قراءة في الخطاب المبتور… والشرع والإخوان وإبراهيم عيسى كمان!

حجم الخط
1

لا أعرف ما إذا كانت الصحف لا تزال تهتم بباب «الكلمات المتقاطعة»، أم أنها تنتمي إلى زمن ولىَّ وهي التي كان يعكف على حلها كثيرون من قراء الصحف، وكان عبد الروتين في المصالح الحكومية ينشغل بها عن قضاء حوائج الناس، حيث كانت وسيلة تسلية في زمن لم يكن يعرف «تيك توك»!
وباب «الكلمات المتقاطعة»، هو اختبار في المعلومات العامة، ولا يمكنني أن أضيف أكثر من هذا في تعريفه، لأنني لم أنشغل يوماً بالتعامل مع هذه الزاوية، ولعل حظي مع باب آخر هو «حظك اليوم» كان أفضل، إذ كنت ألتفت اليه أحياناً، فأقرأ برجي، وظنا مني أنني برج السرطان، ثم اكتشفت بعد ذلك، أنني كمن يقرأ في كتاب من خارج المقرر الدراسي، فلا شأن لي أصلاً بهذا البرج لا من قريب ولا من بعيد، والأمر في الأخير لا قيمة له، لأن من كان يحرر هذا الباب هم محررون في الصحف، لا فلكيون ولا علماء في الأبراج، ولا ليلى عبد اللطيف!
ولكي تفهم السياسية في بلادنا، وفرع العلاقات الدولية بالذات، عليك أن تجيد حل «الكلمات المتقاطعة»، لأنك تجد نفسك أمام كلمات مبتورة، وخطاب يبدو مفتقراً للسياق، وهذا ما يمكن فهمه، من أزمة بدت مكتومة في العلاقة بين مصر والحلفاء الخليجيين السابقين، لأن الخطاب المبتور إن لم تفكر في مدلوله سوف تصاب باللوثة العقلية!

عمرو أديب حامل الشيكات

بعيداً عن فقرة الطهي، فإن كثيرا مما يقوله عمرو أديب في برنامجه يحتاج إلى التفكير في سياقه دون الاكتفاء بقراءة النص، فالمعنى دائماً في بطن الشاعر، أو المذيع، لا فرق، وفي الأمور التي ترتبط بالعلاقة بين البلدين اللذين يحمل جنسيتهما، فهو يتكلم وفي فمه ماء، وقديماً قال الشاعر: وهل ينطق من في فيه ماء؟!
اعترف عمرو بأنه حمل أموالاً من المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد الله إلى مصر بعد ثورة يونيو/حزيران 2013، قبل أن يستدرك بأنها شيكات من رجال أعمال سعوديين.. وعندما تسمع له لا بد أن تقول: ماذا هناك؟
والجنرال في قمة بغداد، كان متجاوزاً لخطابه التقليدي عن العلاقات العربية – الإسرائيلية، وقال كلاماً أفضل تعليق عليه هو ما كتبه أحد الشباب بأنه لو قاله في مصر لتم اعتقاله، وهو يقول لو نجحت إسرائيل في إبرام اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية فإن السلام الدائم والشامل سيظل بعيد المنال ما لم تقم الدولة الفلسطينية.. فماذا هناك؟!
أما عمرو موسى فكان أكثر وضوحاً بأن وجه نداء للشباب العربي، بل لكل العرب، بألا يتورط أحد في تبادل تعليقات عنيفة على الـ»سوشيال ميديا».. فماذا هناك؟!

عزلة مصر.. وزيارة ترامب

«بيت القصيد» أن مصر السلطة تشعر بالعزلة، وكان منتظراً أن يبدأ الرئيس الأمريكي جولته في المنطقة من القاهرة، وإذ قرر عقد قمة في الرياض، فلم يكن متصوراً أن تغيب مصر عنها، وكان المؤذي لمشاعر القوم في القاهرة أن يحضر الرئيس الشرع ولا يحضر نظيره المصري.
وكان لا بد مما حذر منه عمرو موسى وهو «التعليقات العنيفة على السوشيال ميديا»، التي لا تبق على ود، ولا تحافظ على علاقة. وكان الطرف الآخر حاضراً بالرد، حد تسريب صورة للرئيس المصري وهو يجلس في الصف الثالث في قمة روسيا بجانب أحد القادة الأفارقة، الذي لم يتم التعرف عليه إلى الآن، ولا نعرف إن كان رئيساً أم وزيراً وإلى أي بلد ينتمي؟
وتدخل عمرو أديب ليذكر بالفضل القديم بعد ثورة يونيو/حزيران 2013، فيبدو لغير الماهر في حل «الكلمات المتقاطعة» كما لو كان يكلم نفسه باستدعاء موضوع منبت الصلة بالسياق العام، وكان الحديث المختلف في قمة بغداد، هو وضع العصا في العجلة فالتطبيع لو قامت به الدول العربية جميعها لا قيمة له.
ومن حسن الحظ أنه إذا كانت هناك هذه المهمة أوكلت للجان الإلكترونية، وهو ما يفهمه عمرو أديب جيداً، ومن ثم اهتم بالرد، وإن ظل المعنى في بطنه، فإن المهمة لم يتم إسنادها للإعلام.
والحاصل إنها عزلة، تحتاج لمنهج جديد لتجاوزها، فإذا كان طوفان الأقصى جعل لمصر دوراً بحكم معبر رفح، فإنه عندما تلقي الحرب أوزارها فستكون في أزمة، وقد لا يكون هناك معنى لتمكينها من ملف إعادة الإعمار، الذي ربما ترى في إسناد الملف لها حلاً لكثير من مشكلاتها!

توتر مصطفى الفقي

ترامب في جولته حدد موضع الثقل في المنطقة، وبعيداً عن أنه ثقل حيث وجد الكلأ، فإن مصر لم تكن غنية وافتقرت، لكن ثقلها كان مرده في طول التاريخ وعرضه إلى مكانتها التاريخية وأدوارها الكبيرة، قبل أن تصبح علاقتها بمحيطها قائمة على فرض المساعدات، وإلا فالإعلام جاهز للاستباحة والتذكير بالقديم والجديد، فالإعلام ليس حكراً على مصر، وليس شرطا أن يفرش المذيع الملاية ليتحقق النصر، فقد رأينا أن الرسالة الإعلامية المهنية يمكن أن توجع أيضاً.
وفي تقديري أن الشعور بأن هناك أزمة هو السبب في توتر مصطفى الفقي في مقابلته مع قناة «العربية»، إذ ظن أنه تم استدعاؤه لاستباحته بحسبانه من الرموز المصرية، وللسعودية فيه أكثر من مصر، وهو يقول إنهم يملكون كل شيء (وهذا خطاب لا يمكن أن يكون عائداً للمذيع)، في حين «أننا فقراء إلى الله»، ولا يمكن أن يكون هذا الجمع عائداً لشخصه.
وقد انتابته مشاعر متضاربة، فعندما يتخيل مصريته يهاجم المذيع وعندما يتذكر علاقاته التاريخية بالقوم يشيد بالمذيع ومهنيته، ويصرف عنه الشعور بأنه يتعرض لكمين!
إنه خطاب يؤكد أن هناك أزمة، والمعنى في بطون القوم!

عفريت الإخوان يتلبس إبراهيم عيسى

مدهش للغاية إبراهيم عيسى هذا، ومقاطع من برنامجه على قناة «القاهرة والناس»، توحي بأنه تلبسه عفريت من الجن اسمه الإخوان!
لا أذكر أنني رأيته على الشاشة الصغيرة، ولكني أطالع مقاطعه على الشاشة الأصغر، حيث منصات التواصل الاجتماعي، وهو يقوم ويقعد وليس على لسانه سوى الإخوان، وبعد عشر سنوات لا يوجد في فمه سوى الإخوان، ينام ويستيقظ وكابوس الإخوان يحاصره، ومن «الحرة»، حيث كان يقدم برنامجه، إلى القناة المذكورة، فإن الثابت لديه هم الإخوان.. الإخوان. وكما يقول المتصوفة: «مريض بداء الحب قلت أحبتي»، فإنه «مريض بداء الإخوان»! والإخوان حلفاء إبراهيم عيسى السابقين.
وقد اعترض طريقي على «تويتر» مقطعاً من برنامجه يهاجم فيه الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يسمح لإسرائيل باحتلال الأراضي السورية، دون اعتراض من الإخوان عليه!
ولو فكر إبراهيم وتأمل مثلما يتكلم، لتوصل إلى أنه في حملته على الشرع، يؤدي أهداف الإخوان العليا والاستراتيجية، وأن بينه وبينهم توافق على الأهداف بدون اتفاق عليها، ومن الجهل المطاع تصور أن الإخوان يريدون لتجربة الشرع التوفيق، إن مجرد تخيل هذا كاشف عن أن هناك شيئا ما في أعلى الرأس قد توقف.
واستمرار الشرع في الحكم ونجاحه، من أكبر الأزمات التي تواجه الجماعة الآن، ليس فقط لأن إخوان سوريا ليسوا في وضع مثالي، ولكن بالإضافة إلى هذا، فإن خسارة الجماعة الأم لجبهات عدة ومن مصر الى اليمن مروراً بتونس، مع نجاح فرد من تنظيم وأفكار مختلفة هو الشرع، بجانب طالبان في أفغانستان، أمر سيكون له تأثيره السلبي على الإخوان عندما يلتقطوا الأنفاس، وليس سراً أن كثيرين ممن يهاجمون الشرع هم إخوان أو متعاطفون معهم، وهذا هو المسكوت عنه!
يبدو أن إبراهيم عيسى لا يزال حليفاً للإخوان إلى الآن!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية