ومن الحب ما قتل لغويّا

حجم الخط
13

بعض الدراسات اللسانية الحديثة، ولاسيّما التطبيقية في التعليم، تدرس أثر زواج الأقارب والأباعد على اكتساب الطفل للغة. لا يعنى بزواج الأباعد Exogamy في هذا السياق أن يتزوج المرء من خارج أهله، أو قبيلته، بل يعني به أن يكون الزواج بين منتميين إلى لغتين مختلفتين على نقيض زواج الأقارب Endogamy الذي يجمع بين زوج يتكلم اللغة الأمّ نفسها.
يمثل الواقع الكندي أبرز الأمثلة على تطوّر هذه الدراسة، فعلى سبيل المثال درس أستاذ العلوم السياسية الكندي جان لا بونس Jean LaPonce في فصل من كتابه «قانون بابل» تأثير الزواج المختلط لغويّا، على هيمنة لغة على أخرى داخل العائلات في كندا، ويلاحظ أنّ لسان الأمّ إن كان الفرنسية أو الإنكليزية هو الذي يهيمن على ألسنة الأبناء، ولكن قد يتنازل كلّ طرف من الزوجين عن لسانه لفائدة لسان المجموعة اللغوية المهيمنة. فسكّان أنتاريو التي يتكلم غالبية سكانها الإنكليزية يتنازل من كان لسانه الفرنسية من الزوج لفائدة الإنكليزية، ويحدث العكس في مقاطعة كيباك، ذات الأغلبية الناطقة بالفرنسية، بأن يتنازل عن الإنكليزية لصالحها. وعلى الغالب، فإنّ هيمنة الإنكليزية في كلتا الحالتين هو الخيار المهيمن. يسمّي لابونس هذه الظاهرة «قانون الحبّ القاتل» لأنّ فيه تسامحا وتنازلا عن لسان ما لصالح لسان آخر، فكأنّه حبّ يؤدّي إلى قتل أحد اللسانين قتلا، في معنى خمول دورانه على ألسنة أفراد الأسرة الواحدة.
رودريغ لاندري Rodrigue Landry أستاذ كندي في علم النفس التربويّ، يهتمّ بدراسة الموضوع نفسه في إطار وضعية متكلمي لغات رسمية حين يكونون أقلّيّات. في مقال له كتبه مع ريال ألّار Real Allard  حول زواج الأباعد والحفاظ على لغتين وثقافتين توصلاً، واعتماداً على عينات لتلاميذ هم سليلو زواج أباعد بين اللسانين الفرنسي والإنكليزي، إلى أنّه لا بدّ من التمييز بين زواج الأباعد، باعتباره بنية أسريّة من ناحية، وباعتباره حركية اجتماعية من أخرى. فلكأنّ ما يحدث في الأسرة من هيمنة لغة على أخرى هي لغة أحد الزوجين لا تحيل على حركية تلك اللغة في المحيط الخارجي.
يرى الباحثان أنّ كندا منطقة منقسمة لغويا بين الفرنسية والإنكليزية ولا تزال الفرنسية اللغة الرئيسية المُتحدث بها في كيبيك، ولكن في جميع المناطق الأخرى، باستثناء بعض مناطق أكاديا، تُعتبر الإنكليزية اللغة السائدة. وفي عام 1991، أفاد 11% فقط من سكان كيبيك بأنّ الإنكليزية هي لغتهم المُستخدمة؛ وأفاد 6% بأنهم يتحدثون لغة أخرى غير الفرنسية، أو الإنكليزية (مع أن 16% كانوا من أصل عرقي غير فرنسي أو بريطاني). عام 1991 وخارج كيبيك، أو «كندا الإنكليزية»، كانت الإنكليزية هي اللغة التي يتحدث بها 88% من السكان، بينما لم يتحدث الفرنسية في المنزل سوى 3% منهم. هذه معطيات مهمّة نقلناها، دون تحليل من لندري وألاّر، وهما يذكران، بناء على إحصائيّات مفيدة، أنّ من بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و4 سنوات والمؤهلين للالتحاق بالمدارس الفرنسية، يستخدم 92% منهم اللغة الفرنسية في المنزل، عندما يكون لديهم والدان ناطقان بالفرنسية، بينما لا يتحدث بها سوى 17% منهم عندما يكون أحد الوالدين فقط ناطقا بالفرنسية. تُثير هذه الظاهرة قلق الأقليات الناطقة بالفرنسية. ويُمثل اختيار لغة التعليم تحديا كبيرا للأزواج المتباعدين، الذين يعيشون في بيئة أقلية ناطقة بالفرنسية، وغالبا ما لا تختار الفرنسية في المناطق ذات الهيمنة الإنكليزية.
هذه الأفكار التي فرضها الواقع اللغوي المزدوج في كيبيك، تثير انتباهنا في ما يتعلق بالواقع العربي اللغوي واللهجي العربيّ. فمن الممكن أن نتحدّث عن زواج أباعد في الوطن العربي إن تعلق الأمر بزواج بين اللهجات، كأن يكون الزوج تونسيّا والزوجة مغربية أو لبنانية؛ لكن ليست لدينا دراسات حول ظاهرة هيمنة لهجة على أخرى في سياق زواج الأباعد، وعلى العموم فإن لسان الأمّ سيكون هو الغالب داخل الأسرة ولاسيّما إن كانت لغة المجتمع الذي تعيش فيه هي لغة الأمّ وسيؤول الأمر إلى غلبة لغة المدرسة والمجتمع على اللهجتين في السياق التعليمي. إنّ هيمنة لهجة ما، أو عدم هيمنتها سيكون نتيجة لانغماس الطفل في الخارج: فإن كان يعيش في تونس مثلا تكلم التونسية، وإن كان يعيش في المغربن أو لبنان، تكلم باللهجة المغربية أو اللبنانيّة. في كلّ الحالات سيكون الطفل من مزدوجي اللهجة، وهذا له تأثير كبير في اكتساب ثقافتين: ثقافة الأمّ وثقافة الأب، وإبداء موقف منسجم، أو ناقد لأحداهما أو لكليهما. وميل الطفل إلى لهجة من اللهجات سوف يكون اختيارا في مراحل متقدّمة من العمر، وحين يذهب الطفل إلى المدرسة ويكتشف العربية الفصحى سيكون له سلوك لغويّ مختلف يجعله يرى العربية لغة مختلفة عن لهجتي أبيه وأمه.
الإشكال لا يطرح في زواج الأباعد داخل الوطن العربي، بل يطرح في ذلك الزواج في ثقافة غير عربية. فعادة ما يلجأ الزوجان إلى أن يتعاملا بلسان اللغة الرسمية التي يقيمان بين مجموعتها اللغوية، وقد تكون لغة التخاطب في الأسرة بلغتين: لغة الخارج ولهجة البيت الأصلي. وزواج الأقارب هو الذي يكسب التوحيد اللساني ويترك المجال أكثر للحديث باللهجة العربية الوحيدة على الأقلّ بين الزوجين، وقد يخاطب الأبناء، الأب أو الأمّ بتلك اللهجة، فيجيب الأطفال مثلا بالفرنسية أو الإنكليزية أي بلغة المحيط اللساني الذي تربوا فيه.
إن كان زواج الأباعد بين زوج طرف منه أوروبي والثاني عربي فإنّ ضمور العربية سيكون أكثر، إن كان الأطفال يعيشون في دولة أوروبية؛ ولن يكون الحديث بالعربية داخل الأسرة، وسيضطر الزوج لأن يترك لسانه، ويضمحلّ تقطيع أصوات العربية لديه إلاّ في المناسبات التي يمكن أن يلتقي فيها بأسرته أو بمن يشاركه اللسان العربي، لذلك عادة ما تنشأ جماعات لغوية وثقافية هدفها المحافظة على الأداء اللهجي المحلّي الأصغر أو الأكبر وممارسة العادات الثقافية جماعيا، كما هو الحال في الأعياد والمناسبات؛ بل يدخل فيها أيضا الإقبال على السلع المقبلة من الوطن الأصلي، فيجد المرء في تسمياتها وفي تفاصيل ممارستها ما يجعله يعلق بأطراف ثقافته المنسية أو البعيدة. لقد تغلبت المطاعم المحلّية على أيّ أداء ثقافي آخر؛ فلكل مجموعة ثقافية مطعمها، الذي قد يجلب إليه الأصليين وغيرهم؛ وعبر الأكل تقطع السكاكين بطريقتها الأصلية ما يقطع من أكل، ولكن تقطع الحنجرة أصوات اللغة الأصلية. في هذه المطاعم يمكن أن تستجلب من باب الاكتشاف ثقافات أخرى، فيبدأ الانغماس في اللغة والثقافة الأجنبية بالأكل. قد تقصد مطعما يابانيا لتأكل السوشي، ولكنّك وأنت تقبل على السمك النيء باعتباره جزءا من الطبق تكون قد استقبلت عادة جديدة لم تكن لديك: إنّ السمك قد يكون غير مشويّ وستنفتح على ثقافة أخرى يكون للأعشاب البحرية حكاية أخرى هي ليست أكلا للسمك، بل أكل صائدي السمك. من قال إنّ الحدود اللغوية صلبة يكفي أن تفكّر في طبق مكسيكسي حتى يبدأ الانغماس الثقافي واللغوي في هذه الثقافة البعيدة.
زواج الأباعد لغويا قد يكون بلا عِقد؛ فقد يبدأ بشوكة أو بملعقة في مطعم أجنبي عن البلد الأجنبي الذي أنت فيه غريب تصارع من أجل البقاء لغويّا، حتى تغزوك معدتك وتبدّل لسانك طمعا في استبدال المذاق. من قال إنّ اللسان الآكل هو غير اللسان الناطق؟
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية