دشنت قناة “العربية” دوراً جديداً لوسائل الإعلام، وهو التغطية بالتمني، أو “سد العجز” من خلال القيام بالدور بالنيابة، مارسته في المحاولة الفاشلة للانقلاب العسكري في تركيا، كما قامت به في الزيارة الباهتة لولي العهد السعودي للقاهرة!
في محاولة الانقلاب على الرئيس أردوغان، كان أداء “العربية” يتجاوز كونها وسيلة اعلامية ومحطة تلفزيونية؛ تنقل الخبر وتعلق عليه، ولكنها ومعها “سكاي نيوز عربية” كانت بأدائها جزءاً لا يتجزأ من هذا الانقلاب، وتغطي العجز الناتج عن عدم سيطرته على وسائل الإعلام، فقد أذاعت “العربية” بياناً للعسكريين قادة الانقلاب، دون أن يعلنونه هم، ورغم مرور هذه الفترة على فشل المحاولة الانقلابية، فلا ذكر لهذا البيان، ولم يتم التعرف على جهة أصدرته، كما لا يُعرف حتى ساعته وتاريخه إن كان قد صدر فعلاً من جانب الانقلابيين، أو أنه كتب في الاجتماعات السرية لهم، أم أن صياغته تمت في غرفة العمليات في أبو ظبي!
فقد تخلصت “سكاي نيوز” من أرشيفها في هذه الليلة، ولا نعرف إن كانت “العربية” لا تزال تحتفظ بهذا الارشيف أم تخلصت منه بعد ذلك، فقد بدا الأتراك حريصين على تجنب الدخول في أزمة مع الأطراف الخارجية، الضالعة في الانقلاب، ومن ثم فلم يتم البحث في مصدر هذا البيان، الذي نشرته “العربية” عشرات المرات، منسوباً إلى الانقلابيين، وربما تمت صياغته داخل استوديوهات “العربية” وشقيقتها “سكاي نيوز”، لتغطية العجز الواضح في أداء جنرالات الانقلاب في هذه الليلة!
ونظرية “سد العجز” استدعت في زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة، والتي لم يُصدر بيان عنها، كما لم يُعقد مؤتمر صحافي للسيسي وضيفه، رغم الحديث عن أن الزيارة ناقشت أموراً دقيقة، وهو ما ذكره عماد أديب في مداخلة تلفزيونية، انتهى فيها إلى أن قطر وتركيا حاولتا ابتزاز السعودية من خلال قضية خاشقجي!
الحقيقة أن “العربية” لعبت بنفسها لتعطي هذه الزيارة أهمية تفتقدها على أرض الواقع، وبالتحدث عن موضوعات تطرقت لها المباحثات لم تصدر في بيان، ولم يعرضها الاعلام المصري الرسمي.
وذكرت “العربية” أن كلاً من مصر والسعودية اتفقتا في اللقاء على ضرورة استمرار الحصار على قطر، حتى تستجيب للمطالب الثلاثة عشر، وهي نكتة، لأن موضوعاً مهماً كهذا، كان ينبغي أن يصدر به بيان رئاسي في مصر، أو أن يصرح به المتحدث الاعلامي بالرئاسة. ثم أنه موضوع مضحك، لأن دول الحصار ليست في وضع يجعلها الآن تفرض شروطاً، لأنها لم تنجح بهذا في البداية، وليس معقولاً أن تنجح فيه بعد أن تجاوزت قطر نفسها الحصار، وصار المحاصر عربياً ودولياً هو محمد بن سلمان وليس قطر!
التلفزيون المصري، وهو رسميا منوط به تغطية الزيارة، لم يبث صورة اللقاء، الذي جمع محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي، لكن “العربية” هي من فعلت هذا، ولعلها لم تنتبه، إلى عدم وجود العلم السعودي خلف ولي العهد، فقد ظهر العلم المصري خلف السيسي، على نحو كاشف عن عدم اكتراث بالضيف، وعدم اهتمام بالزيارة، التي كان الهدف منها أن يعيد محمد بن سلمان انتاج نفسه من جديد، بعد أن أشارت أصابع الاتهام إليه بأنه من أصدر الأوامر بتصفية جمال خاشقجي.
وتردد أن الصورة التي أذاعتها “العربية”، التقطت بكاميرا الهاتف النقال لأحد المرافقين لولي العهد، فلم تهتم الرئاسة بتصويره، كما جرت العادة!
وعدم اكتراث الحكم في مصر بهذه الزيارة مرده إلى فقدانه الأمل في استمرار السعودية مورداً لـ “الرز”، وهو الاصطلاح الذي شاع في كل العالم، والمظاهرات التونسية قالت إن تونس ليست بلداً من بلاد “الرز”. فالرز كله سيذهب إلى ترامب وباقي أفراد أسرته، فإن زاد شيء عن حاجة الأسرة، فإن السمسار ماكرون في انتظار أي “طبق رز” ليسد به رمقه، فماذا يتبقى للسيسي بعد ذلك!
ابتزاز السعودية
إزاء هذه الأجواء الباردة، قامت قناة “العربية” بسد العجز بهذه الصورة، وبما قررته أنه اتفق عليه الزعيمان من ضرورة استمرار حصار قطر، حتى تستجيب للمطالب، وهو القصور الذي حاول عماد أديب تغطيته في مداخلته التلفزيونية، وحديثه عن العمق والأبعاد، والبؤرة والفراغ، ثم إعلانه أن قطر وتركيا تحاولان ابتزاز السعودية من خلال قضية خاشقجي، مع أن من يبتز السعودية فعلاً هو ذلك القابع في البيت الأبيض وأهل منزله، والحديث عن الابتزاز يتجاوز الجريمة التي أرتكبها “حبيب والديه” ومعه ممثلون عن أركان الدولة السعودية، وبتصرف ينتمي إلى عصور الظلام، وعمل من أعمال العصابات، بحسب وصف السعودي، الذي تحتفي “الجزيرة” بكلامه، فتعيد بثه، وقد تحول إلى اضحوكة، لأنه قال هذا الكلام عندما كان القوم يخططون لاتهام قطر بأنها وراء عملية قتل خاشقجي، فالدولة المتورطة تفتقد صفة الدولة، بحسب كلامه هو!
لا بأس، فوقف الابتزاز أياً كان مصدره، يستلزم عزل ولي العهد، فالسعودية ليست هي محمد بن سلمان، والعائلة المالكة ليست فقط سلمان وابنه، وإذا تم عزل الفتى، فإن المملكة تكون قد تخلصت ممن يعد وجوده مغرياً بابتزازه بسبب جريمته النكراء.
ما علينا، فـ “العربية”، لم تتوقف عند مجرد نشر صورة تجمع بين السيسي وولي العهد السعودي، والذي بدا أن الرئاسة المصرية لم تستعد لها، فـ “العربية” نشرت صورة الأهرامات الثلاثة، وقد تم تغطيتها بالعلم السعودي، في سابقة لم تحدث من قبل عند زيارة أي مسؤول للقاهرة، أن تتم تغطية الأهرمات بعلم بلاده، لا سيما وأنه لم يُعرف عن الفتى الزائر ولهه بالأثار المصرية القديمة، أو أنه كان مخططاً له زيارة الأهرامات للبحث عن تاريخ العائلة فربما وجده في أحد مقابر الفراعنة!
تغطية الأهرامات بالعلم السعودي لها أكثر من دلالة، الأولى: الابتهاج الزائد عن منسوبه الطبيعي بالزائر الكريم. والدلالة الثانية: الايحاء بأن مصر مستعدة أن تفرط في تاريخها وحضارتها، لصالح السعودية، وباعتبار أن الحضارة بدأت بمولد آل سعود.
أما الدلالة الثالثة: فإنه التقدير للفكر الوهابي الذي يحرم الأثار ويراها أصناماً، ويرى أن المرحلة الفرعونية لا يجوز الابقاء على معالمها، لما تحمله من الشرك البين. لكن مما يقلل من هذا الاعتبار أن مشروع بن سلمان يقوم على تجاوز الفكر الوهابي، الذي يرى أن اهتمام العائلة به ورعايته كان التزاماً بطلب بريطاني وأمريكي.
اللافت أن واقعة تغطية الأهرامات بالعلم السعودي لم تحدث، وأن الصورة نشرت على قناة “العربية”، وقد ذكر مصدر على استحياء هذا، لكن الإعلام المصري لم يهتم بهذا التصريح الخجول، فقد أذلت الساعات “رولكس” أعناق الرجال!
وفي مقابل هذا الصمت، على هذه الأكاذيب، فإن بعض وسائل الاعلام المصرية، التي ينفق عليها الإماراتيون، أعادت نشر صورة الأهرامات التي بثتها قناة “العربية” مع أن الوقوف على الحقيقة، لم يكن يكلف سوى “مسافة السكة” من مقر الجريدة إلى منطقة “الاهرامات” للتأكد من عدم صحة الواقعة، لكن الحقيقة لا تهم، فالمهم أن يكونوا عند حسن ظن الممول، ليحسن فيهم القول: مرحبا بكم في وطنكم الثاني مصر!
إنها محاولة من قناة “العربية” لإثبات أن محمد بن سلمان لا يزال يتمتع بنفس نفوذه في مصر- السيسي، ويتم تعويض النقص في الاستقبال بالتأليف والفبركة، مع أن عبد الفتاح السيسي حرص أن يبقى بعيداً عن ولي العهد السعودي، منذ الإعلان عن مقتل خاشقجي، وكذلك فعل محمد بن زايد، وربما لم يتغير الوضع نسبياً إلا بعد اعلان ترامب الأخير الذي فُهم منه أن بن سلمان في حمايته شخصياً، ومع ذلك فقد افتقد اللقاء للحرارة، وإن حاولت أن تبعثها “العربية” بواسطة “الفوتوشوب”!
بالفوتوشوب، نشرت “الأهرام” صورة لمبارك وهو يقود زعماء العالم. وليس بـ “الفوتوشوب” وحده تتأكد المكانة، أو تستمد الشرعية!
فأما آن لقناة “العربية” أن تتوب عن هذا الحرام المهني؟!
أرض – جو
• تفوقت قناة “فرانس 24” على قناة “تي آر تي العربية” في تركيا. فقد أخذنا على القناة التركية تقصيرها في تغطية أحداث مقتل خاشقجي، وكأنها تُبث من تحت الماء، فإذا بالثانية تتجاوزها بعدم الاهتمام كلية بالمظاهرات التي شهدتها فرنسا، وعلى مرمى حجر من مقر القناة، يبدو أنها تبث من مقابر العائلة في باريس!
• حسنا فعلت الفنانة “غادة عبد الرازق” بحذفها تغريدة لها، قالت فيها إن شركة “إعلام المصريين” هددتها – كما هددت غيرها من كبار الفنانين – بأنها ستجلسهم في بيوتهم بدون عمل. واشتكت “غادة” للجمهور، وقد لفت انتباهها بأن الشركة المذكورة التي دخلت مجال الدراما بعد سيطرتها على الفضائيات، ليست مجرد شركة عادية ولكنها مملوكة للمخابرات، وقد أعجبني أنها استوعبت النصيحة وحذفت التغريدة.. ذكية ذكاء حاداً “غادة عبد الرازق” تقريباً ذكاء بالوراثة.
• تم الإعلان عن أن صاحب قناة “القاهرة والناس” يستحوذ على أراضي مملوكة للدولة تقدر بـ (20) مليون جنيه لم يدفع فيها سوى (405) ألف جنيه، يبدو أنه تهديد يستهدف تمكين السيسي من الاستيلاء على القناة.
• حسناً، هذا هو “محمود إبراهيم” الذي هو في برنامج “نائب رئيس مركز الاتحادية”، وفي برنامج آخر “مدير حملة الفريق أحمد شفيق”، وفي برنامج ثالث “محام ومحلل سياسي”. فأين هو “الرأي الآخر”؟!
صحافي من مصر