قنابل سميح ساويرس عبر «العربية»: أحدثت دوياً وأصابت هدفاً!

حجم الخط
14

«ضربة بالمرزبة، ولا عشرة بالشاكوش». هذا مثل مصري شائع، بيد أني لا أعرف حدود ذيوعه خارج مصر، ولست متأكداً تماماً أن غير المصريين يعرفون «المرزبة»، و»الشاكوش»، وخشيت أن يستغرقني الشرح، والتوضيح، والتمييز بينهما، فأتحدث في مصطلحات وأمثال معروفة للكافة، أو أكون كمن يُعرف الماء بعد الجهد بالماء، ولهذا قررت أن أكون كخطيب الجمعة، كما جاء في الأثر، وفي رواية ليست صحيحة سنداً ومتناً، لكنها تروى من باب التسلية!
فبعد أن وصل إلى «أما بعد»، سأل الخطيب المصلين: هل تعلمون؟ فأجابوا: نعم. فلم يكمل الخطبة ونزل من المنبر، بعد أن قال لهم ما داموا يعلمون فلا داع لأن يضيع وقته وأوقاتهم في ما يعرفون. وإذ تعجب القوم، فقد اتفقوا على أنهم في الجمعة المقبلة يردون في نفس واحد: لا نعلم. فلما أجابوا، فعل الشيء نفسه، وقال كيف يضيع وقته مع أناس جهال لا يعلمون، فلما كانت الجمعة الثالثة، كان قرارهم أن يرد نصف المصلين عليه: نعلم، ويرد نصفهم بلا نعلم، فأنهى الخطبة، بعد أن طلب ممن يعلمون أن يعلموا من لا يعلمون.
لا تعرف «المرزبة» و»الشاكوش»، إذن لا بأس فمن يعرف يوضح الأمر للمستشرقين، حتى ندخل في الموضوع مباشرة، وقد تذكرت المثل بينما أشاهد مقابلة قناة «العربية»، مع رجل الأعمال المصري «سميح ساويرس»، والتي كانت بمثابة قنابل ألقاها فأحدثت دوياً هائلاً، وأصابت هدفاً في مقتل، الأمر الذي كان يستدعي أن تلملم السلطة أشلاءها التي تبعثرت، وتدعو لمؤتمر صحافي يُترجم لكل لغات العالم، للرد عليه، لكن تكمن المشكلة في أنهم لن يعثروا على رد، فكان البديل في «فرش الملاية» له، واتهامه في وطنيته، وهو أمر لا يطمئن مستثمراً، ولا ينفي صحة ما قيل عن خطورته، ومعناه أن قل على الاقتصاد المصري: «يا رحمن يا رحيم»!
وإذ اعتبرنا ما قيل عبر قناة «العربية» – الحليف السابق لأهل الحكم في مصر – هو رد على التحرش السابق بالمملكة العربية السعودية، من قبل بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام، واكتمل بما كتبه رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» المملوكة للسلطة، لكان رداً ساحقاً ماحقاً، ويسري عليه القول المأثور «أخذ الحق صنعة»، وإذ كنت قد أجهدت نفسي في بداية هذه الحملة بتحليلها لكي أنتهى إلى أنها تعبير عن أن العلاقات بين البلدين ليست على ما يرام، فقد تأكد هذا بالفعل، وأثبتته الأيام، وإذ ذهب السيسي لمقابلة محمد بن سلمان في السعودية، في زيارة «صد رد»، فمن الواضح أنها لم تنه هذا الخلاف، وتأتي هذه التصريحات الساحقة الماحقة عبر قناة «العربية»، لتؤكد على هذا المعنى، إن صحت القراءة، لنكون أمام «ضربة بالمرزبة ولا عشرة بالشاكوش»!

تقليعة جديدة

اللقاء، كان على «الواقف» وخارج الأستوديو، ولا بأس، فحتى في الأستوديو صاروا يقفون، وصار التقليد الجديد هو ظهور المذيعين والمذيعات الأحياء منهم والأموات وقوفاً يتحركون، وقد تحول الأستوديو إلى خشبة مسرح، والمذيعة إلى عارضة أزياء، حيث لا أزياء، وحتى في بلاد الفرنجة، تبدو هذه الأزياء كما لو كانت لاستعراض ما تم جمعه لأبناء السبيل، عبر جمعية رسالة الخيرية، وهذا بسبب سيطرة فكرة «الصورة» على الأداء العام، من خلال التأكيد على أن التلفزيون صورة، وكأن العنصر الوحيد في العمل التلفزيوني هو المذيع، إذن فليأتي من أول الأستوديو إلى آخره، سيراً على الأقدام، ولم تتم دراسة بعد تأثير هذه الصورة على تركيز المشاهد!
لم تكن مذيعة، فقد بدت لي مراسلة، ولست مشاهداً محترفاً لقناة «العربية»، لكي أتبين أن من أجرت المقابلة مع سميح ساويرس، مراسلة وليست مذيعة، لكن ما يهمني هنا، أن الأسئلة التي طرحتها، هي من نوع الأسئلة الموجهة، التي تذكر بالسؤال الأثير في التلفزيوني العراقي، إبان الحرب العراقية – الإيرانية، لأصدقاء العراق: «ما رأيك في النظام الإيراني الخائن العميل؟»، فماذا ترك المذيع للضيف؟ إذ كان على السائل أن يتوقف عند طلب الرأي في النظام الإيراني، ليصفه المسؤول بـ « الخائن العميل»!
كان سؤال «العربية» يحمل الإجابة، وحتى القول عن الضبابية حول الجنيه المصري، كان ضمن السؤال، ثم يُطرح سؤالاً كشكولا، وكل الأسئلة طويلة التيلة، وكان السؤال الأبرز لعموميته هو بالنسبة للقطاع العقاري، الذي قالت السائلة إنه يعاني الكثير من المشاكل!
وحتى لا نذهب بعيداً بدون داع، فأحياناً تكون المشكلة في هذا النوع من الأسئلة، لأن الضيف تحدث مع من سيحاوره قبل الهواء، وأن المحاور يريد تكرار ما قيل بعده، وهو أمر مرهق على الصحافي، الذي تنقصه الخبرة الكافية في صياغة أسئلته، ويخشى من أن لا يذكر الضيف ما قاله من قبل، فيردده هو لتذكيره به!
لقد أمن «سميح ساويرس» على سؤال «ضبابية سعر الجنيه» بالمقارنة بالدولار، وسؤال أنه توقف عن إطلاق مشروعات جديدة في مصر، وأطلق قنبلته بأنه سينتقل للاستثمار في السعودية، وأن أزمة الدولار كانت سبباً في عدم القدرة على دفع أسعار خامات من الخارج، كما ذكر أن خامات وصلت المطار ولم ينجحوا في إخراجها منه، فتوقف الإنتاج، الأمر الذي أثر سلباً على الاقتصاد، مؤكداً أن ما يقوله ليس من رأسه، فليس خبيراً اقتصادياً، فقد أكدته تقارير جهاز التعبئة العامة والإحصاء. وهو جهاز رسمي يتبع الحكومة!

الضرب على الوتر الحساس

كما أكد ساويرس، إن الضبابية في تحديد سعر الجنيه، جعلت من الصعوبة بمكان وضع دراسة جدوى لأي مشروع، ولعله هنا لم ينتبه إلى أن الجنرال سبق له أن سخر من دراسات الجدوى، وقال لو أننا شغلنا أنفسنا بها لما نجحنا في تحقيق الإنجازات التي تحققت، أيام أن كان يروج أن هناك إنجازات تحققت!
ثم ضرب ساويرس على الوتر الحساس؛ بالمقارنة بأداء النظام التركي، الذي عالج أزمة الليرة، بأن تركها للعرض والطلب، ولم يتدخل للتحكم فيها، صحيح أن التضخم هناك أكل الناس، لكن النظام تدخل بشبكة حماية للفقراء، رغم أنها أزمة جديدة عليه، وذلك عكس مصر، التي يوجد بها شبكة بطاقات التموين ونحو ذلك!
إجابة على سؤال الكثير من المشكلات التي يعاني منها القطاع العقاري، قال ساويرس إن هناك اقبالاً على الشراء، فلا شيء يستثمر فيه المصريون أموالهم إلا الذهب والعقارات، ولكن المشكلة في تغير سعر الفائدة، فالذين اقترضوا من البنوك للبناء، فوجئوا بارتفاعات عدة للفائدة، لم تكن قائمة وقت الاقتراض، ومع ذلك حملوا بها.
لم يبدو «سميح ساويرس» تبرماً من تدخل الدولة في مجال الاستثمار، على العكس من تصريحات سابقة لشقيقه نجيب، أحدثت جدلاً واسعاً، عن مزاحمة الجيش لمجال الاقتصاد، ولكنه ركز على نقاط أخرى، قيلت قبل ذلك نقلاً عن بعض دول الخليج (ومنها السعودية)، التي تطلب بسعر حقيقي للجنيه، أما الدولار مقابل مواصلة الاستثمار، فهل هو توارد خواطر، أم أنها مشكلة حقيقية، عبر عنها رجل الأعمال، الذي قرر الانتقال للاستثمار في السعودية؟!
لقد سألت المراسلة: هل سميح ساويرس توقف عن الاستثمار في مصر أو الاستثمار بمشروعات جديدة؟ ولن نحمل الأمر أكثر مما يحتمل، ففي إذاعة المقابلة عبر قناة «العربية» ما يكفي، ومن التأكيد هي أزمة عامة، خاصة بالاستثمار الآتي من الخارج، وبالاستثمار الداخلي، وقد راعني ما كتبه الاقتصادي ممدوح الولي، نقلاً عن تقرير للبنك المركزي، أن استثمارات مصرية خرجت لدول عدة مثل إيطاليا، وكان اللافت أن العراق من بين هذه الدول، مع استمرار العزف المنفرد على أن وجود السيسي جنب مصر أن تكون مثل سوريا والعراق، وقد انضمت اليهما السودان، فاقترح حذف العراق من المضبطة، ما دام يوجد مستثمرون مصريون تركوا أم الدنيا، إلى بغداد.
وتعد تصريحات ساويرس كاشفة، وليست منشئة لوضع اقتصادي ليس على ما يرام، لكن تصريحاته سيكون لها أثرها على مستثمر قادم ليس دارساً للسوق المصرية وليس واعياً بالتحديات!
فإذا صدق أن المقابلة وبثها عبر «العربية» هي جزء من الرد على حملة التطاول على المملكة، واستخدام من القول أفحشه مثل مفردات الحفاة العراة، ونحو ذلك، فمعناه أن الرد في سويداء القلب.
ولمثل هذا جاء في الأثر: «ضربة بالمرزبة ولا عشرة بالشاكوش».

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية