بيروت – «القدس العربي»: في كل مرة يتعرّض لبنان لأزمة وطنية كبيرة، يتداعى رؤساء الطوائف اللبنانية لتظهير مشهد لبناني جامع يشدّد على أهمية التلاقي بين مختلف المكونات اللبنانية وللتحدث بلغة غير لغة التخوين والخلافات ولمخاطبة الضمائر والدعوة إلى الوحدة الوطنية والتآخي ونبذ الأحقاد وكل اشكال الفتنة والحفاظ على السلم الأهلي.
وأمس فيما يواجه لبنان عدواناً اسرائيلياً غير مسبوق وواقعاً مأسوياً، تم التوافق على عقد قمة روحية في الصرح البطريركي الماروني في بكركي جمعاً للشمل ولإصدار موقف وطني يحاكي ما يمر به لبنان وكيفية الخروج من الكارثة من خلال الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار ومناشدة المجتمع الدولي ممارسة الضغوط على إسرائيل لوقف العدوان والتركيز على الجوانب الإنسانية لمسألة النازحين وانتخاب رئيس جمهورية ليكتمل انتظام المؤسسات.
وحسب المعلومات فقد انطلقت فكرة عقد القمة الروحية من قبل شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى الذي ما إن زاره البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 في دار الطائفة في فردان للتهنئة بانتخابه شيخاً للعقل حتى بادر لطلب عقد قمة روحية في دار الطائفة تخلق جواً إيجابياً في البلد وتضع الأسس للمرحلة المقبلة تحت عنوان الانفتاح والتسامح والمحبة والحفاظ على لبنان الرسالة.
وثمن مَن يقول إن هناك عرفاً غير مكتوب بأنه لدى انتخاب رئيس طائفة في لبنان، تُعقد في مقر هذه الطائفة قمة روحية يشارك فيها رؤساء الطوائف. إلا أن عقد هذه القمة الروحية في مشيخة عقل الطائفة الدرزية تعثّر بسبب نقاشات بين رؤساء الطوائف الإسلامية.
ثم أعيد البحث في عقد قمة روحية لدى زيارة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب إلى بكركي في 23 تشرين الثاني 2023 بعد أيام قليلة على الحملة التي طالت البطريرك الراعي الذي طلب «لمّ الصواني» في الرعايا لدعم أهالي الجنوب وهذا تقليد كنسي فسّره البعض خطأ واعتبره إهانة للجنوبيين. يومها اقترح الخطيب على الراعي عقد القمة الروحية في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية فوافق، إلا أن هذه القمة تعثّرت ايضاً لدى رؤساء الطوائف الإسلامية.
أما اليوم فقد زالت العثرات وفُتحت الطريق امام عقد القمة الروحية، وخصوصاً بعد زيارة مفتي طرابلس الشيخ محمد طارق إمام المقر البطريركي في الديمان في 24 أيلول/سبتمبر برفقة راعي ابرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف حيث تمنى المفتي إمام على لجنة الحوار الإسلامي المسيحي القيام بجهود لعقد قمة في بكركي. وما عزّز هذه الفكرة هو تصاعد حدة الغارات الإسرائيلية على مختلف المناطق اللبنانية والتي أدت ايضاً إلى اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله حيث أطل البطريرك الراعي في قداس الأحد في 29 أيلول، ليعتبر «أن هذا الاغتيال فتح جرحاً في قلب اللبنانيين»، وليدعو «إلى الاستفادة من هذه الشهادة لتعميق وحدتنا، وتعزيز دور لبنان الوطن الرسالة».
عند هذا الحد، تبددت العثرات حول مكان عقد القمة الروحية وشجّع رئيس مجلس النواب نبيه بري على عقدها في بكركي غداً الأربعاء كذلك فعل الرئيس فؤاد السنيورة. وعلى هذا الأساس، سيشارك في القمة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي ابي المنى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب بعدما قاطع اللقاء مع أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين في حزيران/يونيو الفائت، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور، بطريرك الروم الكاثوليك يوسف العبسي، بطريرك الروم الاورثوذكس يوحنا اليازجي، بطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس يونان وبطاركة الأرمن والكلدان. في غضون ذلك، تجري مناقشة للبيان الذي سيصدر عن القمة الروحية ليأتي متوافقاً مع دقة المرحلة والمسؤولية الوطنية. وبحسب المسودة سيؤكد البيان «على الوقف الفوري لاطلاق النار وتطبيق القرارات الدولية وعلى رأسها القرار 1701 والتضامن الداخلي والالتفاف الوطني حول الدولة ودعم الجيش اللبناني لتمكينه من حفظ الاستقرار العام ومن الانتشار في الجنوب وضرورة إكمال عقد المؤسسات بانتخاب رئيس وفاقي للجمهورية يرعى انتظام الدولة وإحياء مؤسساتها إضافة إلى تعزيز الثقة الداخلية وتعميق العلاقات مع العمق العربي». وبعد انتهاء القمة الروحية وصدور البيان المشترك سيغادر البطريرك الراعي إلى الفاتيكان في اليوم التالي حاملاً الهمّ اللبناني وقضية البلد وشؤون وشجون القرى المسيحية الحدودية، على أن يطلب من الكرسي الرسولي التدخل لدى دول القرار لتحييد هذه القرى عن القصف والنزوح.