الجملة مفهوم نحوي ولسانيّ مهمّ، نتعلّمه في المدرسة أوّل ما نتعلمه ثمّ يكبر فينا أو يصغر حسب الاختصاص، إن توجّهنا حيث النحو والمعاني عمقناه؛ وإن توجهنا بعيدا عنها، حيث العلوم الأساسية تركناه. لقد صنع مفهوم الجملة في أذهاننا كثيرا من الاعتقادات، وصنع فيها أيضا كثيرا من الأحلام. في المدرسة قضينا وقتا كبيرا ونحن نمتحن في استخراج أنواع الجمل وفي تحديد مكوناتها الأساسية، فأجبنا صوابا مرّة وخطأ مرّات، لأنّ المحدّدات كانت عندنا مظللة، أو ظالمة لفهمنا البسيط لمكوناتها. حين درسونا الجمل حدّدوا فكرنا في ضبط حدودها وفي بيان نوعها وفي استخراج نواتها الإسناديّة ومتمّماتها وفي بيان وظائف تلكم المتممات. امتُحنّا في أيّام كان من الصعب عندنا فيها أن نميّز بين معاني حروف الزيادة أو معاني حروف الجرّ، وكنّا نسقط في الامتحان من أجل مسألة اكتشفنا لاحقا أنّها خلافيّة وأنّ جوابنا فيها كان صحيحا، حسب مذهب، وأنّهم حاسبونا بمعطيات مذهب آخر وما كانوا مطلعين على المذاهب، أو حتى على لغات العرب.
جعلتنا المدرسة نعتقد أنّنا حين نفكّر، نفكّر بالجمل ونتكلم بالجمل ونفهم الكلام بعد تقسيمه إلى جمل. واكتشفنا أنّ هذه مسألة خلافية بين فلاسفة اللغة، أو الفلاسفة عموما تستحق أن تصاغ كالتالي: هل نفكّر بالجمل؟
قبل أن نمرّ إلى الحديث عن آراء العلماء في الموضوع، ينبغي أن نشير إلى أنّ آباءنا الذين لم يذهبوا إلى المدارس، ولم يتعلموا ما تكون الجمل هم يتكلمون ولا يحدسون بهذا المفهوم، وهم رغم ذلك يتكلمون في سعادة، سعادة من يشرب الماء ولا يعنيه أنّه يتألّف من هيدروجين وأوكسيجين، وسعادة من يرى دخانا فيعرف أنّ هناك نارا، وهو لا يعرف البتة نظرية العلامات ومفهوم المؤشّر وسعادة من يرى وجهه في الصورة الشمسية، فيدرك أنّها تشبه وجهه هو، من لم ير البتة وجهه خارج الانعكاسات ومن لم يحدّثه أحد عن الصورة بما هي أيقونة.
هناك وعي حدسي هو الذي يجعلنا عارفين بالمشترك من المعارف، وهي معارف نحس بها أو نتقاسمها على العموم ولا تعنينا تفاصيلها. نحن نعرف أنّ ما نتبادله أثناء الحوار هو كلام ولا يعنينا إن كان هذا المفهوم المشترك بيننا دقيقا عند بعضنا وهلاميّا عند آخرين، ولا يشترط في المعرفة بالكلام أن نحدد وحداته الكبرى بما هي جمل، ووحداته الأدنى بما هي كلم، ووحداته التمييزية بما هي أصوات. أصعب الأشياء عند العلماء تخليص الألفاظ المعروفة من شيوعها وإعطائها مفهوما علميا. وكذا كان حديث النحاة عن الكلمة والكلام، وكثيرا ما وجد النحاة القدامى صعوبة في توفير مفهوم علمي للكلمة، حتى غيروا لها التسمية فاختاروا مرة اللفظم Monemes وأخرى الصرفم Morphemes هروبا من ثقل الكلمة وأحمالها العادية.
في الجواب الفلسفي عن سؤال تطرح الأبحاث في العلوم المعرفية واللسانيات عدة مقاربات للإجابة عن السؤال: هل نفكّر باللغة؟ مواقف متباينة فعلى سبيل المثال يرى فيتغنشتاين، أن اللغة تشكّل الفكر، ما يعني أننا نفكر عبر القضايا (عبارة منطقية لتسمية جمل النحاة) وهي في الأصل تتشكل باللغة وفي هذا الإطار يتنزل قوله الشهير: «حدود لغتي تعني حدود عالمي»؛ أو قوله الأكثر وضوحا: «الفكر هو الجملة الدالة». لكنّ فيتغنشتاين طوّر نظره في بحوث فلسفية، حين بات يعتقد أنّ المسألة معقّدة فاللغة تستخدم في «ألعاب لغوية» متنوّعة، وأنّه ليس علينا أن نسأل عن الكلمة، بل عن استعمالاتها فبنية اللغة المجردة ليس فيها مفتاح الفهم بل في كيفية تداولنا الاجتماعي اليومي للكلام. فلم تعد في الجملة مفاتيح التواصل ومغاليقها، بل في كيفية تداولها اليومي. أمّا الفيلسوف الأمريكي جيري فودور فقد رأى أنّ أن التفكير يبنى بلغة عقلية غير لفظية mentalese، ثم تترجم لاحقًا إلى اللغة، عند الحاجة إلى ذلك. ويرى لايكوف وجنسن أنّ التفكير يعتمد إلى حدّ كبير على الاستعارات والتجارب الحسية، ويتكوّن على مستوى تصوّري قبل أن يُصاغ في جمل.
ميز التداوليون (البراغماتيّون) في الفلسفة التحليلية أوّلا، ثمّ في اللسانيّات بين الجملة والقول أو الملفوظ Utterance فاعتبروا الجملة كيانا مجرّدا في النظام اللغوي، بينما اعتبروا القول حدثا كلاميّا يكون رهين إحداثه بين متكلمين يتفاعلان به في سياق معيّن هو ما يحدّد دلالته. فإن قلت لي: تبارك اللهǃ فأنت قلت جملة فعلية ولكنّها من غير سياق تبدو غير مفهومة، فيمكن أن تتعجب من جمال جميلة، أو جميل، ويمكن أن تقرّع شخصا مركّزا على أنّه لم يوازن بين قوله أو فعله ومقتضيات الأمور وأخلاقها.
حين نتكلم لا نستعمل بالضرورة الجمل يمكن أن نستعمل أصواتا (مم) نحن نفكّر في أنسب العبارات تعبيرا عن مقاصدنا، لذلك يكون مفهوم القول مرتبطا بالمقاصد التواصلية Communicative Intentions القول ليس مجرد بنية لغوية محايدة، بل هو أداة لتحقيق مقاصد تواصلية متعدّدة، ويعتمد نجاحه على نوايا المتكلم وتأويل المتلقي والسياق العام. «آه!» عبارة تقولها حين يطلب منك أن تحكي حكاية مؤلمة، أو تقولها حين تكون ناسيا شيئا وشيئا فشيئا تذكره، وحتى لا تتعب من يحكي تقول له ذلك، تقولها أيضا حين تتذكر شيئا بحنين أو بفرح أو بغبطة ويكون مخاطبك فاهما عنك ما تريد. القول والمقاصد التواصلية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا في الدرس اللساني التداولي، حيث يُنظر إلى كل قول ليس فقط بوصفه بنية لغوية، بل بوصفه فعلاً موجّهاً لتحقيق مقصد تواصلي محدد.
ويُنظر إلى القول في التداولية على أنه فعل كلام Speech Act يتجاوز المستوى التركيبي والدلالي إلى البعد التداولي، حيث يسعى المتكلم إلى تحقيق غايات تواصلية عبر اللغة. أنواع الأفعال الكلامية ودورها في تحقيق المقاصد وفقا لنظرية الأفعال الكلامية، يتكون كل قول من ثلاثة مستويات تؤدي دورا في تحديد مقصده التواصل: الفعل القولي (Locutionary Act): هو إنتاج الجملة بألفاظها وتراكيبها؛ وهو أن تنطق بقولك (آهǃ) أو بغيره من الألفاظ، أي أن تنجز عملا بالأصوات، أو حين تنقله كتابة. الفعل القولي لا ينظر فيه إلى نوع الكلام المنجز، إن كان لغويا نظاميا أو لم يكن. أمّا الفعل الذي ينظر فيه إلى المضامين فهو العمل اللاقولي أو الإنجازي Illocutionary Act وهو الذي به تأمر وتنهى وتعقد بيعا أو تفضّ مجلسا حين تكون رئيسا فيه. يمكن أن تفعل كلّ ذلك من غير تفكير في الجمل، مثلما ينظر لها النحاة يمكن أن تقول يا.. فقط فيقدم عليك من تناديه بالاعتماد على تكملة الإشارة، ويمكن أن تعبر عن المفاجأة الشديدة وأنت تقول لمن تراه: (أنت؟) في هذا السياق لسنا نحتاج إلى تقدير المحذوف. أن يقول المتكلم (أنت تظهر لي مرة أخرى؟) شيء وأن يقول (أنت؟) شيء آخر مختلف تماما. يريد النحاة منا أن نعيد الكلام وفق أنساق نمطية هي أنساق الجملة، غير أنّ المتكلم ووفقا لمقاصده التواصلية يناسب بين طول العبارة وقصرها.
وأخيرا فإنّ القول له خلفية تأثيرية هي لازم فعل الكلام Perlocutionary Act : هو التأثير الذي يتركه القول في المتلقي، مثل الإقناع أو الإمتاع أو الإلزام… القول الذي تحدثه في الكون يمكن أن يكون له مفعول كأن يخرج من تقول له أخرج أو كأن يرفض الخروج.
إنّنا لا نفكّر بالجمل مثلما يفكّر النحاة في الجمل. نحن لا نتكلم إلاّ بما يقتضيه مقام كلامنا من جهد أو من مناسبة. المتكلم في الأقوال ينتج كلاما يقع بين صمتين، أو بين كلامين. يولد الكلام وينتهي باتفاق وينتج بناء على مقاصد معلومة. هنا نفهم لمَ كان سيبويه وهو أبو النحاة يتحدّث عن النحو من غير أن يحتاج مفهوم الجملة.. كان كلّ شيء يدور لديه حول الكلام. كان رحمه الله يقول لنا حتى النحو يمكن أن نفكّر فيه من غير حاجة إلى مفهوم اللاحقين المركزي: الجملة.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية