في موضوع معقّد مثل الحرب السورية التي جاءت بعد الثورة السورية بقليل، وتخلّلتها كما فيروس يلتحم بها ليقضي عليها؛ صعُبَ ويصعُب على الروائيين السوريين الذين أدخلوا أنفسهم في الحديث عن حرب واضحةٍ غامضةٍ مثل تلك الحرب التي لا تستطيع تعريف نفسها، إلا أن يكونوها، لكونها تتلبّسهم، وتحدّدُ مآل رواياتهم على الدرجات المتعددة التي هم فيها، زماناً ومكاناً ومعتقدات ومواقف وقدراتٍ، فتُسقط بعضَها بالمباشرة، أو المخاتلة أو الضياع فيما لا تعلم. وبالأخص في الموضوع الذي يضم تنظيماً معقّداً مثل «داعش» الذي يقاتل بضراوةِ معتقداته المتحجّرة نظامَ الاستبداد باستبداد أشدّ، ويشاركه في احتياجه إلى خلق طرف نقيض موارب من أجل بقائه، كشركة عابرة للقارات، تؤجر خدماتها إلى الشيطان نفسه في موضوع بقائها، أمام انكشاف أوهامها بنور العلم.
وبطبيعة حال الإبداع، تنجو رواياتٌ قليلةٌ يرتقي كُتّابها إلى إنسانية نادرةٍ لا تأتي دون معاناة الألم، حتى لو لم يكونوا في أتون تلك الحرب، مثل رواية الشاعر السوري المغيرة الهويدي «قماش أسود»، التي تتناول ظاهراً وضع ناس مدينة الرقّة وقراها تحت هيمنة «داعش»، وتمتدّ باطناً إلى واقع السوريين في ثورتهم البسيطة بطلب الحرية والكرامة، وحربهم المعقّدة التي تخلّلتها لتقتلها. وهذا بواقعيةٍ مخادعةٍ أشبه ما تكون بالتسجيلية، وإن صعَد واقع مآسي السوريين إلى ما يفوق الخيال، من جهة احتياج الرواية إلى هذا المسلك، لكنّها تقلِب وجهها إلى ما يطمح لتخطّي ما بعد الحداثة، ويصل إلى مفهوم «نهاية الواقع» وتجلياته بصور الواقع الافتراضي، وبتساؤلات يُخرجها الألم صارخةً عن وجودنا إن لم نكن في برنامج يدور على نفسه؟
بتحويرات لا تنفي الألم وإن خالطها الأمل وشجاعة البشر، وتكافلهم في أشد لحظات محقهم، واقتناصاتهم للسعادة بالحب في أعتم بقع الكراهية داخل القلوب؛ في منطقة تقاطعٍ ساحقٍ للنيران، واقعاً هو منطقة الرقة تحت الاحتلالات المتعددة المتلونة بين أسوَد «داعش» وأصفر وأخضر وأحمر «قسد»، وما خلفهما من داعمين؛ وخيالاً يتخطى الواقع في منطقة الكتابة وإبداع الرواية، كما تخبرنا الساردة نسرين، بطلة الرواية في معاناتها لواقع ألمها الذي لا يتوقف: «لكنّ منطقَ خرافات الأطفال السعيدة يقول إن أخاها ظلّ يبحث عنها على الرغم من مرور السنين، ويُنشِد كلما رأى جملَها: «جمل غيدا يا حزين»، واستطاع في النهاية إنقاذها فاستعاد جملُها عافيتَه عندما رآها، أو ربما ظلت سجينةَ المغارة والحكاية، من يدري! ولكنْ، هل نحنُ حكايا مكرّرة؟ أتساءل الآن، وأفكّر أن الحياة ليست أكثر من مجموعةٍ كبيرة من النماذج، تعديلاتٍ طفيفةٍ وندخلُ في النظام لنعيد اجترار حقيقتنا، الزمانُ وحده المتغيّر، يعيد تدويرنا لنصبح أكثر انسجاماً مع النموذج الذي ننتمي إليه، هي هكذا!».
ويقود الهويدي مخادعةَ الواقع هذه، أولاً، بتدوير الرواية على ذاتِها كما لو كانت وكان يدرك ذلك، مِغزلاً كمومياً يزيغ النظر عن أي اتجاه يدور، حيث يتكرّر دوران بطلة الرواية الثانية آسيا بعباءة الأسوَد من منتصف الرواية ليختم نهايتَها ويعيدَ بدايتها في إلغاءٍ للزمن بتكرار وجوده كمتغيّر أوحد، أمام الساردة نسرين: «أكيد، قالت وتناولت إحدى العباءات ورفعتْها عالياً بيننا، ثم نهضتْ وارتدتْها حاجبةً بوقوفها الضوءَ عنّي. مددتُ ساقيّ أريحهما قليلاً من الجلوس متربَّعة أمام الماكينة ورحتُ أرتشف من قهوتي وأنظرُ إليها وهي تُرخي العباءةَ على كتفيها متجاهلةً وجودي، وربّما وجود أيّ شيءٍ آخر عندما أغمضتْ عينيها ورفعتْ رأسها إلى الأعلى وراحتْ تدور ببطء، «لماذا لونُ العباءاتِ أسود»؟ سألتْ وبدا لي أنّها لا تنتظرُ إجابتي، «من اختار هذا اللون للعباءة؟ رجلٌ أم امرأةٌ»؟ عادت وسألتْ ثانيةً، «الأسوَدُ سيد الألوان»، الأسوَدُ سيّد النساء، «الأسوَد لونُ الحزن»، «الأسودُ لونُ حياتنا»، «الأسود سِتر»، «الأسود موت»، «الأسود عزاء»، «الأسود قهر»، الأسود ليلٌ موحشٌ»، «الأسود..» سكتت تفكّر وكان صوتها يتكسّر مع كل جملة تصفُ فيها اللون الأسود، ثم زادتْ وتيرة دورانها. كان منظرها وهي تدور ساحراً وغريباً، تدور ويلتفّ حولَها الأسود، دوائرُ تفتح دوائرَ أخرى، أمواجٌ من سوادٍ تتشكّل وتتكسّر على جسدها، ويتناوب الضوءُ وظلُّ العباءة على وجهي مذهولةً وأنا أراها غارقةً في ذاتها، غائبةً عن كلِّ ما حولَها.»
وفي هذا التدوير المتماهي بالدوران، يضعُ الهويدي مفاتيحَ روايته الأكثر فعاليةً، والممثّلة بالذاكرة والكتابة، فصلاً أولَ، ونهايةً تعودُ إليه بخلق التضاد معه، فيوجز هذا الفصل بـجملةٍ واحدة: آّسيا قالت لي:/ «أفضلُ طريقةٍ للنسيان هي التجاهل، القصص السيّئة لا تُسْرَد»./ آسيا/ آسيا». ويختم روايته بقلْب تصوّر القارئ في هذه الجملة، من خلال فعل «النبش» الذي تقوم به نسرين على الصعيد النفسي، الواقعي، وصعيد كتابة الرواية، بالتضاد مع كلام آسيا، كما لو كانا الحقيقة التي لا تنفصل عن نقيضها: «تسعُ ساعاتٍ؟ خمسٌ؟ ليلةٌ؟ ليلتان؟ عمرٌ من الدعاء المتواصل، من البكاء، من الاستغاثة ولا أحدَ يسمع. تعبتُ من الهذيان… آسيا، القصص السيّئة تُسْردُ، يجبْ أن تُسرد، وإلا ما معنى حياتنا؟ وما معنى موتنا أيضاً».
ويُكمل الهويدي تدويرَه بخلْق اختلاطِ واقعٍ إلى ما يفوق الواقع ألماً وخيالاً، بآسيا التي تدور حول نفسها كما لو كانت المجرّة، ووضع الإهداء: «إلى من نزحوا عن أرض الحكايات السعيدة مجبرين»، في نهاية الرواية ليُكملَ فتحَها إلى بدايتها.
في مخادعة الواقع، ثانياً، وارتقاء الرواية إلى مفهوم نهايته، يقوم الهويدي بخلق المفتاح الأكثر قوة في ربط الروايات التي تفلت غالباً من يدِ كاتبها إن لم تحملْه، وتسير به في منعرجات كهف الرواية، وتخرج به حيث يجب الخروج بعد حصد الكنوز من الكهف الذي أطبق بابه عليها. ويشابكُ الهويدي هذا، بدءاً من العنوان، بقماش العباءة الأسود الذي تدور به آسيا في منتصف الرواية وخاتمتها العائدة إلى بدايتها، مثل حيّةٍ تبتلع ذيلها لتُكمل دائرة اللانهاية. ويدَعم ثيمتَه بفعل «النبش» القوي التأثير في لغة أهل الفرات العائدة إلى حضاراتٍ صانعةٍ للتاريخ، بما يعني عمقَ الالتقاط من جهة الكتابة، حيثُ يتساءل أبناء هذه المنطقة بالدهشة إن جاء أحدهم بما يدهش: «منين نبشتُه»، مع تحوير هذا الفعل إلى عدم توقف الساردة عن نبش حفرة تحميها وتبعد الواقع عنها خلال قصف المدنيين في تقاطع نيران المتحاربين.
وذلك بوضع فصول روايته الثمانية والعشرين في جملة: النبش الأول، النبش الثاني… إلى نبشٍ أخير تلتف فيه أيادي الرواية متلملمةً على بعضها، ومنفردةً عند اكتمال لملمتها أجنحةً تحلّق بالرواية، في عوالم احتمالاتِ ما يشكّل القارئُ من نهايات لها، ومن احتمالات إغلاق تساؤلاته حول مصائر أبطالها، المرسومين كما يبدو، برمزيةٍ لا تفْرِق شعرةً عمّا حدث ويحدث في الواقع. وبالأخص مصير الناشط كريم، السنّي، زوج بطلة الرواية نسرين، الحمصية العلوية كما يبدو، من خلال إيراد أنّه من غير طائفتها، ومن حقدِ أخيها ضابط أمن النظام الذي يعتقل ويعذّب ويقتل ناشطي الثورة السلميين، عليه، وتعذيب أخته على حبّها له، واختفاءه الواقعيّ المتماثل رمزياً باختفاء الثورة في معتقلات النظام. وكذلك مصير أبيه الذكوري المخادع الذي يسرق تعبَ زوجة ابنه المختفي، من خياطتها للعباءات السوداء، ويتزوّج من آسيا ولم يمرّ شهرٌ واحد على موت زوجته، ويتحوّل إلى مؤذنٍ لداعش بتلوّنه، ويختفي بالهرب كما يحدث عادةً لمثله، ليرسم القارئُ احتمالات مصائر الشخصيات..
في التدوير والتثييم وخلق البنية المتشابكة بقوة مع المضامين، يُمَحور الهويدي روايته حول عذابات النساء ومعاناتهنَّ ظلمَ وخداعَ وحروبَ رجال المجتمع الذكوري، وتحولاتهنَّ تفاعلاً مع ذلك في مثال محاربات «قسد»، بخصوصية المرأة في مجتمعات الفرات، والمرأة السوريّة الهاربة التي تتفاعل معهن. ويُبرز في هذا عوالمَ النساء وأحزانَهنّ في الحروب التي تطالُهنّ أكثر، مصوراً ذلك بارتقاء إلى الحزن الذي يدمي القلب على مقتل حليمة الطيّبةِ بينهنّ، وإلى الدمع الذي يغسل القلب في تصوير شجاعتهنّ بإقامة «معادةِ» حزنهن الخاص على فقدها، كما لو أنها هنّ، أمام تخاذل الرجال، وإلى التعاطف والإعجاب بتكافلهنَّ، من دون نسيان شيمِ الرجال في مساعدتهنّ إلى جانب تصوير المستبدّين منهم، والنساء المتماهيات بهم.
ويُداخل الهويدي عوالم النساء هذه، بصنع منظومةٍ سردٍ لغويةٍ يتداخل بها حوار الفصحى الذي ينحسر عند لزوم نبض الرواية مع العاميّة الفراتية، «خشيت ألا يسمحوا لنا بالعودة إلى القرية، وأننا ربما سننزح من هنا إلى لبنان» ثم: «باجر بس نرجع تنطيني قميص وجبونة، أريد أبو إبراهيم يلاكيني متحظرة أكثر منو. «تكرم عينك، رحْ خلّيه ما يشوف غيرِك».
كل هذا مع تدفّقٍ إيقاعيّ بنبضاتٍ تتسارع بجريان نهر، وتُذَكّر بنبض لغة القاص الراحل هيثم الخوجة في روايته الوحيدة «القحط» عن ريف الرقة، كما لو كان التدفّق جينياً في لغة أبناء الفرات. إلى جانب معالجة الهويدي للزمن بسلاسةٍ تبدأ بها بطلته سردَ الحاضر في بداية الفصل، وتُداخله بسرد ذكرى ماضٍ قريب تتواصل في الفصول التالية حتى الالتقاء بالحاضر، وجريان الرواية حاضراً إلى بدايتها. مع الكثير من العناصر التي تضع لهذه الرواية مكانةً مهمةً بين الأعمال التي عالجت جوانب الثورة السورية والحرب المستمرة للقضاء عليها.
المغيرة الهويدي: «قماش أسود»
منشورات تكوين، الكويت 2021
263 صفحة.