بادئ ذي بدء؛ فقد أجمع المفسرون لمعنى قضاء الوطر في الآية الكريمة، أنه قضى حاجته، وهو أمر أبادر إليه لمن ليس لهم وصلاً بالمفردات القرآنية، التي تتضمنها مقالاتي!
وهي مفردة وجدتها دالة عندما نجحت، بعون الله في التوصل للجذور العائلية لقناة تن، وهو أمر ليس سهلاً في مصر، في ظل شيوع الملكية في مجال الإعلام، بين الخاص والعام، وبين ما هو مملوك للأجهزة الأمنية، وما هو ممولك للإمارات الشقيقة الكبرى، فلا بد من اعتماد طريقة تحري النسب، المعتمدة لدى نقابة الأشراف، لأن الأمر يحتاج إلى «دعوى فرز وتجنيب» المنصوص عليها في القانون المصري، لمواجهة الأملاك الشائعة، لا سيما في الأراضي، عندما لا يتمكن الورثة أو من في حكمهم من انهاء هذه الحالة بالتقسيم بالتراضي!
فليس كل القنوات التلفزيونية الخاصة مملوكة لشركة إعلام المصريين، وهي شركة أمنية في المقام الأول والأخير، تماماً كما أنه ليس صحيحاً أن الشقيقة الكبرى لا تمول سوى إعلامها الخاص، فالمعلن أن الأشقاء هم من مولوا قناة «دي أم سي» أو قناة المخابرات بعشرة مليار جنيه، من أجل إطلاق شبكة تلفزيونية متكاملة، من بينها قناة إخبارية، ألمح اليها السيسي ذات مرة، وقال إنها ستجهز بأستوديوهات وفق المقاييس العالمية. وقد اختاروا فريق العمل، والهدف هو منافسة «الجزيرة» وبعد عامين من الاستعداد لساعة الصفر، لم تأت هذه الساعة أبداً، وتم تسريح الفريق بإحسان. فقد أصابتهم لعنة «الجزيرة» وثيقة الصلة بلعنة الفراعنة!
مناسبة هذا الكلام، هو الجدل الذي أثير مؤخراً بعد الإعلان عن زيارة الرئيس التنفيذي لفضائية «تن» إلى الأراضي العربية المحتلة، بتأشيرة إسرائيلية، وهو الأمر المنهي عنه وطنياً في مصر، منذ زيارة السادات للقدس، وتوقيعه اتفاقية السلام مع إسرائيل، وقد قررت النقابات المهنية رفض التطبيع تماماً، وعلى مستوى نقابة الصحافيين، فقد اتخذت الجمعية العمومية للصحافيين قرارا بمقاطعة التطبيع، جددته أكثر من مرة آخرها كان بعد الانقلاب العسكري، وعندما فعلها الكاتب المسرحي علي سالم، تم شطبه من عضوية اتحاد الكتاب، وأكد القضاء على مشروعية قرار الشطب؛ فلم يعتبره مندرجاً تحت اطار الحق الدستوري في التنقل والسفر، الذي نصت عليه الدساتير المصرية المتعاقبة، وهو الاتجاه الذي أخذت به المؤسستان الدينيتان؛ الأزهر والكنيسة، وللبابا شنودة تصريح متواتر نصه: لن أزور إسرائيل إلا بعد انتهاء الاحتلال ويدي في يد شيخ الأزهر!
وقد تعرض صحافيون مصريون للتحقيق معهم، واتخذت ضدهم إجراءات نقابية، لأنهم سافروا إلى هناك، في مهام مهنية، بيد أن الرئيس التنفيذي لقناة «تن» ليس عضواً في نقابة الصحافيين، ولا نعرف له عملاً قبل التحاقه بالقناة التركية الناطقة باللغة العربية وعليه فليست تن فقط التي تحتاج إلى بحث في شجرة العائلة، أو إقامة دعوى «فرز وتجنيب» لتحديد وضعها القانوني، فالمذكور في حاجة إلى بحث وفق هذه القواعد، لعلنا نعرف إن كان في سفره تعبيراً عن موقف السيسي، أم امتثالاً لتوجه غيره؟
المعلن أن «تن» فضائية مصرية خاصة، فهل هي كذلك فعلا؟!
«التحرير» البداية
بالبحث في شجرة العائلة، سنكتشف أن ترخيص القناة يقول إنها قناة مصرية خاصة، تأسست في مصر حسب القانون المصري، وقد أسسها إبراهيم عيسي بعد الثورة، باسم «التحرير» نسبة إلى الميدان الرمز لثورة يناير المجيدة، وبينما كان الثوار مشغولين بالثورة والتحديات التي تواجهها كانت عقلية التاجر الشاطر حاضرة، وذلك قبل شهادته لصالح مبارك في محاكمته، وطلبه من القاضي أن يسمح له بمصافحة الرئيس، ليجمع بين ما لا يجتمع؛ ميدان التحرير وهو عنوان الثورة، وبين الانحياز لمبارك والدفاع عنه، وهي حالة لا نجدها سوى في إبراهيم عيسى!
ولم تكن «التحرير» اسماً فقط لقناة تلفزيونية، لكنها كانت اسماً كذلك لصحيفة يومية أصدرها عيسى أيضاً، وتبين أن الأمر كله ليس ثورة، ولكنها التجارة التي لا تبور، وقد استخدمت «التحرير» المحطة التلفزيونية، و«التحرير» الصحيفة، في غسيل سمعة اثنين من رجال الأعمال ينتميان لعصر مبارك، وبيعت القناة لصاحب «قرية السليمانية» وهو من المحظوظين في عهد مبارك، الذين مكنهم نظام المخلوع من الاستيلاء على أراضي الدولة بثمن بخس، مثله مثل أحمد بهجت الذي اشترى متر الأرض بجنيه مصري واحد، ليبنوا عليها عمارات، وفيللا، وقصورا، بيعت بملايين الجنيهات، وكانت لديهما رغبة في الدخول على خط الإعلام، وقد سعى صاحب السليمانية «سليمان عامر» لتأسيس صحيفة قبل الثورة، لكن نظام مبارك الذي كان يميل لتوزيع الثروة والسلطة، لم يوافق له على ذلك، ولم يسمح لأحمد بهجت بإصدار صحيفة، ومما قيل له، يكفيك قناة «دريم» فإما قناة وإما صحيفة!
واللافت هنا أن رجال أعمال مبارك، استفادوا بعد الثورة بتحقيق رغباتهم، فأصدر «بهجت» جريدة «الصباح» وأطلق محمد أبو العينين قناة «صدى البلد» أما «الفل» سليمان عامر فقد كان محظوظاً، فقد تنازل له عيسى وشركاه عن قناة الثورة؛ «التحرير» كما أن رجل الأعمال «أكمل قرطام» اشترى جريدة «التحرير» ولم يكن في حاجة لشراء ترخيص، وأن يدفع فيه «دم قلبه» لكنه كان يشتري الاسم؛ «التحرير» وهو النائب في البرلمان عن الحزب الوطني، ولم يكن سيواجه بمشكلة في الحصول على ترخيص بجريدة، فلا يوجد أحد تقدم بطلب بعد الثورة ولم يجاب، فضلاً عن أنه اشترى حزباً من بابه، ومن حق الحزب أن يصدر صحيفة، لكنه – كما قلنا – كان يريد «التحرير»!
فالأمر كان غسيل سمعة، وتبييض وجوه من ينتمون للنظام البائد ويحسبون عليه، وقد مكنه إبراهيم عيسى من ذلك مشكوراً، فلما قضيا من الاسم وطراً، وجاء الانقلاب العسكري، ورد الاعتبار للفلول، أوقف صاحب الصحيفة إصدارها، ولم يهتم حتى بالبحث عن مشتر لها، لكن القناة ذهبت لصاحب «القسمة والنصيب» وتم تغيير اسمها من «التحرير» إلى «تن» ولأننا في الزحام وجدنا قناة بهذا الاسم فلم ننتبه إلى أنها ذاتها التي انتحلت عنوان الثورة، إلا بعد بحث دؤوب في شجرة العائلة المباركة، وفي السلالة النقية، وقد عثرنا على «أصل الأنواع» وفق نظرية تشازلر داروين، ومع دخول السلطة على خط تملك أدوات الإنتاج، والسيطرة على المشهد الإعلامي، فكان لا بد من دعوى «فرز وتجنيب» وربما اعتقد كثيرون أن «تن» انتقلت ملكيتها من «سليمان عامر» إلى شركة إعلام المصريين، لكن الأيام أثبتت أن هذا ليس صحيحاً، والأهمية في انهاء هذا الشيوع مرده لمحاولتنا إجابة على سؤال: من دفع به للسفر للأرض المحتلة، وارتكاب هذا الفعل المنهي عنه وطنياً؟!
تعيين الديهي
في 14 مايو/ أيار 2017 نشر موقع قناة «صدى البلد» أنه تم تعيين «نشأت الديهي» قائماً بأعمال قناة تن، وتقرر تكليفه بتمثيل القناة أمام الجهات المعنية ذات الصلة بما فيها غرفة صناعة الإعلام إضافة لتكليفه متحدثاً رسميا باسم القناة. دون أية إشارة لمن عين، وكلف، ولماذا يستحي صاحب قرار التكليف والتعيين، من أن يفصح عن اسمه؟ والأهم هو من مالك القناة على الورق ووفق الوثائق الرسمية، لأن عملية البيع من صاحب السليمانية، تستلزم أن يكون المشتري شخصاً طبيعياً، لا سيما وأن القانون المصري لا يسمح ببيع وسائل الإعلام المصرية للأجانب، والمعنى أننا أمام مالك صوري، يبدو أنه ليس شخصية مقنعة لتظهر في الصورة، لكي تقرر وتكلف، والمعنى هنا أن السلطة متواطئة، وإلا كان من المنطق أن تسأل المالك في الوثائق الرسمية من أين لك هذا؟!
في ديسمبر/ كانون الأول 2019، تم الإعلان عن عودة قناة «تن» للبث، بعد توقفها بقرار من المالك بسبب الخسائر المادية، وهو العنوان الزائف للحقيقة المؤلمة ممثلة في أن القناة بلا قيمة إعلامية، فلم تنجح في جذب المشاهدين في أي مرحلة من مراحلها، لأن الخسائر متوقعة، ولا يطلق أحد الآن في مصر قناة تلفزيونية كمشروع استثماري، أو حتى ليمكنها تغطية الانفاق عليها.
وفي المطالب التي رفعت عبر القنوات الحليفة لصاحب القناة من أجل أن يرحم ضعف «نشأت الديهي» واخوانه، الذي لم يتلق عرضاً من قناة أخرى، تبين أن القناة مملوكة للشقيقة الكبرى الإمارات، وقد عادت القناة، لكن أيضاً لم يسأل أحد كيف يُسمح لمالك أجنبي بتملك قناة تلفزيونية مصرية خاصة، في الوقت الذي يُحرم فيه المصريون من ذلك، ولماذا يتم التواطؤ على اسم مالك للقناة في السجلات الرسمية الذي ينوب عن المالك الفعلي؟
لقد عين عبد الفتاح السيسي، نشأت المذكور عضواً في المجلس الأعلى للإعلام، وهو الهيئة المنوط بها ضبط الأداء الإعلامي، وفق مدونة السلوك، وفاقد الشيء لا يعطيه، وهو الذي يهاجم اعلاميين بأوصاف تستدعي إيقافه ومحاكمته وفقاً للقوانين العادية، لو كانت القوانين تطبق، مثل «المؤخرة» في وصف أحد الإعلاميين، و«ابن الخطيئة» في وصف آخر، و«الرقيعة» في وصفه لمذيعة زميلة، وذكر كل هؤلاء بالاسم، المرة تلو المرة.
بيد أن التعيين لا يعني أنه من رجال السيسي، ولكن قد يكون فرضاً من المالك الحقيقي، وليس الصوري لقناة تن، فمالكها هو الوكيل العام لمصر، ويتصرف فيها تصرف المالك في ما يملك!
لنستعير عبارة حاكم للبنان بتصرف: «أهلا بكم في وطنكم الثاني مصر».
صحافي من مصر