لعل أشهر كلمة تشترك فيها العربية مع الرومانية هي: بقشيش، كلمة ورثناها عن العثمانيين مثلما ورثنا عنهم إباحة الرشوة. عدا ذلك فقد كانت رومانياً كوكباً منفصلاً، شيوعية ونقيضاً للشيوعية، جمهورية العدالة الانتقائية، وككل ديسمبر/كانون الأول تعود ذكراها وذكرى ثورتها الأكبر، التي أطاحت بنظام نيكولاي تشاتشيسكو، الذي عمر أكثر من عشرين عاماً، لكن إلى غاية اليوم لا تزال أشباحه تذرع البلاد شرقاً وغرباً.
إلى غاية نهاية الثمانينيات، كان جدار من الحديد يفصل رومانيا عن بقية العالم، لا تتسرب منها أخبار، ولا نعرف الشيء الكثير عما يحدث فيها، ورئيسها يصر على تقديم نفسه نصيراً لحركات التحرر في العالم، وزعيماً مطاعاً في العالم الثالث، تتفاخر الجرائد المحلية والتلفزيون بعرض صوره مع رؤساء عرب وأفارقة، ويروج له على أنه واحد من الحكماء، توجب أن ننتظر نهايته، التي جاءت بطريقة هوليوودية، بمطاردة ثم إعدام، نهاية مأساوية، في وقت كان يحلم فيه تشاوتشيسكو أن يتحول إلى «فيدل كاستور أوروبا» قبل أن نشرع في مطالعة روايات رومانية متحررة من قساوة الرقيب، وصدرت في السنوات الأخيرة ثلاث روايات عن رومانيا الشيوعية، عن سنوات البكم الإجباري، حين كانت (سوكيريتات) أو الشرطة السرية، تتحكم في أقدار الناس، تُراقب أنفاسهم وكتاباتهم، تطرح كل واحدة من الروايات وجهة نظر عن بلاد تشاتشيسكو، بقدر ما يبدو المشهد عبثياً ومثيراً للسخرية، في بعض المرات، فإنه يُحيلنا إلى مشابهات مع وضع عربي في زمن قريب.
في «سولينويد» يورطنا الكاتب، من الصفحات الأولى، في تلك الكآبة التي سادت رومانيا الاشتراكية، إنها الرواية الأهم لميرتشا كارتاريسكو (1956) من ألمع أسماء جيل الثمانينيات، وُلد وكبر في بوخارست، التي يُسميها ﺑ«قصر الملل» يستقي مادته من ذكريات طفولته، ومن علاقته الصدامية مع مدينته، «سولينويد» أقرب ما تكون إلى سيرة ذاتية، فبطلها ليس سوى صورة مُطابقة للمؤلف: شاب يشعر بأنه أضاع حياته، بدأ علاقته بالأدب مع كتابة الشعر، متحملاً سخرية الآخرين منه، ففي رومانيا لم يكن الأدب قضية محببة، الكتاب يتزاحمون في الطبقات السفلى من السلم الاجتماعي، أحلام المراهقين أو الشباب تحت معطف تشاوتشيسكو (أو الأب كما يصفونه) هي أن يرتقوا في مراتب الحزب، أو مراتب أمنية، أو يرثوا مالاً وينصرفوا إلى استثمارات تجارية.
قضى باتريك ماك غينس (1968) وهو المولود في تونس، بضع سنين في بوخارست، وكتب عن نهاية تشاوتشيسكو في رواية «آخر مئة يوم» عن جنون البوليس في مراقبة حركات الناس ومكالماتهم، عن مشقة أن تصير مثقفا رومانيا، دون أن تقدم صكوك ولاء للحزب، عن حياة الترف التي ينعم فيها أبناء المسؤولين، بينما الآخرون يهربون من البلد سراً.
لكن بطل تلك الرواية مثل كاتبها اختار سبيلاً مخالفاً، في بلد لم يكن يعلو فيه سوى أدب الشعارات والخطابات المبجلة للرفيق القائد سيد الحزب الشيوعي الروماني، شيئاً فشيئاً سوف يقرر بطل الرواية التخلي عن الأدب، يفقد رغبته بأن يصير كاتباً، يدخل في تساؤلات عن ضرورة الكتابة في بلد مثل بلده، تتوالى الرواية ضمن حلقات من الأسئلة، تنتقل من أسئلة عن فائدة الأدب إلى أسئلة عن الوجود والحياة، وهي أسئلة تلتف حول بعضها مثلما يلتف السلك الكهربائي أو ما يُطلق عليه علمياً «سولينويد». بعد أن يتخلى عن مشروع حياته، ينخرط البطل ـ الذي لا اسم له ـ في البوح بأحلامه، أوهامه، مخاوفه، أفراحه الصغيرة، في هذيان وسرد مطول، يختلط فيه الواقع بالمتخيل، كما هو الحال في رومانيا، التي كانت تعيش واقعاً خارجاً من الأحلام، لا شيء فيها يعزز الشعور بأن البلد سائر في أمان، بل كل شيء قابل للانفجار في أي لحظة، هناك تتجسد عبثية في توصيف الشخصية الرومانية، فالروماني لا يرتاح دون أن يساند قضية ما أو يُعارضها، حين لا يجد ما يُسانده أو يُعارضه، يبتكر خصوماً له، ويتجمع الناس في حركات مناهضة للأمراض، أخرى ضد الشيخوخة، ثالثة ضد الموت. هكذا في كتابة شعرية، يأخذنا المؤلف إلى أصل المرض الروماني، علاماته أنه لا يعرف ماذا يريد فعلاً، بل يهمه فقط (البقشيش) وحياة رتيبة، بأي ثمن.
أدرك تشاوتشيسكو ألا شيء يملكه للتباهي به أمام الغرب، لا سلاحا مثل السوفييت ولا جيشاً، لذلك راهن على قوة ناعمة، لاسيما الرياضة، لا تزال الأذهان تتذكر نجوماً رومانيين في رياضات فردية، على غرار لاعبة الجمباز نادية كومنيتش، التي حصدت الذهب في الألعاب الأولمبية بمونتريال (1976) والعلامة الكاملة على البساط، دون أن تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، صارت مفخرة الشيوعيين في وجه الغرب، بطلة قومية في وطنها، وتحولت إلى بطلة رواية «الشيوعية الصغيرة التي لا تبتسم» للولا لافون، التي لم تكتف بسيرة الرياضية، بل سيرة البلد في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وما عرفه من سطوة رجال الحزب الواحد، وضغوطاتهم على السكان، والأسوأ من كل ذلك ما عرفته النساء، اللواتي منع عنهن تناول حبوب منع حمل، وصرن مجبرات على إنجاب أطفال يفخر بهم (أب الأمة) يزيدون من أتباع الحاكم تشاوتشيسكو، في غمرة فرحهم بانتصارات نادية كومنيتش، نطالع في الرواية تفاصيل بلد يفتقد كل شيء، تندر فيه مواد غذائية، أدوية، ولا تكثر فيه سوى الخطابات السياسية الممجدة للطبقة الحاكمة، الناس هناك لا أب لهم، إنهم يولدون ـ بالفطرة ـ أبناء لتشاوتشيسكو، والمفخرة نادية لم يطل أمرها في رومانيا، فهجرتها سراً والتحقت بأمريكا، معلنة نهاية رمزية للشيوعية.
قضى باتريك ماك غينس (1968) وهو المولود في تونس، بضع سنين في بوخارست، وكتب عن نهاية تشاوتشيسكو في رواية «آخر مئة يوم» عن جنون البوليس في مراقبة حركات الناس ومكالماتهم، عن مشقة أن تصير مثقفا رومانيا، دون أن تقدم صكوك ولاء للحزب، عن حياة الترف التي ينعم فيها أبناء المسؤولين، بينما الآخرون يهربون من البلد سراً، عبر أسلاك شائكة على الحدود مع يوغسلافيا، عن ميلهم للبنايات العالية وناطحات السحاب، حتى تحول رومانيا إلى بلد من إسمنت، محلات الأغذية شبه الفارغة، عن افتقاد البلد للبنزين، عن مأساة البحث عن دواء، في وقت كان فيه النظام يُهيئ نفسه للاستمرار في مرحلة جديدة، قبل أن يحصل الانفجار في ديسمبر 1989، يتهاوى الشيوعيون وتمحى سيرتهم، بعد ثورة شعبية، هي الأعنف من بين ثورات المعسكر الشيوعي، راح ضحيتها المئات وفتحت الباب نحو ديمقراطية برلمانية وانفراج سياسي واقتصادي للبلد.
٭ كاتب جزائري