قبلة على جبين بارد

هناك شيء في اللغة اسمه الانعكاس، وهو أن تحيل اللغة على نفسها كأن تقول، إنّي أمقت كلمة (أحبٌّك) فأنت جعلت الكلمة (وهي في الحقيقة جملة) موضوع حديث. أنت لا تكره الحبّ، بل كلمة من كلماته؛ وأنت لا تكره شيئا خارج اللغة، بل عنصرا من عناصرها. أنت تريد أن تقول في الأصل إنك لا تكره الحبّ، بل تكره من يمتطون عباراته، لكي يغرقوا مراكب من يصدّقون أنّهم في سفرهم في بحره سالمون من موجه الكاذب الهدار. أنت في النهاية تعبر عن كره من يقولون ولا يفعلون، لكنّك تحصر الكره في اللفظ، وأنت تقصد عالما كاملا وراءه. إنّك تحصر موقفك الكاره في عبارة تجعل بها الكلام منعكسا على نفسه، وتجعل سهام كلامك ترمي فتصيب كلمات اللغة، وأنت تعني في سرك وما يخفى، قائليها.
والانعكاس أيضا أن يُعلّق المتكلم على قوله، فيستخدم الخطاب للحديث عن الخطاب كأن أقول لمخاطبي: (ألم تفهم قصدي من قولي لك: كانت قبلة على جبين بارد)، أنا عنيت أني أقبّل من جبينه ميتا لا حيّا. قد أكون لحظتها أقبّل حبيبة أودّعها ومات في جبينها كل شعور بالوداع.. أو أودّع حبيبا أواريه الثرى ويسري في جبينه برد هو برد الموات. لكنني وأنا أقول ذلك لمخاطبي، لاحظت أنّه لم يفهم ترميزي، أو كنايتي لذلك أسأله إن كان قصدي قد فهم لديه أم لم يفهم. حين يقول مخاطبي بينه وبين نفسه، أو حين يقول لي صراحة: (كلامك في ذاته قبلة على جبين بارد) سيكون قد انخرط فعلا في هذا الضرب من الانعكاس الذي يدور فيه الكلام على نفسه بتقييمه كلامي، وبجعل جملتي تدور على نفسها. هو قد انخرط في عجلة اللغة إذ تدور رحاها على نفسها. لكنّي سأستغرب من قوله لي: كيف يشبّه كنايتي عن قبلة وداع حقيقية أو مجازية بأنّها قبلة على جبين ميت؟ سأسأل ماذا يعني؟ هل أنّي فشلت في التعبير حين استعملت كناية باردة به لا يفهمها؟ لكن ما ذنبي أنا، إن كان هو لا يفهم هذا الضرب من الكنايات؟ وما ذنبه هو إن لم يسمع بكناية من هذا النوع من قبل؟ سأعرف أثناء التساؤل أنّي استعملت كناية مستوردة جلبتها من ثقافة أخرى؛ غير أنّي نسيت مصدرها وضاعت مصادر الكلمات في شتات القراءات.

من أشكال الانعكاس في الخطاب، أن تتحدّث عن نفسك بأن تقول مثلا: (أنا نفسي طبعت قبلة على جبينه البارد، وودعته من بين المودّعين).. حين تؤكّد الحديث عن ذاتك بالضمير وبعبارة النفس منسوبة إليك، تكون قد أحلت بشكل انعكاسي على ذاتك. أنت لن تكون إلاّ نفسك وأردت أن تجعل الكلام يدور عليك أكثر من اللازم. كان من المكن أن تقول (طبعت قبلة على جبينه البارد)، لكنّك متّنت عرى ذاتك المتحدّثة، وألبستها أكثر من ثوب خشن كأنك تخشى برودة القبلة على جبين بارد أن تصل إليك ذاتك المنكسرة وأنت تودّع. ولو قلت: (انطبعت على جبيني البارد قبلة لم أكن أنا نفسي مستعدا لها)، عبَّرت عن الانعكاس بطريقتين: دوران الكلام عليك أولا؛ وبانعكاس الفعل في قولك (انطبعت) ثانيا وكأنّ القبلة هي التي قبّلت جبينك. كأنك قلت – وهذا تمثيل ولا يتكلم به كما يقول سيبويه، (طبعت القبلة نفسها على جبيني وأنا نفسي لم أكن مستعدا لها). لقد قوّيت فعل التقبيل والقبلة وألغيت من طبعها مثلما قوّيت الحديث عن نفسك. لكأنّ المقبل ليس موجودا في مشهد طبع القبلة ولا توجد إلاّ انت والقبلة والجبين البارد. الجبين بارد والقبلة منعكسة على فعلها، وفعلها لا يعرف فاعلا غيرها؛ وأنت تريد أن تراك في المرائي الكثيرة المنعكسة في هذا الكلام: في مرآتك أنت تكون ذاتا تنعكس على نفسك، وفي مرآة القبلة، وقد طمست فاعلها ولا يوجد غيرها، وفي مرآة الجبين إذ ليس من شيء غير البرد. لكنّ انعكاسات مرايا ذاتك ومرايا القبلة تزيل عن الجبين برده.
إلى حدّ الآن تحدّثنا عن انعكاس اللغة: كيف يدور الكلام على نفسه والحروف تجترّ الحروف، والذات تلتفّ على الذات والفعل يطمس فاعله وينفعل بنفسه كأنّه هو الفعل والفاعل في آن. في هذه الأحوال جميعا تنعكس الإحالات على الذات وينغلق الخارج على شيء معلوم ويصبح هو الخبر والمخبر عنه.
إلاّ أنّ للانعكاس بعدا أكبر تمارسه اللغة عبر الصدى، الصدى فكرة يمكن أن تكون نقيضة أو شبيهة للانعكاس، فالانعكاس صور وجدت حاجزها على المرايا فلم تعثر في البياض على غير نورها؛ ولكنّ الصدى أصوات وجدت حواجزها في غيرها فعادت أدراجها القهقرى إلى أصلها، بعد تدوير وتموّج. الصدى أمواج صوت تتعاود تبعد عنك كأنها تريد أن تغادرك لكنّها تعود إليك مثل سهم دوار تطلقه كي تصيب غيرك، فإذا هو يشتاقك ويصيبك. الصدى أصوات كانت في أصلها صوتا ثمّ انشطر ليعود إليك كثيفا ومتكاثرا كأنما أخصبه التكرر. يصبح الصدى هو أن تقول: (وهل أنا مثلما قالت حبيبتي التي هجرتني: أليس لك سوى قبلة على جبين بارد؟) هنا يوجد صدى صوت آخر داخل خطاب المتكلم: امرأة تنتقم من حبيب لم تَرَ فيه غير قبلة تحمل كفنها، أو لقاء يلوّح قبل الحدوث بالوداع.
حين نتحدّث عن اللغة أو نعلّق على كلامنا (وهذا هو الانعكاس ) فإنّنا نُنتج أصداءً لكلام سابق، أو لقواعد لغوية أو لخطابات متوقّعة. وحين نسمع في الكلام صدى لصوت آخر، فإن ذلك يدعونا إلى تفكير انعكاسي في ما قيل، ومن قاله، ولماذا قيل كما قيل؟ يمكن أن يسألها بعد وقع كلماتها: (هل تعين ما قلته؟) فتقول: أقصد؟ لا يا حبيب الجبين البارد، ما قلته فعلا هو عين الحقيقةǃ) هنا يلتقي الانعكاس بالصدى: مرايا الكلام تمتزج بأصداء الأصوات المتجادلة: قبلة على جبين بارد وأصوات تهرع إلى أن لا تصدّق ما قيل.. قيل الكلام ولكنّ طمع المستمع المتَّهَم بقبلته الباردة في أن تكون نيّتها غير ما قالت، فإذا الردّ بالصدّ: إنّ الكلام هو نفسه النيّة والقصد هما متعاكسان. ما يقع على صعيد القصد هو ما قيل وما قيل هو ما ترسب في النفس أنّه الحقيقة. الصدى كان داخليّا، به حاور المتَّهم بالبرود من أجل أن تشفع النية للقول؛ ولكنّ النيّة كانت صدى مكبّرا للقول.
لم يتوقف المتكلم المحبوب قبلا، لكي يعيد صياغة كلامه لكي يعدّله ويخفف من وطأته كان يراد له أن يقول مثلا قولي لكَ يا حبيبي: عشقك لي كقبلة على جبين بارد لم يكن سوى مزحة.. وأيّ مزحة هذه التي تداعب الروح فتقتلها؟ هل أنا حين كنت أحترق في هواها كنت ألقي جمرا في محيط متجمّد؟ لا يا حبيبي إنما أنت حين كنت تنتج جمرا كنت توصله إليّ قطع ثلج تغيب خمرتها فلا تسكر.. هذا صدى جوابها لو أجابت.. الصدى ليس كالانعكاس: في الانعكاس تعود الصورة على الأصل تقوّيها وفي الصدى تسمع الكلمات تحت ضغط التكرار الثقيل؛ وكلما باعدت الأقوال عادت إليك أكثر قوّة كي تقول لك اطبع على جبينك قبلتك الأخيرة وارحل.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية