قبيل ذكرى الثورة: تونس بين الاحتجاجات الشعبية والمبادرات الوطنية

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس-«القدس العربي»: مع اقتراب يوم 14 كانون الثاني/يناير، تاريخ سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس، وهو الموعد الذي كان يعتبر رسميا عيد الثورة التونسية قبل أن يقوم الرئيس قيس سعيد بتغييره إلى يوم 17 كانون الأول/ديسمبر، أي تاريخ اندلاع الشرارة الأولى لهذه الثورة، تُلوح أحزاب معارضة بالنزول إلى الشارع احتجاجا على سياسات الرئيس سعيد التي بدأت منذ 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ حل حكومة المشيشي وتجميد البرلمان وتعليق العمل بالدستور من قبل الرئيس. وتأتي في طليعة هذه القوى المعارضة الراغبة في حشد الشارع، جبهة الخلاص الوطني التي تتشكل من حركة النهضة وقوى وشخصيات حليفة لها أعلنت عن عزمها تنظيم احتجاج كبير في ذلك اليوم احتفالا بذكرى الثورة من جهة واحتجاجا على الأوضاع العامة في ظل حكم الرئيس سعيد من جهة أخرى.
ولا يقتصر الأمر على الأحزاب المعارضة، فقد لوّحت منظمات وطنية أيضا برغبتها في التصعيد مع منظومة الحكم في ظل الأوضاع المعيشية المزرية التي يعاني منها التونسيون، والتي زاد طينها بلة قانون المالية الجديد الذي أثقل عديد القطاعات بضرائب وأداءات جديدة. ويأتي في طليعة هذه المنظمات الاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتقد بشدة لافتة قانون المالية واعتبره مجحفا وعبر عن انزعاجه من التفرد بالرأي من قبل الحكومة وهدد بالتصعيد وهو المعروف بقدرته على الحشد في صفوف الشغالين سواء العاملين بالفكر أو بالساعد.
وكان المحامون قد نظموا في وقت سابق يوم غضب وذلك ببهو قصر العدالة بالعاصمة حيث مقر عمادة المحامين، وكذلك بالفروع الجهوية وأكدوا على أن حركاتهم الاحتجاجية تلك ستتواصل والتصعيد من خلالها سيكون تدريجيا وذلك إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم في إصلاح القطاع وإلغاء إقصائهم من المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية العليا. كما انتقد المحامون بشدة قانون المالية الجديد ورفعوا شعارات من قبيل “لا لإثقال كاهل المواطنين .. لا لإملاءات صندوق النقد الدولي” واعتبر عميدهم أن قانون المالية هو القطرة التي أفاضت الكأس لوضع مزر يعيشه القطاع ومرفق عام العدالة يوجه عام.
ويبدو أن الرئيس قيس سعيد قد حسم موقفه باكرا بشأن تلك الاحتجاجات، حيث اعتبرها مؤامرة لتعطيل السير العادي للدور الثاني من الانتخابات التشريعية، ولبعض المرافق العمومية، وسيقوم بها أشخاص قبضوا برأيه أموالا من بعض الجهات الخارجية. وعبر سعيد عن ذلك خلال لقائه بوزير الداخلية توفيق شرف الدين والمدير العام للأمن الوطني مراد سعيدان، وهو ما جعل البعض يرجحون فرضية أن يجنح الرئيس إلى قمع الاحتجاجات بالقوة مع الخشية من تطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.
وكان كثير من التونسيين قد استبشروا بخطاب الرئيس قيس سعيد ليلة رأس العام الجديد والذي ردد من خلاله ما مفاده أن تونس تتسع لجميع أبنائها، ولم يأت على أي استثناء، وهو ما فهم منه أن الرئيس يعتزم إجراء نوع من المصالحة أو هو يبشر بحوار وطني جامع لكل التونسيين. لكن ما حاصل في الأيام الموالية من ملاحقات قضائية لرموز من المعارضة جعل البعض يؤكدون بأنه لن يغير من سياساته وأنه ماض قدما في الاستفراد بالرأي واستهداف معارضيه من مختلف التيارات السياسية خاصة بعد أن أصدر مرسوما رأى معارضوه أنه سيف مسلط على رقاب كل من يصدح برأي مخالف ويستهدف حرية التعبير في مقتل.
ويرى فريق آخر من التونسيين أن سعيد لا علاقة له بهذه التتبعات التي طالت معارضين لحكمه وأنه جاد في ما صرح به ليلة رأس السنة من رغبة ضمنية في الانفتاح على الجميع، وأن من تقف وراء هذه التتبعات هي رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي. حيث قامت الأخيرة بإيداع شكاية لدى النيابة العمومية متهمة فيها قيادات في جبهة الخلاص المعارضة بتشكيل وفاق غير مرخص له من الناحية القانونية ويضم برأيها، متورطين في الإرهاب، وكان تحرك النيابة العمومية على هذا الأساس وذلك بعد أن أذنت بفتح بحث في الموضوع.
لكن المعارضين لهذا الرأي يؤكدون على أن سرعة استجابة النيابة العمومية للشكوى المقدمة بحق المعارضين، وذلك خلافا لشكاوى أخرى تقدمت بها رئيسة الحزب الدستوري الحر ولم يقع النظر فيها أو وقع النظر فيها بعد مرور وقت طويل، يؤكد بالنسبة إليهم أحد أمرين، إما ان عبير موسي تنسق مع الرئيس وقامت بتحرير هذه الشكوى في إطار تقاسم الأدوار بينها وبينه، أو أن القصر استغل هذه الشكوى، التي جاءت في الوقت المناسب بالنسبة إليه، وذلك لتصفية الحسابات السياسية مع خصومه في المعارضة قبيل موعد 14 كانون الثاني/يناير والمظاهرات التي تنوي المعارضة القيام بها.

المجتمع المدني

وشملت التتبعات بالأساس أحمد نجيب الشابي الوجه المعارض البارز لنظام زين العابدين بن علي والذي شغل حقيبة وزارية في حكومة محمد الغنوشي بعد الثورة مباشرة ثم انتخب نائبا في البرلمان، وكذلك العياشي الهمامي المعارض البارز أيضا لنظام بن علي، ورضا بلحاج الذي شغل سابقا منصب مستشار للرئيس الراحل الباجي قايد السبسي. وهؤلاء الثلاثة هم محامون شأنهم شأن عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر التي اشتكتهم إلى النيابة العمومية وهو ما يمكن أن يخلق انقساما داخل الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين في وقت تسعى فيه الهيئة إلى تقديم مبادرة للخروج من الأزمة السياسية ككل وذلك بدعم من الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار حصلت لقاءات تشاورية بين رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي وأمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي وعميد الهيئة الوطنية للمحامين حاتم مزيو، وتم التداول في الأزمة التي تعيشها تونس والسبل الكفيلة بالخروج منها. كما تم الاتفاق بين المنظمات الوطنية الثلاث على أن يقع الانفتاح أيضا على منظمات وطنية أخرى وإجراء حوار وطني جامع ترعاه هذه المنظمات وفق تصور واضح للخروج من هذه الأزمة التي يعيشها البلد والمستمرة منذ سنوات.
فهناك سعي حثيث وثابت لبلورة تصور مشترك للمرحلة المقبلة في إطار مبادرة وطنية لانقاذ البلاد من الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي آلت اليه تقوم به هذه المنظمات الوطنية الهامة الحائزة سابقا على جائزة نوبل للسلام والتي انفتحت على منظمات أخرى لم تكن ضمن الرباعي الذي نال الجائزة. مع العلم أنه لم يقع تحديد الأطراف التي ستشارك في هذا الحوار الوطني كما لا يعرف إذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد سيقبل بهذه المبادرة أم سيتجاهلها مثلما حصل في الماضي القريب مع مبادرة تقدم بها الاتحاد العام التونسي للشغل.
ولعل اللافت أن المنظمات الوطنية تحتج وتنزل إلى الشارع لكنها لا تكتفي بهذا الدور بل تقدم مبادرات للخروج من الأزمة وهو ما يدل حسب البعض عن النضج التي بات يتمتع به المجتمع المدني في تونس في مقابل طبقة سياسية ما زالت لم ترتق بعد إلى مستوى اللحظة الفارقة التي يعيشها البلد. وقد سبق لهذه المنظمات أن نجحت في رعاية حوار وطني جنب الخضراء سيناريوهات كان بإمكانها أن تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية