تعرضت أندية أوروبية عدة في السنوات الأخيرة لعقوبات، تنوعت بين المادية والحرمان من المشاركة في احدى المسابقتين الأوروبيتين، كان آخرها ميلان الايطالي الذي حرم من المشاركة في الدوري الأوروبي، تحت طائلة “قانون العدل المالي”، الذي من المفترض أنه يحمي الأندية من الغوص في ديون، وحمايتها من الافلاس، لكن كيف يمكن لهذا القانون أن يكون مفعوله سلبيا مع أندية ملاكها أثرياء مثل مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان؟
في موسم 2007/2008، كان عشاق مانشستر سيتي ينتظرون انتهاء هذا الموسم الكارثي على أحر من الجمر، فالمباراة الأخيرة في الموسم شهدت خسارة “السيتيزينز” تحت ادارة السويدي زفن غوران ايركسون 1/8 أمام المكافح ميدلزبره، رغم ان ذلك الموسم بدأ بتفاؤل كبير على وقع الوعود من المالك الجديد التايلندي تاكسين شيناوات، بانفاق غير محدود على ضم نجوم جدد، مثلما فعل بضم بيانكي وكاسيدو وايلانو. ورغم اخفاقهم النسبي الا ان مشكلة أثيرت حول مصدر أموال شيناوات، حيث اتضح لاحقاً ان السيتي اقترض 46 مليون جنيه استرليني وبنسبة فوائد بلغت 10 ملايين و700 ألف، قبل ان يتم ربط شيناوات بشبهات فساد في بلاده، ليدخل الشيخ منصور بن زايد على الخط وينقذ النادي على أكثر من صعيد. حيث بدأ حقبة ملكيته في موسم 2008/2009 بضم أحد أبرز المهاجمين في العالم حينها، البرازيلي روبينيو، وحاول ضم مواطنه كاكا أيضاً، لتتضخم قيمة الانفاق بصورة هائلة في السيتي، خصوصاً بعد رفع رواتب اللاعبين الى أرقام غير مسبوقة. فبعدما كان السيتي يحقق ربحا بقيمة 17 مليونا في 2006، أصبح يحقق خسارات كبيرة، بلغت 190 مليون استرليني في 2011. لكن هذه الخسارات كانت محمولة للمالك الجديد، حيث اعتبرها “قروضا بدون فوائد”، ولو كان قانون العدل المالي معمولاً به في ذلك الوقت، لما نجح هذا الاستثمار، خصوصا ان المالك الاماراتي ضخ في النادي ما يقارب من مليار و200 مليون جنيه استرليني لجعل النادي قوة بين النخبة.
لكن هذه النخبة، والتي بينها، ماشستر يونايتد، جار السيتي، وريال مدريد وبايرن ميونيخ، لم يعجبها الحال، وشعرت بالرهبة، فضغطت على رئيس الاتحاد الأوروبي حينذاك ميشيل بلاتيني لوضع حد لاستثمارات الأثرياء في الأندية المغمورة، كالسيتي وتشلسي وباريس سان جيرمان. وبعد شهور من البحث والاستقصاء والاجراءات القانونية، استحدث “اليويفا” قانون العدل المالي في موسم 2011-2012، قبل ان يعدل في 2013-2014 الى قانون “تساوي المداخيل مع المصاريف”، رغم التعقيد في وصف هذا القانون، الذي وضع في كتيب من 116 صفحة، وانتقده الكثيرون، الا ان اليويفا وصفه بأنه “قانون لتحسين الأوضاع المالية لكل الكرة الأوروبية”، في حين اعتبره الناقدون “هراء وغير منطقي”.
المنطق يقول ان الشركات تفلس بسبب قلة النقد والمال وليس بسبب قلة الأرباح، لكن اليويفا أصر على أن بداية القانون تكون بعدم تحقيق خسائر بأكثر من 45 مليون يورو على مدى 3 سنوات، على ألا تتعدى الخسائر 30 مليون يورو بنهاية موسم 2015/2016. ونموذج “تساوي المداخيل والمصاريف” هذا يعني “الارباح ناقص المصاريف”، والأندية عادة لديها ثلاثة مصادر للدخل، الاول مداخيل يوم المباراة، والثاني النقل التليفزيوني، والثالث النشاط التجاري. وبالنسبة للمصدرين الاول والثاني من الصعب التلاعب بأرقامهما، لكن المصدر الثالث يختلف، كونه يتعلق بالنادي ذاته، وبقدرته على عقد صفقات تجارية. فمثلاً قبل ملكية أبوظبي للسيتي كان الفارق شاسعاً بين مداخيل الجار مانشستر يونايتد التجارية ومداخيل السيتي، بفضل نجاحات يونايتد في الملعب وشعبيته الجارفة حول العالم، ولذلك كانت الدهشة عندما نجح السيتي، المغمور حينها، في عقد صفقة كبيرة مع طيران “الاتحاد” في 2009، التي ساهمت في رفع مداخيل النادي 126%، وفي 2011 زادت المداخيل عندما تحول اسم الاستاد من “سيتي أوف مانشستر” الى استاد “الاتحاد”، والعقد أبرم على عشر سنوات وبقيمة 400 مليون استرليني، وشمل أيضاً رعاية قمصان الفريق، علما أن في ذلك الوقت، بلغ أكبر عقد لبيع اسم استاد، 2.8 مليون استرليني سنويا، لأرسنال عندما أصبح اسم ملعبه “استاد الامارات”، فيما حاولت أندية عدة للحظي بعقد أفضل وفشلت. ولهذا السبب فتحت الأعين على السيتي، ووجهت اليه اتهامات بان صفقة “الاتحاد” ليست سوى وسيلة لخفض قيمة الخسائر ومساعدته على تفادي العقوبات بسبب قانون العدل المالي. وبفضل صفقة “الاتحاد” أصبح السيتي ثاني أعلى الاندية دخلاً في البريميرليغ، والخامس بين كل أندية العالم.
وبعد شكاوى عدة، تدخل اليويفا بوضع قوانين تحد من صفقات بين مالك النادي وشركاته أو شركات أقربائه، كما استحدث هيئة لمراقبة قيمة الصفقات للتأكد من عدم تضخيمها، ورغم حذر السيتي، الا انه وجهت اليه تحذيرات في 2014 على صفقاته التجارية، قبل تغريمه 49 مليون استرليني، يستعيد السيتي ثلثيها في حال طور من نموذجه التجاري، ومنعه من زيادة مجموع رواتبه لمدة موسمين، وتقليص عدد لاعبيه المشاركين في دوري أبطال أوروبا من 25 الى 21 لاعباً. ونفذ السيتي كل هذه العقوبات، علما ان مجموع رواتبه قفزت من 36 مليوناً في عهد شيناوات في 2007 الى 233 مليوناً في 2013، وجمدت الى أن عين غوارديولا مدربا في 2017 واصبحت 244 مليوناً.
وعانى سان جيرمان من العقوبات ذاتها، في خطوة اعتبرت انتصارا لأندية النخبة التقليدية، لكن المستفيد الأكبر هم المحامون والمحاسبون، فبعد قضايا وشكاوى عدة، اقتنع اليويفا بـ”اراحة” قانون العدل المالي في 2015. فعاد السيتي وسان جيرمان الى الانفاق، بل باتت صفقة السيتي و”الاتحاد” تبدو منطقية اليوم في ظل نجاحات السيتي الكاسحة في الكرة الانكليزية وارتفاع شعبيته حول العالم، مقارنة بما كان عليه في 2011 لحظة توقيع الاتفاق، لتفشل النخبة في استخدام حيلة هذا القانون للحد من نجاح الطموحين.