اغلاق مكاتب وسائل إعلام بنسبة 1 في المئة و10 حالات قتل بنسبة 4 في المئة.
وتوزعت حالات الاعتداء بين 47 في المئة اعتداء على الصحافي و18 في المئة اعتداء على مساكن الصحافيين و35 في المئة اعتداء على وسائل إعلام وممتلكاتها.
ووفق التقرير فقد ارتكبت جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) 136 حالة انتهاك فيما الحكومة الشرعية 68 حالة انتهاك والتحالف العربي تسع حالات والحراك الجنوبي حالتي انتهاك.
كما استمرت سياسة مضايقة الصحافيين وجرجرتهم إلى المحاكم، حيث رصدت النقابة 17 حالة محاكمة واستجواب واستدعاء خلال العام الماضي منها 10 حالات محاكمة و6 حالات استجواب وحالة استدعاء.
وحسب أحد تقارير عضو مجلس النقابة نبيل الأسيدي فإن “النقابة ما زالت رغم كل ما تقوم به تفتقد لآلية عمل واضحة تضمن رصد وتوثيق كل حالات الإنتهاك التي يتعرض لها الصحافيون حيث تكتفي ببلاغات الضحايا أو أقاربهم وزملائهم وتكتفي، أيضاً، بإصدار بيانات تضامن أو بيانات إدانة؛ لأنها عملياً فقدت الإمكانيات والوسائل التي كانت تساعدها بشكل محدود على متابعة تلك الانتهاكات وتنظيم فعاليات مناصرة وضغط لم تعد قادرة على القيام بها”.
وخلص الأسيدي إلى أنه منذ العام 2014 وحتى اليوم وحتى الغد القريب “لم يعد هناك عمل صحافي في اليمن وكل ما هو مستمر أقرب للإعلام الحربي منه للعمل الصحافي المهني”.