أحب كتابات مصطفى عبيد من أدب لمقالات ودراسات، وكذلك ترجماته فهو يبحث عن الغائب المثير. صدر هذا الكتاب « قارئ الجثث» مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية، يحمل عنوانا فرعيا هو «مذكرات طبيب تشريح بريطاني في مصر الملكية». من قبل قرأت لمصطفى عبيد ترجمته لكتاب» مذكرات توماس راسل حكمدار العاصمة» الذي عاش في مصر ما بين عامي 1902 ـ 1940 وكان شاهدا على وقائع الجريمة في مصر وسبق لي أن كتبت عنه هنا. كانت في مذكرات توماس راسل إشارات كثيرة لخبراء الطب الشرعي من إنكلترا وزيارتهم لمصر، وكيف كانت مصر لهم حقلا للتجارب والخبرات، لتنوع الجرائم وتعدد أساليب القتل، ومن بين من أشار إليهم كان سيدني سميث مؤلف هذه المذكرات. قضى سيدني سميث أحد عشر عاما في مصر 1917 -1927 تابع فيها كثيرا من القضايا الجنائية والسياسية العجيبة، انحاز فيها جميعا إلى ضميره العلمي لا لانتمائه الوطني لإنكلترا التي تحتل مصر، وأنشأ في مصر وحدة الطب الشرعي في وزارة العدل.
بعد أن ترك مصر عاد إلى إنكلترا يمارس عمله ويعمل عميدا في كلية طب أدنبرغ، وزار مصر مرة عام 1955 فتم تكريمه في كلية القصر العيني، ورحل عن الدنيا في التاسع من مايو/أيار 1969 عن عمر ستة وثمانين عاما. لقد تتلمذ على يديه عشرات الأطباء المصريين في الطب الشرعي، وأصدر قبل هذه المذكرات كتاب «الطب الشرعي في مصر» عام 1924 بمشاركة عبد الحميد عامر. العنوان الأصلي للمذكرات هو «على الأرجح.. قتل» لكن مصطفى عبيد يضع عنوانا أقرب إلى استهداف الحقيقة وهو «قارئ الجثث» بغرض وحيد، هو مقاربة العدالة خدمة للبشرية. الكتاب يبدأ مباشرة بوقائع وأمثلة على كيف وصل إلى زمن الجريمة والجناة. يطول الكلام عن الجرائم التي تحدث عنها في الكتاب عبر السنين في مصر وإنكلترا، وحتى آسيا لذلك سنختصر.
الواقعة الأولى في مصر عن ثلاث عظام صغيرة وجدتها الشرطة في بئر مهجورة، فأرسلتها إلى معمله كإجراء روتيني تريد فقط أن يحدد ما إذا كانت عظاما لإنسان أم حيوان. عرف بعد أيام من الفحص والدراسة أنها عظام لسيدة شابة قصيرة القامة نحيلة القد يتراوح عمرها بين 23 -25 سنة، قُتلت بطلقات مصنعة محليا وأُطلق عليها الرصاص من وضع أفقي على بعد ثلاثة ياردات، وكان القاتل واقفا أو جالسا قبالتها ومائلا قليلا إلى اليسار. لم تمت الضحية على الفور لكنها ماتت بعد إصابتها بنحو سبعة أو عشرة أيام. تفاصيل الوصول إلى هذه المعرفة رائعة وكثيرة، وتقدم دروسا عظيمة في الطب الشرعي. يتكرر هذا مع كل الجرائم من أول وجود عيار مستقر في العظم مثلا واتجاهه وتحلل لحم الجثث أو الجلد، وهل تم القتل خنقا أم ضربا على الرأس بعصا أم طعنا، وكيف يمكن أن يظل المخ يعمل رغم الموت، وغير ذلك من تفاصيل طبية دقيقة. وهل تم القتل بالسم وتاريخ استخدام الزرنيخ في التسميم وشيوعه، وقضايا باشر البحث فيها كل قضية تصلح رواية أو فيلما مثيرا. وهل قتل الضحية تم في مكان العثور عليها، أم في مكان آخر مما علق في الجثة من آثار المكان، ومتي تم القتل بفحص الطعام في المعدة والأمعاء، والوقت الذي مرّ على هضمه من عدمه، بل يستطيع من طلقات الرصاص أن يعرف نوع السلاح وصناعته. لقد تم الوصول إلى الجاني في الحادثة السابقة، كما سيحدث في كل مرة.
يبدأ بعدها في حكي رحلته مع أسرته منذ ولد في الرابع من أغسطس/آب عام 1884 في ركسبورغ، ووصف البلاد في إنكلترا، حتى دخوله كلية الطب في أدنبرغ ودراسته والأساتذة العظام الذين قابلهم، وكيف تفوق في دراسته وحصل على عمل جراح عيون، لكنه عمل مساعدا لعميد الكلية الدكتور هارفي ليتل جون الذي كان يترأس قسم الطب الشرعي، فتقدم فيه. وطرائف العمل وكيف كان كونان دويل مؤلف قصص شارلوك هولمز يعمل في الطب، وانتقل منه إلى التأليف الخيالي. جرائم عدة ساهم سيدني سميث في كشف مرتكبيها قبل الوصول إلى مصر، مثل جريمة في خليج هيبتون عام 1913 حيث عُثر على جثتين، والتعامل بدءا من الملابس وتحلل الجثث والأعمار، وكانت الجثتان لطفلين وتم الوصول إلى الجاني، ثم الوصول إلى مصر حيث أسس الطب الشرعي وأقام المعامل وأشعة إكس والتصوير الفوتوغرافي وغير ذلك.
كانت الجرائم في مصر تصل إلى ألف جريمة قتل في العام، وأكثر من عدة آلاف محاولات للقتل. من أبرزها جرائم ريا وسكينة، حين أرسلوا إليه عظمة بشرية وحيدة من الإسكندرية في صيف عام 1920، عظمة اكتشفها عمال يحفرون مصرف مياه على جانب الطريق، وانهار الشق فجأة فلمح العظمة أحد العمال بين الركام وأعطاها للشرطة التي أرسلتها إليه في القاهرة، ليقرر هل هي لإنسان أم حيوان. وجد أنها تخص إنسانا، بعدها قررت الشرطة التنقيب في المكان فوجدوا أجزاء أخرى من هيكل عظمي كان واضحا أنها جاءت من منزل مجاور لشق الصرف. ذهب إلى الإسكندرية وعاين المنزل فاكتشف ضحايا ريا وسكينة. كل ذلك بتفصيل كبير. كيف كانت الجثث كلها تخص نساء ما بين الثامنة عشرة ومنتصف العمر، وكانت الجثث كلها مختونات ما يعني أنها لمسلمات، وأدينت ريا وسكينة وزوجاهما وتم إعدامهم . قضايا كثيرة لجثث في بالوعات أو في البحر، ومع اندلاع ثورة 1919 قتلى بالعشرات وأحيانا أصدقاء من الإنكليز فصارت معامله في فوضى، إذ امتلأت أرضيتها بعشرات الجثث، لقد نجا بأعجوبة وهو في طريقه بين المظاهرات أيضا. تأتي حادثة اغتيال السردار لي ستاك في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1924 لتأخذ مساحة كبيرة في الوصول إلى القتلى، ونوع المقذوفات وبحث الطلقات والفوارغ وغير ذلك كثير. حديثه عن المصريين مفعم بالمحبة، ومن أبرز ما فيه كيف كان القضاة يرفضون أي اعتراف من المتهم، إذا ثبت لهم أنه تعرض للإجبار بالضرب أو التعذيب في أقسام الشرطة.
أزمة الطب الشرعي أو أزمته هو مع الدفاع الذي يقدم أدلة عكسية، ورؤيته لذلك كبحث عظيم عن العدالة. أزمته مع زملاء له في المهنة كبار في مهنتهم بالأسماء بعد أن عاد إلى إنكلترا يقدمون أدلة لا يقتنع بها، ولا يرى في ذلك قصورا في الأخلاق، وينجح دائما في أدلته. من أبرز القضايا بعد عودته لإنكلترا حين اصطاد اثنان من الصيادين سمكة قرش عرضاها في مسبح للجمهور بتذاكر، وفي لحظة هياج غير متوقعة لفظ القرش ما في معدته وبينها ذراع كامل لشخص ما أفزع الناس. كيف لم يتم هضم الذراع، وكيف كان واضحا أنها ظلت في معدته أسبوعا على الأقل، وكيف كان عليها وشم لرجلين يتلاكمان كان سببا في البحث عن صاحبها والوصول إلى اسمه، والبحث عن بقايا جسمه في الشواطئ وأعماق البحر، واحتمالات القتل أو الانتحار. حين طلبت منه الشرطة رأيا في هل قطعت الذراع وصاحبها حيّ أم بعد وفاته، بفحصها توصل أنها قُطعت بشكل احترافي، ولم تقطعها أسنان القرش. في النهاية توصلوا للقاتل. حكاية يلعب فيها القدر دورا كبيرا فمن كان يتصور أن جثة لقتيل يتم تقطيعها ويتم الإلقاء بها في البحر ليبتلع قرش الذراع ثم يتم اصطياده ليلفظها بعد ذلك، ويبدأ البحث عن القاتل ويتم الوصول إليه؟ إنه القدر.
تستمر رحلته بين البلاد وجرائم في سيلان في آسيا، وينتهي الكتاب بعد رحلة رهيبة مع القتلة والجثث. رغم الحقائق التي تشبه الخيال فكرت في لحظة كيف يمكن للقتلة الاستفادة من الكتاب، فلا يتركون وراءهم أثرا، لكن حكاية سمكة القرش تؤكد أن القدر مهما بدا غائبا سيظهر بالحقيقة، ويتم الوصول إلى القاتل.. رحلة مثيرة وممتعة واختيار رائع من مصطفى عبيد للكتاب.
روائي مصري