«قصائد العمى» مجموعة الشاعرة التونسية لمياء المقدم: يوميات امرأة عاملة تبحث عن مكان داخل القصيدة

صابر رشدي
حجم الخط
1

أميل أحياناً إلى قراءة تلك الأعمال التي تعتمد على الكتابة السيرذاتية، عبر الأنواع الأدبية، المشفوعة بنبرة صدق مع النفس، عن طريق الاستبطان، والتأملات، والتغاضي عن العالم الخارجي، الذي لا يأتي التفاعل مع أحداثه سوى على نحو عارض، غير مؤثر. نصوص تفضل تجاهل كل الأشياء المحيطة بها، وتأبى أن تكون انعكاساً مستلباً لما يجري حولها، في محاولة للنجاة من آثاره، وتداعياته.
قد تكون هناك ثمة نرجسية ما، نتيجة الانشغال الكلي بهذه الذات، والغوص في أعماقها، لاستنطاقها واكتشاف علاقتها بنفسها، وبالأشياء، بواسطة الفن الذي يضفي على العمل بعداً جمالياً، ويفسح له مكاناً في عالم الأدب الذي يتيح جلب كل الأشياء إلى هذا الفضاء الساحر، وتحويلها إلى كلمات.
هكذا تفعل الشاعرة التونسية لمياء المقدم في ديوانها «قصائد العمى». إنها تستغل أفضل ما أتاحته قصيدة النثر لفن الشعر، حيث تنطلق عبر تقنية السرد، لتكتب نفسها كامرأة عاملة، وربة أسرة، وأُمّ، يُهدر جزء كبير من وقتها في العمل، وفي المطبخ، وفي تنظيف المنزل، وغسيل الملابس وفيها. لكنها كمبدعة تلتقط ما تبقى من يومها في نظم الشعر، وتحاول أن تخلق حديثاً صريحاً مع لمياء الإنسانة، عبر مونولوغ طويل، دفقات شعرية، في نفس واحد، تتخللها وقفات قصيرة، لاستعادة الانطلاق مجدداً، بالوتيرة نفسها، في تجربة جمالية، تستعيد فيها عالمها غير المنظم من فوضاه، مستغرقة في تأمل مجرى الزمن، وتأثيره في الحالات الشعورية، وعلى الذاكرة الشخصية التي تدفعها إلى الكتابة:
«طوال حياتي عانيت من تقلب الهرمونات، فلا تنتبهوا لما سأقول. قد أقول نقيضه بعد عشر ثوان بالضبط. في قرون ليست بعيدة كانوا يتهمون النساء بالجنون والشعوذة. في رأيي معهم حق. من يصدق امرأة تهزها الهرمونات ليل نهار؟ وهؤلاء المنادون بتمكين المرأة ومنحها مناصب قيادية، هل جننتم؟ كيف تمنحون رقابكم لقنبلة؟ امنحوني منصباً وسترون، أقسم لكم سأحولكم جميعاً إلى خدم وخنازير. مؤكد ستكون هناك أيام للصفو والضحك، وقد يصل الأمر إلى الزواج بواحد منكم وإنجاب أطفال».
هذا صوت أنثوي بامتياز. امرأة تبرر تناقضاتها، وتهديداتها الفانتازية، التي تتراوح بين السخرية والرغبة في السيطرة، تحيلها إلى اضطراب الهرمونات، إعلان صريح عن تقلب المزاج، وعدم الاستقرار العاطفي، محاولة تسلط، ظاهرياً، مشفوعة بالحب والإنجاب. تبادل لا شعوري بين العاطفة والتظاهر بالقوة.
تصرّ الشاعرة على كتابة نفسها، لا تنوب عن غيرها من النساء، ولا تتقنع بملامح امرأة أخرى، هكذا هي الثقافة الغربية، التي تعيش في كنفها كمهاجرة عربية في إحدى دول أوروبا، مكتسبة بعض سماتها، وتقاليدها الأدبية. إنها تبوح بأسرارها، تكشف عن ذات مرهقة، اكتسبت عادة الصدق وعدم المناورة، ولا تضع الحقائق في ركن ناءٍ، بعيداً عن الأنظار. بعيداً عن التداول. فلنتابع معها الفقرة التالية:
«كنت صغيرة عندما أخذ أحدهم يدي وأدخلها في بنطاله
لم تعد تلك اليد أبداً
زرعت الأشجار ولم أستعدها
كتبت الشعر ولم أستعدها
لم أجدها حتى وأنا أمسح دموع الفقد
اليوم عثرت عليها
رفعت يدي ولوحت للوجه الصغير الملتصق بزجاج باص المدرسة وهو يبتعد.
من خلال الضباب والمطر
وجدت يدي حية تتنفس
صغيرة كما تركتها».
إنها تعلن عن انتهاك البراءة والطفولة منذ لحظة مبكرة، وكأنها تثأر من لحظة انكسار أساسية في حياتها، فاليد التي هي رمز للثقة، أداة اتصال بالعالم. «لم تعد تلك اليد أبداً»، كأنما صارت إلى قطيعة مع ما سبق من أيام الطفولة. لكنها، عبر الترميم النفسي، والتظاهر بالنسيان، تحاول أن تلوّح لوجه صغير في الباص، ربما وجهها، كي تستعيد اليد وظيفتها من خلال التعاطف مع الطفولة، بدموع الفقد، وعبر الضباب والمطر بحمولتهما المزدوجة: الغموض، والشفاء.
تستمر على تلك الخطى، المفرطة في الذاتية، تعبر عن نفسها، بتصميم وعناد، لا يهمها أن تصنع نصاً جميلاً عن عالم غير عالمها، لكنها ترغب في أن تقف أمام مرآة تحادث تلك الأنثى الماثلة أمامها، تشكو، تتألم، تضحك، تسخر. تخرج كل أسرارها المخبوءة من الأعماق، دون أن تخشى هتك هذه الأسرار. هل هو افتقاد مرير للأمان؟ عدم ثقة بالآخرين؟ ربما!
تقول بأسلوبها الخاص في نسج المقاطع الممتدة، ذات الإيقاع النثري الخالي من التقطيع، بما يلائم شاعرة لا تجد الوقت لتهدره في وقفات طويلة:
«أنظف الثلاجة ثم أجلس لأكتب كم سطراً في قصيدتي، في هذه الأثناء أسمع صفير الغسالة، فأترك النص وأذهب لأخرج الملابس المغسولة وأضعها في المجفف، أعود للقصيدة أقرؤها، أعدل كلمات هنا وهناك وأفصل بين سطرين بنجمة، ثم أدخل الحمام وآخذ الهاتف معي، هناك أضيف جملة بدت لي في غاية الجمال. أخرج للتبضع وفي الطريق إلى السوبرماركت أعدل عن الجملة التي كتبتها في الحمام، لأنها تبدو ركيكة تحت الشمس. أتساءل أمام الرفوف: ماذا سنأكل الليلة؟ أمسك الرز ثم أعيده إلى مكانه، لا حاجة لطبخة معقدة هذا المساء. القصيدة تتعثر في منتصفها لكن الثلاجة مليئة بالأكل وأرضية المطبخ تلمع. هذا يوم ناجح أقول في نفسي، وأصحح الهمزة في (أقرأ)».
لو قلت للشاعرة صفي لنا يومك، على أي نحو تقضينه، مع ترتيب منهجي للأولويات؛ فلن نجد خيراً من هذه الإجابة الشعرية، التي لخَّصت ببساطة يوميات امرأة عاملة تبحث لها عن مكان داخل القصيدة العربية المعاصرة. إنه نص مِيتَا إبداعي، يكشف كيف ينتج الشعر، ويعلن أن التشتت ليس عائقاً إبداعياً، بل جاء ملهِماً، ومفجِّراً للكتابة. فالعمل اليومي ليس نشاطاً منعزلاً، فمن الممكن اكتشاف الفعل الإبداعي وسط مهام الحياة اليومية. واللافت للنظر أن الشاعرة لا يعنيها إنجاز القصيدة بسرعة، وليس لديها الهوس بالكمال، فهي نتاج عمل متقطع، لا خطّي، يأتي كمتنفس يتخلل إيقاع عالمها، يضفي حالة من الرضا والتوازن بين ضرورة العمل، والتطلع إلى سحر الكلمة. في محاولة للأنا المتوازنة كي تحقق الأمان المادي والمعنوي.
مع تواصل القراءة في هذا العمل بدت ترن في أذني كلمات الناقدة الفرنسية العظيمة سوزان برنار التي أولت الإيقاع الداخلي أهمية كبرى، تلك الكلمات التي تصف بها مواطنها الشاعر الكبير شارل بودلير بأنه خالق شعر حديث ومدني، غني بالإحساسات الجديدة الغريبة، حيث يتحد فيها المخيف مع المضحك، والحنان مع الحقد أيضاً، والنثر الذي يعانق اضطرابات الكائن الداخلي بصدق أكبر، فهو أكثر أهمية من الشعر لأنه ينقل إلينا جميع تعقيدات القلب والضمير الحديث.
هذا الخليط هو ما تنضح به نبرة هذا الديوان، فالشاعرة تنطلق متحررة من قيود شكلية، تكبل القول، وتعوق جريان القصيدة، فهي لا تضع تأملاتها في قوالب جاهزة، ولا تقمع مشاعرها الحقيقية، أو تخدع نفسها بوهم القدرة المطلقة في اختراع قصيدة مثالية، يرضى عنها الجميع:
«للذين يشغلونني أقول: لا تطردوني من العمل أرجوكم، لم أخن ميثاق المهنة، أو مبدأ السرية، هذه نصوص متخيّلة مثلها مثل العمى، هل تجدونني عمياء؟ أنا أرى بكامل عيني، ومنذ قليل طلعت إلى السوبرماركت وملأت كيساً بالبضائع الفاخرة. اليوم هو الواحد والعشرون من يونيو العام ألفان وواحد وعشرون. ارجعوا إلى ملفاتكم لا مكالمات ولا سرقات ولا أي شيء من هذا الهراء. المرأة، أي امرأة، يمكن أن تحول إلى قطعة مطاط يحملها البحر. الحرب تملأ الدنيا في بورما، والسودان واليمن.. الماسكارا لا يفرق عن أحمر الشفاه، الترجمة عمل رائع، رائع.. أستمتع به أيَّما استمتاع. شكراً لكم… شكراً لكم»…
تبدو في هذه المرة، وكأنها بصدد خطاب دفاعي، أمام سلطة ما، متخيلة غالباً. مونولوغ داخلي في مواجهة جهات غير محددة، أسلوب متشظٍّ، يجمع بين الواقعي والمتخيل، متقافزاً بين السرد والوصف والانفعال، مفصحاً عن مسحة من الاغتراب والشك، والوجود تحت المراقبة اللامرئية، بما يعطي انطباعاً بانعدام السيطرة على المصير. وللمرة الأولى يختلط الشخصي بالسياسي من خلال المرور السريع على الحروب الدائرة في بورما والسودان واليمن، حتى لو تمّ دمج كل ذلك بتفصيلة جمالية عن الماسكارا وأحمر الشفاه، في مفارقة قوية تجمع بين الكارثي والترفيهي. كأنها تحاول الصمود أمام عبثية هذا العالم، خاصة وهي تكرر الشكر في نهاية المقطع على نحو ساخر.
العمى هنا، الذي اتخذ عنواناً للديوان، يبدو وكأنه رمز للهروب من رؤية الحقيقة، والخوف من رؤية ما لا يطاق. نوع من التضليل، والتشويه المتعمد لما هو مرئي، وشديد الوضوح؛ إنه إقصاء للوعي، ومحاولة إبعاد عن الدرب، في الحقيقة هو الحاجة إلى الرفيق، المرشد، الدليل، نقص حاسة رئيسة، لا يمكن المضي في هذا العالم بدون يد أخرى تتساند عليها. وربما كان اختراعاً لإيهام الذات بعجز لا تملكه. عمى ملفق ومختلق مثير للتناقضات: «هل تجدونني عمياء؟ أنا أرى بكامل عيني».
في نهايات الديوان المتعددة – له أكثر من خاتمة – تبدو وكأنها لا تريد لهذه الحالة ألمزاجية أن تنتهي، تتلكأ في وضع السطور الأخيرة بيد، بينما الأخرى تحاول تعطيل الكلام. فالبوح الذاتي هو خلاص ذكي من الآلام، تبخر لشحنات الطاقة السلبية والأفكار السوداء، تعقبه راحة لا مثيل لها، خاصة إذا ما أسفرت هذه الأفكار عن كتاب، مسكون بلمسات السحر والإبداع.
إليكم بعضاً مما ورد في القفلة الأولى:
«كتب هذا الكتاب في انتظار عودة من نحبهم. ولا بد أن كتباً كثيرة قبله كتبت لنفس السبب. هل يصير الانتظار كتاباً؟ هل يرفع هذا من شأن الكتب أم يحطه؟ هل تكتب الكتب لقتل الوقت… لو جمعنا أزمنة الكلمات والأحرف والنقاط في هذا الكتاب لوجدنا أنه ولد كاملاً في شهرين فقط وسيعيش ناقصاً إلى الأبد».
إنها توجه كلماتها إلى قارئ محتمل، وتجعله شريكاً في التساؤلات المفتوحة التي لا تجد إجابات نهائية، بما يعزز من فكرة النقص الأبدي، وعلامات الغياب. اللذين ينبعان من هوية النص.
ثم تعود مجددًا، في القفلة النهائية لنردد معها بعض المقتطفات:
«عثر على هذا الكتاب في حاوية قمامة يعتقد أنها لشاعر متقاعد».
«وأياً كانت القصة وراء هذا الكتاب، فهو كما يبدو محاولة من أحدهم لقول شيء بدا له مهماً في هذه اللحظة.»
«الكتاب أكبر من كاتبه والشاعر أكبر من شعره. الحديث عن موت الكاتب واستمرار الكتب حديث مغلوط. إذا مات الكاتب مات كل شيء».
ثمة شعور بالخسارة، وموقف نقدي من المقولات الثقافية الكبرى، عن الخلود الأدبي، وعلى أن الإبداع، هو على نحو ما، استمرار للحياة. عبر نظرات واقعية حد القسوة، ترى استحالة المجد الشعري، وترفض تماماً مبدأ الاستمرار الرمزي، من خلال التصالح البراغماتي مع فكرة محدودية الأثر.
لمياء المقدم: «قصائد العمى»
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
64  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية