لن تعرف قطر من خلال قناة «الجزيرة»، فهي قناة عالمية، تماماً كما لن تعرف مصر من خلال «القاهرة الإخبارية»، لأنه أريد لها أن تكون «الجزيرة»، وعلى المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح!
فقطر تُعرف من إعلامها الداخلي، صحافة وتلفزيون، والصحف ليست في أحسن الأحوال، أما تلفزيون قطر فيشهد في الآونة الأخيرة تطويراً مهماً، لن تشعر معه بالملل إذا استغرقت في متابعته، وكنت قديماً لا أشاهد من خلاله إلا مسابقة القرآن الكريم في شهر رمضان، فأنا أحد «السميعة القدماء»، وهي تتميز عن غيرها من المسابقات القرآنية بوجود فريقين للتحكيم، أحدهما متخصص في التلاوة وأحكامها ويقوده الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، شيخ عموم المقارئ المصرية سابقاً، والفريق الآخر يختص بفن المقامات، ويقوده الشيخ بهلول أبو عرقوب، ولك أن تعرف أن الأول ضد فكرة تطويع التلاوة للمقامات الموسيقية!
وأنا من الذين يقولون إن التجويد المصري جاء ابتداء، ثم جاءت المقامات لتكيف نفسها عليه؛ فحتى الشيخ مصطفى إسماعيل، الذي يعتبر مقياسا للقراءة بالمقامات لم يدرسها، والأمر نفسه ينطبق على الإنشاد الديني. وكان الموسيقار محمد عبد الوهاب يبدو كما لو أنه نذر حياته لإقناع كبار القراء بدراسة المقامات الموسيقية، وقد ظلت لجنة الإذاعة المصرية ترفض اعتماد الشيخ محمود الطبلاوي لتسع سنوات متصلة، لأن في تشكيلها من كان يصر على تعلمه المقامات وهو يرفض، كما رفض دعوة عبد الوهاب لذلك، ولا أرى هذا ضرورياً، ربما لأنني منحاز لتلاوة الشيخ، الذي كان يقول لو تعلم المقامات فلن يكون الطبلاوي!
ولدينا مثال حي على ذلك، فعمدة الإنشاد الديني في مصر هو الشيخ ياسين التهامي، ومن بين أبنائه من درس المقامات، وحصل على الشهادات، لكن كل هذا لم يؤهله ليكون في درجة الاتقان الفطري لأبيه، رغم الاحتفاء الإعلامي الكبير بالابن!
بين أم غويلينة.. وأمنا الغولة
ما علينا، فقد بدأت مؤخراً استشعر الحرج، لانغماسي في الشأن المصري وتفاصيلها، وكأني لم أغادر المحروسة، وأنني لا أعرف الكثير من التفاصيل القطرية، لدرجة أن زميلاً زار الدوحة، واندفع يسألني عن سبب التسمية لعدد من الشوارع والمناطق، فلم يجد عندي إجابة، وتذكرت أنه بداية قدومي لقطر راعني أن منطقة تسمى «أم غويلينة»، فذكرني هذا بالمسمى القديم لنا في طفولتنا في الصعيد «أمنا الغولة»، التي كانوا يخيفوننا بها حتى ننام، فهي تخطف الأطفال، وسمعنا عنها قصصاً وأساطير، وهناك من قالوا إنهم رأوها رأي العين، وقد نزلت من الجبل إلى الحضر، فكتبت أصف مذيعة معروفة بإزعاجها، وإثارة الضوضاء عبر الشاشة، بأنها «أم غلويلينة»، فلما بحثت بعد ذلك اكتشفت أن «أم غويلينة» شجرة طيبة الرائحة، فكتبت أعتذر عن ذلك.. أهذه شجرة طيبة الرائحة؟!
وها أنا ذا بعد أكثر من عشر سنوات، أعجز عن الإجابة على الأسئلة البسيطة، بدلاً من أن أكون مرشداً سياحياً للزائرين للدوحة، إذن فلا بد من تلفزيون قطر وفي عهده الجديد، لا تنقصه الجاذبية، أو الأصوات الرصينة لمذيعيه ومذيعاته، ووددت أن يقدم قطر للمقيمين والوافدين، في معلومات قصيرة تجمع بين موسيقية الكلمة، وجودة التقديم، وجمال الصورة!
وأشعر بعدم الرضا عن النفس، لأنني عندما زرت لندن، لعشرة أيام في عام 2009، عدت من هناك وكتبت مشاهداتي في كتاب حمل عنوان «لا أحد يكح في لندن»، لم أجد له ناشراً، لعلي لم أبحث عن ناشر، وعندما التقيت بناشر مصري في معرض الدوحة للكتاب العام الماضي، وهو رجل من أهل السياسة بالأساس، وبينما نتجاذب أطراف الحديث، سألني إن كان لدي مشروعات كتب، وأبدى استعداده للنشر لي، فحدثته عن تجربة سابقة مع ناشر آخر، كان عندي مشروع خارج السياسة، لكنه أخبرني أن اسمي وحده كفيل بإغلاق المكتبة، فأشعرني بأنني «خُط الصعيد»!
بيد أن صاحبنا الناشر السياسي تحمس للنشر لي، وهون مما قيل، وربما اعتبره ادعاء للبطولة من جانبي، وأعطيته «لا أحد يكح في لندن» وهو يندرج في التصنيف ضمن أدب الرحلات، ولا كلمة فيه في السياسة، وبينما هو هناك يلح على المشروعات الأخرى، وأنا أنتظر حتى يمر هذا بسلام، وقد أعده للطبع بالفعل، تنسيقا وغلافا ونحو ذلك، ووعدني بالحصول على رقم الإيداع خلال يومين، وهذا اجراء بسيط في الحالات العادية. ثم فص ملح وذاب، وتوقف السؤال عن مشروعات الكتب الأخرى!
وقد صبرت صبر أيوب، وأنا أنتظر قدومه لمعرض الدوحة للكتاب هذا العام لكي أسأله عن ما جرى، فلما أيقنت أن يكون قد وصل، اتصلت به، ليخبرني أن التأشيرة لم تصدر له رغم أنه استوفى كافة الشروط، فطفى على سطح الذاكرة المثل الشهير: «قليل الحظ يجد العظم في الكرشة»!
وتم اخماد التمرد بسلام
أيضاً ما علينا، فعندما علمت إحدى بناتي أن تسعة أيام في لندن أنتجت كتاباً سألتني مستنكرة: فماذا لو أقمت عاماً هناك؟ قلت: كنت ألفت مجلداً. ولا دهشة في هذا الاستنكار، فقد ربيت بناتي على أمرين؛ الأول هو الابتعاد عن السياسة وكل ما يقرب لها من قول أو عمل، وكأني بعمر بن الخطاب عندما جاء من يقترح عليه توريث الحكم فقال: «كفى آل الخطاب أن يُسأل منهم رجل واحد». وفي حالتي «يكفي من الدست مغرفة»، وأن يدفع واحد من العائلة ثمن اشتغاله بالسياسة لعنها الله!
أما الأمر الثاني فهو التربية الديمقراطية، ومن هنا لا ضرر من صيغة الاستنكار في السؤال السابق، وعقب الثورة وكانت المظاهرات الفئوية تملأ الشوارع، من موظفين يطالبون برفع الأجور، وآخرين يطالبون بالترقية، أو التعيين، وذات مساء دخلت المنزل ووجدت حركة تمرد فمن لا تقف على مقعد تقف على منضدة، والمطالبة برفع «المصروف»، أما أمهم فقد تخيلتها الأخ العقيد معمر القذافي، وهي ترفض الرضوخ للتمرد، وكانت أمامي تجربة مبارك التي انتهت به للسجن، فاخترت خيار بن علي: فهمتكم.. فهمتكم، وتم اخماد التمرد بسلام!
وفي هذه الأجواء العصيبة كان سؤال فماذا لو مكثت عاماً في لندن؟، لكن ها أنا أعيش في الدوحة لأكثر من عشر سنوات، وحصيلتي المعرفية لا تكفي لكتابة مقال، فكان علي أن أضيف إلى تلفزيون قطر لمشاهدتي اليومية، وحدث قبل ساعات من كتابة هذه السطور أن أدركت أن هذه العزلة الشعورية تضع أحيانا المرء في مواقع ليست جيدة!
مع افتتاح معرض الدوحة للكتاب للجمهور بعد منتصف ظهر الخميس، كنت ولفيفا من الأساتذة نتحدث مع ناشر سوري صدر من الدار التي يملكها كتاب زميلنا «أحمد سعد حمد الله»؛ «قطر وحرب المونديال»، عندما رأينا أحد القطريين في جولة في المعرض يصافح الناشرين ويتحدث معهم، ومعه بضعة أفراد، وجاء ليسأل الناشر عن الحال والأحوال إن كان تعرض لأي مشكلة مع إدارة المعرض، أو منعوا لداره كتاباً، ويعاود سؤال المنع من جديد، وقبل هذا كان أحد المرافقين قد أشار اليه بأنه وزير الثقافة.
إن رئيس هيئة الكتاب في بلادنا وليس وزير الثقافة يمكن أن يقوم بهذه الجولة وسط جماهير غفيرة من الحاشي، حيث يتبارون في افساح الطريق، وتتعالى أصواتهم معلنة عن موكبه الميمون، ولفتته الإنسانية، ولكانت أمامه مئة كاميرا، ومئة صحافي من الذين يغطون أخبار الهيئة، وليس هذا التحرك المتواضع للوزير رأساً.. أين الكاميرات، أين التلفزيون، أين الصحافيون، أين الحاشية؟!
ولم أعرف الرجل، قبل التعريف به، ومن قدمه اكتفى بالمنصب بالإشارة للوظيفة: «وزير الثقافة»، ولم يقل حتى «الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة». وهذا مسؤول يقع اختصاصه ضمن مجالنا، وليس وزير البيئة، أو الصناعة، مثلاً!
شعرت بالخجل بيني وبين نفسي، أما تواضع الرجل فيبدو أنها صفة غالبة، وحدث مع أحد الأصدقاء أن وجد زحاماً، فتصرف على أنه في شارع فيصل في الجيزة، وقفز على الرصيف ليخرج من الناحية الأخرى، فلما استقر به المطاف حيث يريد، وجد من يطلبه من بعيد، وبإشارة هادئة، فلم يكن جيداً أن تكون النصيحة على الملأ وأسرته معه، وحدثه عن أنه ارتكب خطأ، وأنه خشي وهو يراه يقفز على الرصيف من تعرض أولاده للضرر من جراء هذه المغامرة، فلما ذهب للراسخين في العلم ببيانات سيارته وتفاصيل ملامحه، قالوا له إنه «أخو الأمير»!
لا بد أن نعرف قطر من تلفزيونها الرسمي.
صحافي من مصر