قاضي الأمور المستعجلة يستقيل بعد إحالته إلى التفتيش القضائي وينفي تسييس قراره حول شيا

سعد الياس
حجم الخط
8

بيروت- “القدس العربي”:

حسم قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح أمره وقدّم استقالته من السلك القضائي فور تبلّغه بقرار إحالته إلى التفتيش القضائي، وبرّر الأسباب الموجبة لاستقالته بقوله: “تفاجأت بإحالة القضية إلى التفتيش المركزي وهذا ما لا أرضاه حرصاً على كرامة القضاء”، وأضاف: “استقالتي نهائية لأن قراري القضائي كان قانونياً وجرى تسييسه”.

وجاءت استقالة مازح المعدّة سلفاً على خلفية قراره المثير للجدل حول منع وسائل الإعلام استصراح سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية دوروثي شيا لمدة سنة بسبب تصريحاتها التي تثير النعرات والتحريض ضد حزب الله، وتتهمه بـ”الإرهابي” والسيطرة على الدولة اللبنانية. وقد انقسمت الآراء حول هذه الخطوة التي رأى بعضهم أنها تتخطى صلاحية القاضي وتتعارض مع اتفاقية فيينا ومقدمة الدستور اللبناني، فيما أيّدها جمهور حزب الله.

وكانت أنباء تحدثت صباحاً عن عدول مازح عن تقديم استقالته وعن تأكيده الحضور إلى اجتماع مجلس القضاء الأعلى قبل أن يصدر بيان عن وزيرة العدل ماري كلود نجم المحسوبة على “التيار الوطني الحر” تطلب فيه إحالة قاضي الأمور المستعجلة على المرجع القضائي المختص للنظر في القضية وإجراء المقتضى وفقاً للأصول والقانون لمعالجة الأمر ضمن المؤسسات. وكانت وزيرة العدل شاركت في اجتماع لجنة الشؤون الخارجية النيابية إلى جانب وزير الخارجية ناصيف حتّي، وأبلغت اللجنة أنها لا تتدخّل في المسألة وتترك معالجتها للسلطة القضائية.

كانت أنباء تحدثت صباحاً عن عدول مازح عن تقديم استقالته وعن تأكيده الحضور إلى اجتماع مجلس القضاء الأعلى

واستمعت اللجنة النيابية إلى “عرض وزير الخارجية لما قام به من استدعاء للسفيرة الأمريكية”، وأكد رئيس اللجنة النائب ياسين جابر “أمل اللجنة ألا يتكرّر هذا الأمر مع أي دبلوماسي آخر يمثل بلاده في لبنان، ومطالبتها وزير الخارجية بأن يتم تطبيق اتفاقية فيينا في ما يخص العمل الدبلوماسي بالاتجاهين، فنحن لا نرضى لسفرائنا في الخارج أن يتدخّلوا في الشؤون الداخلية لأي بلد يمثلون لبنان فيه، وفي نفس الوقت يجب على وزارة الخارجية أن تعمّم هذا الأمر”. وأضاف: “ذهبت اللجنة أبعد من ذلك، فكما نعلم هناك فوضى في الزيارات والاجتماعات بين المسؤولين والسفراء المعتمدين، ففي أي بلد لا يستطيع أي سفير أن يقابل مسؤولاً من دون المرور عبر وزارة الخارجية، لذلك يجب أن يتم العمل على تنظيم هذا الأمر في المستقبل من خلال وزارة الخارجية”.

وفي وقت كانت لجنة الشؤون الخارجية منعقدة، خرج عضو “كتلة الوفاء للمقاومة” حسن عز الدين من الاجتماع ليدعم موقف القاضي مازح ولينفي ما يتصوّره البعض أن قراره سياسي، وقال: “هذا ليس صحيحاً وفيه ظلم. القاضي انطلق في حكمه باعتبار أنه قاضي الأمور المستعجلة ومن قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 79، على ما أعتقد، أن كل ما من شأنه أن يهدّد السلم الأهلي ووحدة الصف وأن يثير فتنة، وأعطي في هذا الشأن صلاحية مطلقة وحق الاجتهاد فاجتهد في هذا الحكم. وانطلق من الدافع الوطني والحرص الشديد على السلم الأهلي والوفاق الوطني بين جميع اللبنانيين، وخصوصاً أننا نمر بظروف صعبة واستثنائية”.

وأضاف: “ما أقدم عليه شكّل الخطوة العملية الأولى والمدماك الأول في مسار إصلاح استقلال القضاء بحيث نستطيع أن نراهن على هذا المدى. وقد عبّر بهذا القرار بشكل عملي عن استقلال القضاء. وهذا أكبر دليل على أن القضاء مستقل وليس خاضعاً للقوى السياسية. إذن، بناء على ذلك، ينبغي لنا جميعاً أن نشجّع أمثال هؤلاء القضاة الوطنيين على القيام بواجباتهم من دون أن يعيروا آذانهم لأي من التدخلات السياسية”.

وتابع عز الدين: “نستغرب كل الأصوات المستنكرة لما قام به القاضي الوطني في الحفاظ على سيادة الدولة وحماية استقرار البلد وخصوصاً أولئك الذين يرفعون شعار استقلالية القضاء”.

وخلافاً لما رشح من أجواء بعد استقبال وزير الخارجية السفيرة الأمريكية حيث لم يتضمن اللقاء أي لوم أو تنبيه من قبل الخارجية اللبنانية، شدّد نائب حزب الله على “رفض أيّ تدخل كان من أي جهة كانت أو من أي سفير سواء أكان أمريكيا أو غيره في الشأن الداخلي. لذلك كان استدعاء وزير الخارجية السفيرة في هذا السياق ليستمع منها ويسمعها ما ينبغي أن تسمع. وأنتم تعلمون أن المداولات قد تكون سرية إنما كان من خلال ما طرحه معالي وزير الخارجية مشكوراً على أنه أوصل الرسالة المطلوبة”.

ولاحظ أن “هذه السفيرة خلال فترة بسيطة جداً لعلّها قامت بزيارات وتحدثت إلى الإعلام أكثر من حقبة أي سفير آخر. الأمر الثاني أنها تجاوزت وخالفت كل القواعد والضوابط والإجراءات لسفير في أي بلد من البلدان، لأن أي ممثل لدولة في هذا البلد عليه أن يلتزم أمرين: الأول التقيّد بقوانين البلد وعدم إثارة النعرات الطائفية وغير ذلك، وعدم التدخل في الشأن الداخلي، ولنرى كيف تدخلت السفيرة وأين، نقول إن اللبنانيين لا يعانون سياسة واشنطن بل عقوداً من الفساد، صحيح، ولكن ما شأنها أن تتهم السلطة السياسية وتتجاوز حدودها لتوجّه الاتهام إلى السلطة الحاكمة في هذا البلد ولوحت بأن العقوبات الأمريكية ستطاول حلفاء داعمين لـ”حزب الله” من طوائف أخرى. ما شأنها في ذلك؟ أليس هذا تهديداً وتطاولاً على الواقع السياسي لهذا البلد أيضا؟”.

وتابع: “تتهم الأمين العام لـ”حزب الله” بأنه يهدّد استقرار لبنان وأن الحزب يمنع الحل الاقتصادي. وكلكم تعلمون أن الأمين العام للحزب يسعى بكل ما يستطيع من أجل الوفاق والوحدة والاستقرار ومنع الفتنة. وأيضا إذا كان من تهديد يهدّد به فهو يهدّد العدو الصهيوني الذي يهدّد استقرار هذا البلد. أيضا تقول السفيرة إن “حزب الله” يسيطر على الحكومة الحالية وانتقدت الحكومة لعدم قيامها بالإصلاحات، وأيضا تشترط دعم الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها أكبر الداعمين للبنان لأي حكومة أن تكون مستقلة ومن دون “حزب الله”، مشددة على وجوب أن تتشكّل من اختصاصيين. أليس هذا تدخلاً سافراً في صلب الموقع السياسي الأساسي لهذا البلد؟ وهي تريد أن تفرض شكل الحكومة وطريقة تأليفها، ومن يكون فيها، وترفض من لا تريده فيها. أليس هذا تهديداً للاستقرار وللأمن وللوفاق السياسي الذي أجمع اللبنانيون على أن يعيشوا في ظله وتحت أمنه واستقراره. لذلك كان النقاش حول هذه الموضوعات. وبالتالي نحن أعلنّا وقلنا باعتبار أن وزارة الخارجية تمتلك السلطة الاستنسابية في تقدير الموقف وهي بين حدين: اللوم والتنبيه في حده الأدنى. وتستطيع وزارة الخارجية أن تصل إلى حد أن تقول للسفير: “غير مرغوب فيك”. هذا التقدير يبقى لوزارة الخارجية. نحن طلبنا من معالي وزير الخارجية أن يكون متشدداً في هذا الشأن لأن نتائج هذا الكلام خطيرة جداً لأن فيه تحريضاً لللبنانيين على بعضهم البعض ووفيه إثارة للفتنة”.

وكانت السفيرة شيا وصفت قرار قاضي الأمور المستعجلة بأنه “نوع من الإلهاء بدلاً من التركيز على حل مشكلات البلاد الاقتصادية الكبيرة، التي وصلت إلى حدٍ يقلق اللبنانيين إزاء تأمين الطعام”. وقالت السفيرة إن قرار القاضي “لن يُسكت السفارة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية