تهدمت المدينة القديمة وسط الموصل، ودُفِنت تحت أنقاضها مئات القصص المؤلمة التي تحكي مآسي من كَتَبَ له القدر أن يكون هناك خلال معارك استعادتها من تنظيم “الدولة”. ولمعرفة معاناة سكانها في تلك الأيام، التقت “القدس العربي” بعدد ممن نجوا من جحيم تلك المعارك للاستماع لمشاهداتهم، فقصّ كلٌّ منهم حكايته المؤلمة، وكانت كلُّ واحدة تصلح أن تكون تراجيديا لتصوير أهوال الحروب ومآسيها.
تواصلنا مع أخيها الأكبر لإقناعها بالحديث عن بعض تفاصيل أيامها في القديمة لنقل قصة من الجانب الآخر، رفضت في البداية، ثم وافقت بعد عدة محاولات، مشترطةً إعطاء أسماء مستعارة خشية من أي ملاحقات حكومية. جلسنا معها بحضور أخيها، فبدأت كلامها بالدموع، وأنهته بالدموع.
“بعد أن هدأ هديرُ الطائرات، وسكنَ ضجيج الحرب، وأوشكت شمس المدينة القديمة على المغيب، خرجت من سرداب المنزل لأتأكد إن كان البيت الذي نسكن فيه سالماً بعد كل القصف الذي حصل، فتحتُ الباب الخارجي، كان الهواء ملوثاً بغبار وبارود المعركة، ورائحة الموت تأتي من كل مكان، وهدوء مخيف منتشر بين البيوت المتهالكة. أخرجت رأسي من الباب الخارجي ونظرت يمينا وشمالا، فأبصرت قِطَّة راكضة في الزقاق كسرت حظر التجول، يبدو أن الجوع والعطش أخرجاها من مخبأها، شعرت حينها بأن الحياة تتحرك، وأن للأمل ثمة بصيص، ولا بد من صراع وصبر من أجل البقاء.
رجعتُ إلى السرداب بهدوء، وكان معي فيه: والدة زوجي وزَوْجَة أَخَو زوجِي وثلاثة أطفال جالسين بسكينة، وكأنّ الشيب قد غزا شعورهم لما اعتلاها من غبار، وكانت شفاههم بيضاء من العطش، فقلت لهم: سأذهب للنهر لأجلب ماء للشرب، فقالت عمتي الشمس أوشكت على المغيب، وهناك خطر كبير عليك، اتركي الأمر، سنتحمل للصباح، فقلت لها: لا شك أن المعركة ستبدأ عند الصباح أيضا، سأذهب الآن، فقامت وقبلتني من رأسي، وقالت لي: أنتِ في حل، ورأيت الدموع تسيل على وجنتيها. تمالكت نفسي، واحتضنت طفلَي وقلت لعمتي: هم أمانة في رقبتك إن حصل أي شيء. انطلقت وأنا أردد آية الكرسي وشيء من أدعيةٍ أحفظها.
بينما أنا أمشي، كنت أسمع صدى قرقعة وضجيج تكسُّر بقايا ما ألقاه عصف القصف في الطرقات، وكأنه موتٌ يكلّمك قائلا أنا قادم. ابتعدت ثلاثة أزقة عن البيت فرأيت ثلاثة مقاتلين من تنظيم “الدولة” حاملين بنادق رشاشة ويلتحفون أحزمة ناسفة، وكانوا يركضون في اتجاه تواجد القوات العراقية، فأسرعت خطاي بعيدا عنهم خشية أن تستهدفهم الطائرة. كان الليل بدأ يُرخي سدوله، والخوف ينتشر وسط الطرقات المظلمة، وصلت النهر، وبدأت أملأ وعائي بيدي المرتجفتين، فسمعت بكاء طفل يقترب من النهر، تسمّرتُ في مكاني، وأصابتني قشعريرة، وتخيلته صوت ابني الحارث، فلما اقترب الصوت، وإذا بأمٍّ وطفلها [ثلاث سنوات] قد أتت لنفس الغرض، كان الطفل يبكي من الجوع، فتبادلنا أطراف الحديث سريعا، وقلت لها: لماذا لا تخرجين، فقالت زوجي يمنعني، ويقول: كيف نُحِلُّ لأنفسنا ما نمنعه على الناس، وأقولُ له دائما: وما ذنب طفلي ليموت على ما لا يُدرُكُهُ، فيقول: له ربٌّ لا ينساه، فقلتُ لها: كأنك تتحدثين عن زوجي كلّما حاورته في موضوع الخروج [وكانت الاثنتان زوجتان لعناصر من تنظيم الدولة يرفضون إخراج ذويهم إلى أرض الكفر حسب تعبيرهم].
ودّعتها سريعا، ثم حملت الماء وحثثتُ خطاي لأصل قبل أن يُخيّم الظلام تماما، مشيت ثم مشيت، وإذا بي تائهة في أزقّة المدينة القديمة وشوارعها المتشابكة، شعرتُ حينها بضياع كبير، وغربة موحشة، وبدأت صور أولادي تمر أمام عيني، تمنيت حينها لو أني كنت نسياً منسياً، ركضت بهذا الاتجاه فلم أعرف من البيوت السوداء الموحشة شيئا، ثم رجعت باتجاه آخر، فلم أجد غير المنظر نفسه، كان قلبي يدق سريعا، ولم أعد أرى جيدا بفعل الظلام ماذا أفعل يا ربي؟ كان صوت المسيرات الأمريكية يزيد الخوف قررت سريعا أن أدخل أحد البيوت حتى يجيء الصباح، جلست في المدخل، إذ لم أجرؤ على الدخول، فلما شقّ الفجر، خرجت ومشيت قليلا، وإذا بي على بعد مسافة قصيرة من بيتنا المؤقت، دخلت فشهق الجميع وكبّروا، بعد أن ظنوا أنهم فقدوني إلى الأبد، ثم هجم الأطفال على الماء الذي لم يدخل أجوافهم ليومين في ذلك الحرّ اللاهب، فشربوا حتى امتلأت بطونهم.
دخل علينا ظهرا أحد إخوة زوجي، وقال بعد أن جلس قليلا: يا أمّاه، أنت تعلمين ما هي نهاية الطريق الذي سلكناه، اصبري واحتسبي، فقاطعته بالقول: من قُتِل من إخوتك؟ فقال: لقد قُتِل عبد الرحمن، فصرخت عمتي وضربت بيديها على خدّها، ثم صرختُ سائلةً إيّاه: ماذا عن إدريس [زوجي]؟!، فأجاب: لا أعرف عنه شيء منذ أسبوع، فقلت له سنخرج إذا، ما ذنب الأطفال في وسط هذا الجحيم؟ فقال: على جثتي، لم يصدر أي أمر بهذا الخصوص، ومصيرنا من مصير مئات العوائل هنا، فقلت له: سأخرج غدا رغما عنك وعن دولتك، لن أترك أولادي ليموتوا هنا، فعلت الأصوات بيني وبينه. قام وقبّل رأس أمه، وقال لها: موعدنا جنّةٌ عرضها السماوات والأرض، فبكت واحتضنته، وقالت له: أريد أحمد فقط [ابنها الأصغر] فقال: سأخبره أن يأتي إليك، وأنت أقنعيه بما تشائين.
جاء الليل، وكان عشاؤنا حنطة مطبوخة، أكلتُها على مضض، ليدُرّ صدري لبنا لبنتي الرضيعة. ثم حاولنا أن ننام في ذلك المكان المشؤوم، كنت أنام في زاوية السرداب، وأولادي بجانبي، وعمتي والبنات والأطفال منتشرون في الغرفة، نمت سريعا ثم استيقظت على ضربة قوية في بطني، كان الظلام دامسا، والنفس صعبا، ورائحة الغبار والبارود تزكم الأنوف، تلمّست أطفالي، فلم ألمس غير الحجارة، صرت أصرخ: حارث.. رحمة.. عمتي.. شيماء…، فلم يُجب أحد، بدأت أزيح الحجارة من فوق أطفالي، كانت الدماء تغطي رحمة التي وصلتُها أولا، هززتها بقوة وأنا أصرخ: رحمة، لكنها لم تتحرّك، وضعتها جانبا، ثم أخرجتُ الحارث، لقد كان جسمه مهشما. لم أعد أعرف ماذا أفعل، صرخت بشدة، أنقذوني يا أهل الرحمة، أطفالي ماتوا، كنت أبكي بهستيريا وسط ذلك الظلام الدامس، ثم سمعت صوت رجل يقول: هل أنتم بخير، أنا هنا، أنا قادم. دخل بصعوبة من كثرة الحجارة المتراكمة، ثم أشعل ضوءا من مصباح يدوي، وبدأ يتفقد الموجودين، لكنهم كانوا تحت أكوام من الحجارة، لأن السرداب كان قد انهار من جهتهم، حتى دفنوا تحت الحجارة، لقد صرت مجنونة، وكنت على وشك أن أفقد وعي من الصراخ والألم والبحث المستمر. حاول ذلك الرجل أخذي إلى بيته وعائلته، وقال سنأتي صباحا، قلت: لن أذهب، أطفالي، قال وهو يبكي: لقد ماتوا، ماذا نفعل؟ ما عُدنا نملك غير البكاء يا ابنتي، قررت البقاء واحتضنت جثث أطفالي وأنا أصرخ: لماذا لم تأخذ روحي أيضا يا رب؟ قال الرجل: استغفري الله، ثم أخذني بالقوة إلى بيته.
أصبح الصباح، فقال الرجل: سأذهب وأدفن الأطفال، فتوسلت أن آتي معه، لكنه رفض، ثم رجع بعد ساعتين وقال دفنتهم في حديقة البيت نفسه، لعل الله يكتب أن تعودي وتنقلي جثثهم. بقيت مع تلك العائلة الغريبة ثلاثة أيام، ولا أدري هل كنت حية أم ميتة.
وصلت القوات العراقية إلينا فخرجنا، ثم جئت إلى بيت أهلي هنا حيث أكلمك” سألتُها: ماذا عن الجثث؟ قالت: “لقد ذهبتُ مع أخوَي وأرشدتهم إلى مكان الجثث، فأخرجاها ودفناها في مقبرة العشيرة، وأنا أزورهما دائما”.
كانت هذه قصة حكتها (أسرار 27 عاما) لـ”القدس العربي” بعد أن التقينا بها في بيت أهلها في حي الوحدة أيسر الموصل. (أسرار) هي زوجة مقاتل من تنظيم “الدولة” قالت إن زوجها بايع التنظيم نهاية العام 2014 ولم تكن له قبل 2014 أي توجهات دينية. كما لم تسمع عنه أي أخبار بعد أن فارقته في الموصل القديمة.