قرع الأواني الفارغة في الجزائر

حجم الخط
3

في الجزائر، أنت لست اسماً ولا لقباً ولا رقم هوية، بل أنت عضو في عشيرة، وتختلف طريقة التعامل معك، بحسب اسم العشيرة التي تنتمي إليها وأعداد المنخرطين فيها، سوف ترتقي إلى مقام أعلى، إذا كنت من عشيرة يعلو ضجيجها كلما تدلى لسانها بالكلام، ويقل مقامك إذا انتسبت إلى عشيرة تلتزم الصمت والتأمل وقلة الثرثرة، وهذه العشائر ليست مثل تلك التي نعرفها، لا رقعة جغرافية لها ولا عنوان، بل هي «عشائر إلكترونية»، زحفت من الواقع إلى الافتراض، وصارت الثقافة في الجزائر محتجزة بين أهواء هذه العشائر، لا ينطلق رأي ولا يُبادر شخص إلى موقف، أو إلى فعل بدون أن يتعرض لغزوة من عشيرة مُعادية إذا لم يتكل على بني عشيرته، قصد ضم صوتهم إليه وإتمام ما ينوي عليه، هكذا ونحن نأمل في الانتقال بالشأن الثقافي إلى رحاب المواطنة، ننتكس مرة أخرى إلى تنظيم اجتماعي قديم، غيّر جلده فقط، ووسائط تواصله، ولم يخرج من منطق العداوات المجانية.
المشهد يبدو واضحاً، فالثقافة الجزائرية لا تُسيّرها نخب، ولا ينوب عنها متعلمون، فقد زحف على المشهد جند جدد، تركوا مواقعهم الأصلية، مناطق توسعهم على الأرض، وجعلوا من وسائل التواصل الجديدة، من فيسبوك أو تويتر، مخططات لنفوذهم، أعادوا تنظيم صفوفهم، لا يهمهم أن يشتركوا في الانتماء المناطقاتي، ولا أن يوحدهم رابط دم أو عرق، بل يهمهم أن يتقاطعوا في المصلحة الواحدة، كي يعلنوا عن ميلاد «عشيرتهم»، وفي خطوة لاحقة يعلنون عن وجودهم بشن حملة ثقافية، لا يجمعون مالاً ولا عتاداً، ولا يهيؤون جيشاً، بل ذخيرتهم تحسب بعدد الإعجابات والتعليقات على المنشورات، وتُقاس بمدى تحلقهم حول الفكرة الواحدة، قصد دعم وجهة نظر ثقافية، أو الوقوف ضد أخرى، لا تعنيهم مناقشتها، بل يهمم مدى مقدرتهم على الإطاحة بها أو مُباركتها، وإقناع الآخرين بصحة ما يذهبون إليه، فالوسط الثقافي سرعان ما يملّ من النقاشات، لا يحتمل الجدال أو المبارزة بالآراء، فكل واحد من أبناء العشائر الإلكترونية، يكاد يقتنع بأن الرأي الأصوب هو ما تذهب إليه الجماعة، لذلك كلما زاد اللغط في أمر ما، بالسلب أو الإيجاب، يعني ذلك حكماً عليه، بدون مراعاة الحق في الطعن أو في الحياد، ومن لا يركب قافلة العشيرة، سوف يُنظر إليه نظرة المنتكس على عقبيه.
زعماء العشائر الإلكترونية في الثقافة يفكرون بمنطق من يؤسس ديناً جديداً، يهمهم كثرة الأتباع لا كثرة الآراء وتصويبها، يهمهم حشد الصفحات على الفيسبوك وأغلبها تُدار بأسماء وصور وهمية، وتروج لفكرة ما، ولا مجال لطرح أي سؤال عن صدقها من عدمه. وهذا التكتل العشائري، الذي يتخذ من كل من لا يروقه خصماً له، لا يعتبر نفسه نهجاً أنانياً، ولا يرى في ذاته عيباً، بل يبرر كل خرجاته وشطحاته تحت مظلة حرية الرأي، أي أن قمع آراء الأتباع حرية، ومناقضة الآخرين حرية أيضاً، لنجد أنفسنا أمام واقع ثقافي جزائري مخترق بالصدمات، لا نسمع فيه صوتاً، بل نشازاً، تتوارى فيه النخب، لأنها أرهقت من الرد على العشائر الجديدة، ويحل محلهم كل شخص تشبّع من الصبر، ومن الحيلة ما يخول له أن يكتسب صفحات وحسابات على الفيسبوك، كي يرافع من أجل عشيرته، دون غيرها من العشائر الأخرى.

الوسط الثقافي سرعان ما يملّ من النقاشات، لا يحتمل الجدال أو المبارزة بالآراء، فكل واحد من أبناء العشائر الإلكترونية، يكاد يقتنع بأن الرأي الأصوب هو ما تذهب إليه الجماعة

يتعاظم نشاط العشائر، وتزيد استطاعتهم على المناورة، كلما طرأ على الساحة الثقافية خبر جديد، أو لوّح أحدهم بأن مشروعاً ينبت هنا أو هناك، أو أطل مبدع برأسه يستجدي قليلاً من الضوء، فيُبادرون إلى إخراج سيوفهم، التي تلمع في منشورات افتراضية، أو في تهيئة خيولهم التي تركض بالإعجاب، أو التعليق، والغاية من هذا الحشد، ومن هذه الفورة التي تسكنهم هي طحن كل فكرة لا تروقهم، أي أن كل فعل لا يزيد من تعداد أتباعهم فهو بالضرورة يستحق أن يخوضوا غزوة قصد النيل منه.
هكذا لم تخرج الثقافة الجزائرية من سباتها، لأن العشائر الإلكترونية لا تفكر في مصلحة العامة، بل في مصلحتها، وأحيانا مصالحها بسيطة جداً، ويمكن التفاوض بشأنها، إلا أن نزعتهم في الهجوم أقوى من نزعتهم في الحوار، وبعد كل مصارعة يخرجون فيها منتصرين، يكونون قد هشموا كاتباً أو مشروعاً ثقافياً أو فناناً، وزادوا من عزلة البلد ثقافياً.
تشرع أي عشيرة إلكترونية في معاركها بمجرد أن تشعر بأن المستهدف يضمر لها التجاهل، لا تميل إلى نقاش ثقافي، ولا تلتمس فهماً أو تأويلاً، فكل من لا يرد على رسائلها على الخاص، أو لا يبادر إلى إعجاب بصفحاتها أو منشوراتها، فهو عدو محتمل، فتسارع إلى تلقين أتباعها كرهاً للمستهدف، كي يلتحقوا بها وتتحول القضية من شأن شخصي، إلى قضية رأي عام، فإن انتصرت سوف تقضي أياماً وهي تكرر أناشيد انتصارها، مثل حكائي الأسواق الشعبية، وإن هزمت ـ وذلك ما يحصل نادراً ـ أسرفت في استجداء عطف عشائر أخرى تشبهها، من أجل أن تتشارك معها في حملة أخرى. إذا كان من الصعب تشييد حقل ثقافي في الجزائر، فقد علمتنا التجربة أنه من السهل هدمه وردمه، ثم المرور على جثته كما لو أنه لم يكن.
بات تاريخ الثقافة الجزائرية تاريخ قرع أوانٍ فارغة، ثم نزاعات مملحة بالعشائرية الإلكترونية، حيث الأنانية تغلب التسامح. أنانية مضمرة تسكن نواطير النوايا، بدون أن يقروا بها. لكن تعقيم هذا التاريخ يحتاج أيضاً إلى حرب مضادة، يلتزم فيها المثقف بدوره كجندي لا متطوعا، أن يصرف من وقته وجهده قصد خلخلة هذا الوضع المتأزم، أن يُجاهر بحقه في الاختلاف، ولا يتراجع عن موقعه، أن يتحمل الضغط من أجل غيره، ولا ينصرف إلى وحدته، أن يفهم أن تأسيس فعل ثقافي مستنير يستلزم وقوداً، وليس انتظاراً أو تبادل تهم بأن الحال ميؤوس منه.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية