قابس التونسية لقاء الواحات والنخيل الباسقات بالبحر منبع الخيرات

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:  قابس مدينة تونسية جميلة وخلابة تقع في الجنوب الشرقي للخضراء وتبعد عن العاصمة قرابة الـ 405 كيلومترات باتجاه الجنوب. وتطل هذه المدينة على البحر وتحديدا على خليج يحمل إسمها ويعتبر من الحواضن النادرة لبيض الأسماك في البحر الأبيض المتوسط. حيث تأتيه مختلف أنواع الأسماك المتوسطية حتى تلك التي لا تتواجد عادة في المياه التونسية لتضع بيضها بسبب البيئة الملائمة ودرجات الحرارة المحبذة لدى هذه الكائنات البحرية.

لقد جمعت قابس بين البحر والواحات والصحراء في خليط عجيب ونادر ومشهد استثنائي لا مثيل له في مناطق أخرى من العالم، فلا يكاد المرء يميز بين رمال البحر ورمال الصحراء التي تتداخل فيما بينها. ويزيد مشهد النخيل البحر جمالا في إبداع رباني يميز البلاد التونسية من أقصى شمالها إلى آخر نقطة في جنوبها وليس مدينة قابس فقط.

عراقة تاريخية

تؤكد أغلب الدراسات على أن قابس أسسها الفينيقيون الذين اختلطوا بأمازيغ شمال أفريقيا وشكلوا وحدة بشرية متجانسة كانت النواة لقيام جمهورية قرطاج التي ضمت أراضي شاسعة في شمال أفريقيا امتدت من طنجة المغربية إلى خليج سرت الليبي، وكانت قابس ضمن هذه الحدود القرطاجية. وقد عرفت في ذلك العصر بإسم «تكاب» وتحولت من مرفأ تجاري فينيقي إلى مدينة قرطاجية محلية شمال أفريقية يسميها البعض بونية أو بونيقية تقليلا من شأن قرطاج، واكتمل بناء جميع المرافق فيها لتصبح مدينة متكاملة في ذلك العصر.
وقد أطلق المؤرخ الإغريقي هيرودوت تسمية بحيرة تريتونس على خليج قابس مما يعني على ان القوى الكبرى المتوسطية في ذلك العصر، أي مدن اليونان وقرطاج وروما، تفطنت لأهمية خليج قابس الإستراتيجي من خلال موقعه كبوابة بحرية للجنوب التونسي والصحراء الكبرى الأفريقية من جهة، وكمصدر للغذاء باعتبار توفره على ثروة سمكية استثنائية في منطقة البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى. فبعد سقوط قرطاج هيمنت روما على أراضيها ومدنها ومنها قابس فاهتمت بالمدينة ومعمارها وثروتها السمكية وواحاتها وأصبح إسم المدينة تاكابي ثم تاكابس وسمي خليجها باللاتينية الرومانية بإسم مينوريس سيرتيس أو سيرتيس الصغرى.
فبعد سقوط روما هيمن الوندال على مستعمراتها في شمال أفريقيا لقرابة القرن من الزمان حتى أطاح بهم البيزنطيون أو رومان الشرق الذين ركزوا اهتمامهم على مدن أخرى على غرار قرطاج التي تحولت إلى مدينة روحية للديانة المسيحية وكذلك سبيطلة أو سفيطلة التي بناها والي البيزنطيين جرجير واتخذها عاصمة لولايته عوضا عن مدينة قرطاج. واستمر الحال كذلك إلى حين قدوم العرب إلى شمال أفريقيا مبشرين بدين الإسلام فعاد لقابس ألقها باعتبار وقوعها على الطريق الرابطة بين المشرق ومدينة القيروان التونسية حاضرة الإسلام الأولى في شمال أفريقيا ومقر إقامة ولاة الدولة الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي، وعاصمة الدولتين الأغلبية والصنهاجية ومرحلة من تاريخ الدولة الفاطمية بداية من عهد الخليفة المنصور وانتهاء بالمعز لدين الله الفاطمي الذي غادرها مؤسسا القاهرة.
لذلك لم يكن غريبا أن يدفن الصحابي الجليل أبو لبابة الأنصاري في مدينة قابس خلافا لصحابة آخرين دفنوا بالقيروان قادمين من جزيرة العرب، وما زال مقام هذا الصحابي مزارا لأهل قابس وزوارها التونسيين وغير التونسيين. كما اهتمت به جماعات المتصوفة وبات مصدر إلهام للأناشيد الدينية التي يحفظها أهل قابس عن ظهر قلب باعتبارها باتت من موروثهم الثقافي والحضاري.
كما ساهم وجود مدفن ومقام أبي لبابة الأنصاري في إضفاء أهمية روحية على قابس وهو ما جعلها تحظى باهتمام الدول التي تعاقبت على حكم تونس مثل الحفصيين والعثمانيين. كما استقر بمحيط مدينة قابس عدد هام من قبائل بني هلال وبني سليم الذين توافدوا على تونس خلال حكم الدولة الصنهاجية بعد أن حرضهم الخليفة الفاطمي في القاهرة على نهب خيرات البلاد انتقاما من الصنهاجيين الذين خرجوا عن سلطته بعد أن غير الفاطميون مركز حكمهم من بلاد المغرب في القيروان التونسية إلى مدينة القاهرة في مصر.
كما أن قرب قابس من جزيرة جربة جعلها تحظى خلال العهد العثماني بأهمية بالغة باعتبار استقرار القراصنة العثمانيين بجزيرة الأحلام واستغلالها كقاعدة للهجوم على السفن الأوروبية. واستمر الحال هكذا لفترة طويلة وهامة من تاريخ تونس إلى حين تم إلغاء نشاط القرصنة بموجب اتفاقيات تم إبرامها بين الدول تم من خلالها القطع فيها مع هذا الموروث السيء والذي كان نشاطا شرعيا في بعض المراحل التاريخية.
وخلال فترة استعمار فرنسا لتونس عُرفت قابس بكثرة مناضليها المنتفضين على الظلم الإستعماري ومن بين هؤلاء محمد الدغباجي البطل الأسطوري الذي قاوم الإستعمار البريطاني في فلسطين والإيطالي في ليبيا والفرنسي في تونس. وقد أعدم الدغباجي من قبل السلطات الإستعمارية الفرنسية وقيل فيه الكثير من الشعر الشعبي الذي تغنى ببطولاته وأمجاده وأصبح تراثا غنائيا تونسيا.
كما نشأ في منطقة الحامة من ولاية قابس المناضل النقابي الشهير محمد علي الحامي الذي أسس أول تنظيم نقابي تونسي اعتبر البعض أن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسسه لاحقا فرحات حشاد هو امتداد لنضالات الحامي. كما أن رئيس المجلس القومي التأسيسي الذي انتخب بعد استقلال تونس وصاغ دستورها الجديد هو المرحوم جلولي فارس وهو إبن قابس وأحد أهم مشاهيرها وكان مقربا من الزعيم الحبيب بورقيبة.
وعرفت ولاية قابس المقاومة المسلحة ضد المستعمر الفرنسي وخاض أبناؤها ملاحم لا تحصى منذ دخول المستعمر إلى حين جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض تونس. ومن القبائل التي لم تدخر جهدا في النضال ضد المستعمر قبيلة بني زيد بمنطقة الحامة والتي مثلت كابوسا أرق مضاجع الفرنسيين طيلة تواجدهم في البلاد التونسية.
ولعل أبشع ما شهدته ولاية قابس هو لقاء قوات المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية في منطقة مارث التي يوجد بها مكان يعرف اليوم بخط مارث التحم فيها الجيشان في معركة شمال أفريقيا الحاسمة. فقد زحف الجنرال الألماني رومل من ليبيا ومعه الإيطاليون، فيما قام الأمريكان بإنزال بحري في السواحل الأطلسية المغربية وزحفوا باتجاه تونس وتحديدا قابس، أرض المعركة، مع القوات البريطانية وقوات فرنسا الحرة والجميع بقيادة الجنرال البريطاني مونتغمري. والتقى الجيشان في واحدة من أشرس المعارك والتي كانت بداية هزيمة الألمان وتراجعهم.
لقد تصرف الطرفان وكأن البلد بلا سكان وبلا ملك فتقاتلوا على أرضها وقتل بسببهم عدد كبير من التونسيين وتم تدمير عديد المعالم بمدينة قابس. ولم يقدم هؤلاء اعتذارهم إلى اليوم سواء تعلق الأمر بهذا الطرف أو ذاك ويتحجج كل طرف بأنه كان ينقذ البشرية وأن تونس ليست وحدها من تقاتل على أرضها الخصمان فهناك بلدان أوروبية عديدة من الشرق والغرب.

نشاط سياحي متنوع

تمتاز قابس بمجموعة من الواحات الجميلة التي تعرف بمساحاتها الشاسعة المليئة بأشجار النخيل وفيها أيضا القوارص والزيتون. وتوجد بعض هذه الواحات بجانب البحر فيما يوجد البعض الآخر وسط الجبال التي تستهوي هواة المغامرة. وتوجد هذه الواحات بمناطق قابس وشنني ووذرف وغيرها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يزور المرء قابس من دون أن يزور واحاتها ويتذوق أسماك خليجها.
كما لا يمكن لزائر قابس أن لا يعرج على أسواقها حيث منتوجات الصناعات التقليدية والحناء التي تشهر بها هذه المدينة الجنوبية الخلابة والآسرة لزائريها. وفي أسواق قابس يشعر المرء بعبق الأصالة وأريجها العطر وبجمال الأعماق التي يتناساها كثير من التونسيين حين يفكرون في قضاء العطل خارج الديار. وتشتهر حامة قابس بمياهها المعدنية الجوفية وحماماتها التي يقصدها الزوار للعلاج والإستشفاء من أمراض عديدة على غرار الروماتيزم وبعض الأمراض الجلدية. وتضم هذه المياه الساخنة النابعة من جوف الأرض مكونات عديدة مثل البيكربونات والكلور والسوديوم والكالسيوم ومكونات أخرى يحتاجها جسم الإنسان ويقصد من أجلها حامة قابس في بلد يصنف الثاني عالميا في السياحة الإستشفائية.
ففي قابس تنوع جغرافي رهيب من النادر تواجده في مكان ما، جبال شاهقة وواحات وصحراء ومياه جوفية وسطحية إضافة إلى الشواطئ الرملية الصالحة للسباحة والتي تفتقد وجودها البلدان الواقعة على المحيطات. كما يوجد في ولاية قابس سكان طيبون يرحبون بضيوفهم ويطبخون لهم أكلات لذيدة منها الكسكسي بسمك خليج قابس الذي يبقى الأكلة الرئيسية الأولى المحببة لأهل المدينة كما أغلب المدن المغاربية مع تميز للكسكسي التونسي بالمذاق الحار.
وتوجد في قابس متاحف على غرار متحف خط مارث الذي يؤرخ لمعركة شمال أفريقيا في الحرب العالمية الثانية والتي حصلت في ولاية قابس وتسببت في تهديم المدينة وخسارتها لكثير من معالمها الأثرية. وتوجه أصابع الإتهام إلى الألمان الذين احتلوا المدينة وطردوا الفرنسيين منها قبل أن يمنوا بهزيمة نكراء في قابس عجلت بأفول نجمهم في ذلك الزمن وانتهى بهم الأمر مقسمين إلى دولتين. ورغم هذا الهدم الألماني فإن مدينة قابس بقيت تضم عديد المعالم الأثرية والتاريخية وأغلبها يعود إلى الحقبتين القرطاجية والرومانية. فما عرف عن روما أنها رومنت منشآت قرطاج من خلال تغيير الأسماء ونسبة المنجز إلى نفسها، وبالتالي فإن ما ينسب إلى الرومان في قابس على غرار الحصون والأبراج بحاجة إلى تدقيق. ومن المعالم أيضا وأشهرها جميعا مقام الصحابي أبي لبابة الأنصاري القادم إلى تلك الربوع من المدينة المنورة لتوافيه المنية في أرض قابس. ويقصد هذا المزار على مدار العام قوم كثر من تونس وخارجها من السياح ومن المتصوفة وغيرها تبركا بهذا الصحابي الذي عاش مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد بني المقام على النمط المعماري التقليدي التونسي مما ساهم في جعله قبلة محببة للزوار.

قطب صناعي وعلمي

تضم قابس منطقة صناعية هامة فيها منشآت مختصّة في قطاع النفط والصناعة الكيميائية مثل المجمع الكيميائي الضخم والهام للاقتصاد التونسي باعتبار ذهاب نسبة هامة من صناعاته التحويلية للفوسفات إلى التصدير. ورغم أهمية هذا المجمع من حيث المردودية التشغيلية لليد العاملة ومن حيث مساهمته في جلب العملة الصعبة إلا أنه ساهم في إحداث التلوث بالمدينة وهو ما جعل المدافعين عن البيئة يطالبون بغلقه. وتضم قابس حقلا نفطيا في عرض البحر يدر بدوره مداخيل هامة للاقتصاد وهو ما جعلها واحدة من أهم ولايات البلاد من الناحية الاقتصادية. ويؤكد عديد الخبراء في المجال الجيولوجي على ان خليج قابس غير مستغل الاستغلال الأمثل في إنتاج النفط والغاز شأنه شأن البحر المحيط بأرخبيل جزر قرقنة.
كما ينشط سكان قابس في الفلاحة وتحديدا في مجال الزّراعات السّقويّة والأشجار المثمرة مثل التمور وأيضا الرمان الذي تعرف به الجهة ناهيك عن منتوجات أخرى. كما يمثل الصيد البحري أحد الأنشطة الاقتصادية الهامة في قابس كيف لا والمدينة على خليج يحمل إسمها ويعتبر من أهم الخلجان في البحر الأبيض المتوسط والعالم التي تبيض فيها مختلف أنواع الأسماك.
وتضم قابس جامعة فيها مؤسسات تعليمية هامة وتضم كلية ومدرسة وطنية للمهندسين و13 معهد عاليا و5 معاهد عليا للدراسات التكنولوجية ومعهد تمريض. ومن المزمع بعث مؤسسات جديدة للتعليم العالي في ربوع ولاية قابس التي تتوفر على بنية تحتية محترمة مقارنة بولايات أخرى، ففيها القطار والمطار المدني والطريق السيارة والميناء وهو ما سيجعلها قطبا تنمويا تزداد أهميته في السنوات المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية