بغداد ـ «القدس العربي»: أثار عزم القوى والأحزاب السياسية في مجلس النواب العراقي، تشريع قانون «جرائم المعلوماتية» انقساماً حاداً بين الأوساط السياسية من جهة، وبين قوى أخرى والمجتمع، ففيما يدافع «المشرّعون» عن القانون بوصفه إحدى أدوات السيطرة على الابتزاز وحملات التسقيط والتشهير، يرى الرافضون أنه مشروع لتأسيس «دولة بوليسية» تقوّض حرية الرأي والتعبير، ويضع الناشطين أمام عقوبات تصل إلى «السجن المؤبد».
وقرأ البرلمان، أول أمس، مشروع قانون «جرائم المعلوماتية» قراءة ثانية، وتمت مناقشته، تمهيداً لطرحه على التصويت ليكتسب صفته «التشريع».
وعقب الجلسة، ذكرت الدائرة الإعلامية للبرلمان في بيان صحافي، أن المجلس أنهى قراءة تقرير ومناقشة مشروع قانون جرائم المعلوماتية «المقدم من لجان الأمن والدفاع والتعليم العالي والقانونية والثقافة والسياحة وحقوق الإنسان والخدمات والإعمار والاتصالات والإعلام».
وأشارت إلى أن مداخلات النواب تركزت على «المطالبة بمراعاة التوزان بين صيانة الحريات وبين حفظ الأمن الاجتماعي العام، وضرورة التناسب بين الجريمة والعقوبة المحددة لها».
«تكميم الأفواه»
كما طالب النواب، بـ«عدم استخدام القانون بشكل خطر يمس بالحريات العامة مع وجود عقوبات مبالغ فيها، والدعوة لتشريع قانون يحافظ على هيبة الدولة مع المحافظة على خصوصيات الحريات العامة».
وورد في مداخلات النواب أيضا «عدم القبول بالعبثية التي تجري حاليا في مواقع التواصل الاجتماعي والاستعانة بخبراء الجرائم الجنائية ومجلس القضاء الأعلى للاستشارة بمسألة العقوبات المنصوصة بالقانون، والمطالبة بتوضيح أكثر في بنود القانون وأن لا تكون صياغته فضفاضة تؤدي إلى تكميم الأفواه».
واعترض نواب على «بعض الفقرات الواردة في مشروع القانون باعتبارها لا علاقة لها بجرائم المعلوماتية، والمطالبة بالسيطرة على بوابات النفاذ للشبكة للحد من المواضيع السلبية التي تطرح من خارج البلد».
وفي ردها على المداخلات، أكدت اللجنة المعنية بالقانون على «إجراء تعديلات واسعة في بنود مشروع القانون تتناسب مع المقترحات المقدمة وما ينسجم مع حرية التعبير عن الرأي التي كفلها الدستور».
«حفظ الحريات»
ودعا رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، إلى «عدم المساس بالحريات التي كفلها الدستور خاصة حرية الصحافة والتعبير عن الرأي والإعلان والتمييز بين من يقدح ويشتم ويسب وبين من يدلي بنقد بناء، وأن يكون قانونا لحفظ الحريات».
ويرى مشرّعون إن العقوبات الواردة في القانون المطروح هي «استنساخ» لمثيلاتها في قوانين أخرى نافذة، وفقاً لعضو لجنة الإعلام والاتصالات البرلمانية، ريزان شيخ دلير.
وأضافت في بيان صحافي أمس، إن «قانون الجرائم المطروح في الوقت الحالي هو استنساخ للعقوبات الموجودة في قوانين مكافحة الإرهاب، ومكافحة الاتجار بالبشر، ومكافحة المخدرات وغيرها من القوانين الأخرى النافذة في الوقت الحالي، وبهذه الحالة فإننا لسنا بحاجة إلى إقرار قانون خاص يمكن أن يقيد تلك القوانين العامة».
مراقبة المحتوى
وبدلاً عن ذلك، دعت النائبة الحكومة إلى «السيطرة على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي عبر بوابات النفاذ، ومراقبة المحتوى الذي يدخل البلد كما معمول به في دول الجوار والعالم، خصوصاً أن البعض من المواقع تبث محتويات مشبوهة يمكن أن تمرر إلى العراق دون السيطرة عليها».
وأكدت أيضاً ضرورة «الاهتمام بالمشاكل التي يعاني منها الشعب في الوقت الحالي كنقص الخدمات والظرف الاقتصادي الذي يعيشه، بدلاً من تشريع قوانين يمكن أن تقيد حريته وتزيد من معاناته بالغرامات والاعتقالات والسجن المؤبد».
ضرورة التوازن
أما رئيس كتلة «النهج الوطني» التابعة لحزب «الفضيلة الإسلامي» عمار طعمة، فوجه انتقاداً أيضاً للعقوبات الواردة في القانون، مقارنة بحجم الفعل الواجب للعقوبة.
وشدد في بيان مطوّل أمس، على ضرورة «التوازن بين حفظ الحريات الخاصة والعامة وصيانة الأمن والنظام الاجتماعي العام، لكي لا يحصل إفراط أو تفريط يتجاوز حق الفرد أو المجتمع المكفول دستوريًا» مؤكداً أهمية «التناسب بين المخالفة أو الجريمة والعقوبة المقررة عليها، فإذا كانت العقوبة مبالغا فيها فستخرج من حد العدالة».
ورأى، أن من الضروري أن «يصون القانون الرقابة والمساءلة الشعبية على السلطات ونقدها وتقويم أدائها بالوسائل والأساليب المقرّة قانونيا».
وزاد: «يشرك القانون بين جرائم متعددة في طبيعتها ومختلفة في شدة الضرر بعقوبة واحدة، وهو ما يجعل فعل شديد الضرر بعقوبة اقل مما يستحق، ويجعل مخالفة بسيطة بعقوبة أشد مما تستحق» حاثّاً على أهمية «تحديد التعاريف بحدود تامة واضحة بعيدا عن المفاهيم المجملة القابلة لكثرة التفسيرات وتعدد التقديرات في مقام التطبيق والتنفيذ».
ويفرض القانون عقوبة «السجن المؤبد لمن استخدم الأجهزة الإلكترونية بقصد ارتكاب جريمة المساس باستقلال البلاد ووحدتها وسلامتها» حسب طعمة الذي عدّ ذلك بأنه «مفهوم عمومي، فكما أنه يشمل من يقود فعل ميداني على الأرض يهدد وحدة وسلامة البلاد، قد تشمل من ينشر مقالا فيه أفكار تعارض وحدة البلاد، ومن الواضح أن الفرق بين آثار وضرر الفعلين كبير، فلا يمكن أن يشملا العقوبة نفسها».
وتابع: «تذكر إحدى المواد عقوبة السجن المؤبد لمن استخدم الأجهزة الإلكترونية بقصد إضعاف الثقة بالنظام الإلكتروني للدولة، وهذا معنى واسع لابد من تعيينه بأفعال موصوفة بدقة ولا يترك على إجماله وعموميته المفضي لتطبيقه على افعال متباينة الضرر بعقوبة متماثلة».
كما يفرض القانون أيضاً «عقوبة على من تسبب خطأ في تلف أو تعطيل جهاز الكمبيوتر، وهو معهود له مهمة التشغيل أو الإشراف على جهاز الكمبيوتر، وهذا يعني انه مأذون بالعمل وأخطأ لسبب فني فهل تكون عقوبته الحبس لمدة لا تقل عن سنة؟ والصحيح أنه إذا باشر مهمة التشغيل والإشراف ولم يكن مؤهلا ولم تتوفر لديه الخبرة والشروط اللازمة للعمل فعندها يعاقب».
البرلمان يعتزم طرحه على التصويت… واعتراضات حقوقية وسياسية
ومضى قائلاً: «تساوي إحدى المواد في العقوبة بين من أطلع فقط على محتوى موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي أو أحد أجهزة الكمبيوتر وبين من إرتكب جريمة نسخ المحتوى أو ألغى بيانات ومعلومات الغير أو حذفها، ومن المعلوم أن اختلاف الأفعال يقتضي اختلاف العقوبة المفروضة عليهما». كما سبق للنائب عن كتلة «التغيير» الكردستانية المعارضة، هوشيار عبد الله أن أعلن رفضه لتشريع قانون الجرائم المعلوماتية، عازياً السبب لتهديده «حرية التعبير ويؤسس لدولة بوليسية».
وقال، في بيان صحافي «منذ الدورة البرلمانية السابقة وإلى الآن كنت من أشد الرافضين لتشريع قانون جرائم المعلوماتية وما زلت أرفضه رفضاً قاطعاً لعدة أسباب، أهمها لأنه يشكل تهديداً جدياً لحرية التعبير ولأنه يعد الخطوة الأولى لتأسيس الدولة البوليسية».
وأضاف: «على سبيل المثال لقد شاهدنا بأعيننا ما حصل للعديد من ثوار تشرين من قتل واعتقالات وتعذيب، لمجرد أنهم طالبوا بحقوقهم المشروعة وانتقدوا الفاسدين، كما تمت ملاحقة العديد من الناشطين وتعرضوا للاغتيال بسبب منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وكل ذلك حصل وبشكل علني وأمام أنظار الأمم المتحدة والعالم بدون وجود مظلة قانونية تحمي القتلة، فكيف سيكون الحال إذا أصبح في يد بعض أحزاب السلطة قانون يتيح لها اعتقال الناشط الذي ينتقد مسؤولاً فاسداً؟».
القانون مرفوض
وأضاف: «من الناحية الفنية والتقنية أعتقد أن الدولة مازالت عاجزة عن السيطرة على فضاء الأمن المعلوماتي أساسا فكيف تمنع جرائم المعلوماتية؟ كما أن مصطلح الجرائم المعلوماتية مصطلح فضفاض وقد لا يعني بالضرورة الاقتصار على مقاضاة القراصنة الذين يخترقون مواقع إلكترونية حكومية أو شخصية، بل من المؤكد أنه سيمتد ليشمل أي شخص يمس المسؤولين أو الأحزاب بتغريدة أو منشور، بالإضافة إلى تداخل مواد هذا القانون العقابية مع مجموعة من القوانين المعمول بها حالياً».
وتابع أن «هذا القانون مرفوض جملة وتفصيلا، ونأمل أن يمتنع مجلس النواب عن التصويت عليه».
«تهديد خطير»
إلى ذلك، انضمّ القاضي العراقي، رئيس هيئة النزاهة الأسبق، رحيم العكيلي، مع مخاوف النشطاء والمدونين وبعض السياسيين من خطورة تشريع القانون على «حرية الرأي والتعبير» معتبراً القانون أنه «تهديد خطير لحرية الإعلام والنشر والطباعة».
وأضاف في منشور على صفحته في «فيسبوك» تضمن جملة انتقادات لقانون جرائم المعلوماتية، إنه «ابتعد عن حماية مستعملي الحاسبات والانترنت ونظم المعلومات، واكتفاؤه بالتركيز على الجرائم التي تحمي السلطة من جهة وتسعى للتضيق على حريات الأفراد من جهة أخرى، بخلاف الهدف من قوانين جرائم المعلوماتية التي تستهدف حماية حقوق مستعملي تلك التقنيات وحماية الغير منهم».
وانتقد أيضاً «مبالغته (القانون) في قسوة العقوبات السالبة للحرية ورفعه حدها الأدنى، خلافا القوانين المقارنة التي جعلت حدها الادني غالبا غرامات فقط» فضلاً عن «عدم احترامه للقاعدة الدولية التي تمنع تبني العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والاعلام».
ورأى أن القانون «قيّد المعارضة (بالمعارضة الموضوعية) وتقييده النقد( بالنقاء البناء) مما يعني أنه يقيد الحريات التي أطلقها الدستور، ولا أدري ما هو معايير التفريق بين (المعارضة) وبين (المعارضة الموضوعية) وبين (النقد ) و(النقد البناء) ؟».
وأشار الخبير القانوني إلى خلوّ القانون من «الكثير من جرائم المعلوماتية التي عالجتها القوانين المقارنة التي حرصت أولا على حماية مستعملي الحاسبات والإنترنت، بينما اكتفى مشروعنا ببعض الجرائم فقط التي يقصد منها التضييق على الحريات وحماية السلطة».
وتابع: «تبنى القانون نهج حماية قيم لا شان للدولة والقوانين بحمايتها كـ(المبادئ الدينية والأسرية والاجتماعية) فهذه قيم تحمي نفسها بنفسها، وليس بالتجريم والعقاب، انما تحمي القوانين (حرية ممارسة الشعائر الدينية) ولا تحمي (الدين) فالدين يحمي نفسه بأدواته دون تدخل الدولة، وكذلك القيم الاسرية والاجتماعية».
ولفت إلى «تضييق مشروع القانون على حرية تلقي المعلومات ونشرها وتعميمها بشكل مبالغ به، مما يعني حرصا ظاهرا على منع تلقي المعلومات عن الفساد ونشرها وتعميمها التي ضمنته اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد».
حراب قاسية
واتفق العكيلي أن «مشروع هذا القانون خطر جدا، وهو إذا شرع سيكون شرخ كبير في حرية التعبير، وحراب قاسية بيد السلطة لطعن أي متحدث أو معبر عن رأي» مؤكداً أن «أهمية القانون لا تعني القبول باستخدامه حجة لمصادرة الحريات وتكميم الأفواه».
وختم بالقول: «نحن لا ننتقد القانون كأصل، بل صياغاته الفضفاضة وتعابيره غير المنضبطة، التي ستجعلنا جميعا تحت حراب الاستبداد والتعسف والقمع والتنكيل باسم القانون».
وكان المرصد العراقي للحريات الصحافية (غير حكومي) حذر، في بيان السبت، من أن «المصادقة على القانون في ظروف سياسية واجتماعية مضطربة وغير مستقرة، وإقحام الصحافيين ووسائل الإعلام في مضمون القانون، من شأنه أن يهدد حرية التعبير ويعرض الكتّاب والصحافيين والمدونين للمحاكمة والسجن».
وأوضح المرصد أن «القانون لم يُعرض على الشعب، ولم تجر مناقشته كما ينبغي مع منظمات معنية بحرية التعبير وحقوق الإنسان».
وشدد على أن هذا القانون «قد يضع نصف الشعب في السجن».