بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت قوى سياسية ناشئة مُنبثقة عن حراك «تشرين/ أكتوبر» الاحتجاجي، بالتفكير في دخول العملية السياسية والعمل السياسي، من خلال تشكيل تحالفٍ موسّع يشارك في الانتخابات التشريعية المبكّرة، المقررة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، لتنافس «أحزاب السلطة» المتحّكمة بالمشهد العراقي منذ عام 2003.
ورغم تنظيم هذه القوى نفسها مبكّراً، غير إنها ما تزال تبحث مدى نجاعة مشاركتها في الانتخابات، في ظل سطوة الأحزاب النافذة وامتلاكها المال والسلاح.
ورهنت تلك القوى خوضها غمار السباق الانتخابي، بمدى الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة في متابعة ملف عدالة ونزاهة الانتخابات.
وأمس الأربعاء، أصدرت ثماني قوى سياسية منبثقة عن الاحتجاجات، ثلاث توصيات حول الانتخابات المقبلة، فيما وجهت رسالة إلى الأمم المتحدة.
«توفير العدالة»
وذكرت القوى المجتمعة في بيان صحافي أمس، إنّ «العملية الانتخابية المقبلة لن تكون ديمقراطية ونزيهة ما لم يتم توفير العدالة بين جميع القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات» مطالبة الحكومة الاتحادية أن «تكون جادة في تهيئة بيئة انتخابية عادلة ونزيهة بإشراف الأمم المتحدة، وأن تفي بتعهداتها المتضَمَّنة في برنامجها الحكومي، منها محاسبة قتلة متظاهري تشرين الأول/ أكتوبر والكشف عن مصير المغيبين والمعتقلين ظلماً، وكذلك حصر السلاح بيد الدولة».
وخلّف الحراك الاحتجاجي الذي انطلق في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، نحو 600 قتيل وأكثر من 25 ألف جريح، نتيجة قمّع قوات الأمن واستخدامها المفرط للقوة في مواجهة المحتجين السلميين المطالبين بتوفير فرص عمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل أن ترتفع مطالبهم لإسقاط الحكومة، التي كانت متمثلة آنذاك برئيس الوزراء عادل عبد المهدي.
وتحت ضغط المحتجين، قرر رئيس الوزراء العراقي الأٍسبق عادل عبد المهدي تقديم استقالته في 30 تشرين الثاني/ يناير من العام ذاته، ليترك المنصب إلى رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، الذي تعهد بإجراء انتخابات برلمانية مبكّرة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
وأضاف البيان، «تناشد هذه القوى الوطنية الأمم المتحدة بأخذ دورها الحقيقي والفعال لمتابعة ملف عدالة ونزاهة الانتخابات» محذراً من «عدم تحقيق مطالب الشعب العراقي والذي يمثل مصدر إعطاء الشرعية للنظام السياسي».
وحدد البيان، ثلاث توصيات صدرت عن المجتمعين، تمثّلت بـ«العمل على تعديل الدستور وفقا للمادة 126 منه، وأن يكون ضمن برامج القوى السياسية لمستقبل العراق» بالإضافة إلى «الاتفاق على التفاهمات الانتخابية» فضلاً عن دعوتها الشعب العراقي إلى «الاستعداد للمشاركة الفاعلة والواسعة في الانتخابات المقبلة، من أجل دعم القوى الوطنية المخلصة لتحقيق مطالب الشعب العراقي الوطنية والقطاعية والخدمية».
رئيس حزب «البيت الوطني» أكد أن قرار المشاركة من عدمها يصدر في أيلول المقبل
ووقع على البيان، «البيت الوطني، وتجمع الفاو زاخو، والاتحاد العراقي للعمل والحقوق، وحركة نازل أخذ حقي الديمقراطية، والتيار الاجتماعي الديمقراطي، وجبهة تشرين، وتيار المد العراقي، ود. حميد الشبلاوي، وحركة امتداد».
ويأتي بيان القوى السياسية الناشئة عقب اجتماعٍ موسّع عُقد في محافظة بابل (100 كم) جنوبي العاصمة العراقية بغداد.
مناقشات واسعة
رئيس حزب «البيت الوطني» حسين الغرابي، قال في مداخلات عبر تطبيق «كلابهاوس» إن الاجتماع «شهد مناقشات واسعة حول الانتخابات المبكرة وقرار المشاركة من عدمها بالنسبة للقوى السياسية الجديدة» مؤكداً أنّ «القوى المجتمعة اتفقت بشكل واضح على ضرورة تحقق شروط محددة وتوافر بيئة ممكنة للمشاركة».
وأضاف أنّ «الشروط تركزت في موضوعي البيئة والعدالة الانتخابية، عبر التأكيد على ضرورة تحييد المال السياسي والنفوذ الذي تحظى به قوى السلطة، فضلاً عن السلاح» مبيناً أنّ «المجتمعين وجهوا رسالة إلى الأمم المتحدة لممارسة دورها الحقيقي في التمهيد لانتخابات عادلة».
وأوضح، أنّ أهمية الاجتماع «تكمن في التوصل إلى اتفاقات أولية بين القوى الناشئة حول نقاط أساسية عبر عنها البيان» مؤكداً أنّ «الاجتماع لم يضع فيتو على مشاركة أي من القوى الأخرى المنبثقة من الاحتجاجات».
وكشف، أنّ «القوى السياسية المنبثقة من الاحتجاجات ستعقد سلسلة اجتماعات أخرى بدءاً من الأسبوع المقبل» مشيراً إلى أنّ القرار حول الانتخابات «سيحسم قبل شهر فقط من موعدها في تشرين الأول/أكتوبر».
ترحيب من الناشطين
التنظيم السياسي للقوى والشخصيات الفاعلة في الحراك الاحتجاجي، لاقى ترحيباً لدى الناشطين والنخب العراقية.
الكاتب والصحافي، سرمد الطائي، كتب على صفحته في «فيسبوك» معلّقاً على «لقاء بابل» يقول إنه «ليس مجرد مؤتمر لتشرين وجزء واسع من شركائها. ليس مجرد موقف حكيم حول مشاركة مشروطة في انتخابات الخريف، مقيدة بموقف نقدي من الدستور وواضحة جدا بشأن الضرورة الحاسمة للإشراف الدولي على الاقتراع النيابي المقبل بوصفه أخطر انتخابات عراقية». وأضاف: «التنظيم والإطار الجامع صار الآن هو نقطة دفع حقيقية نحو مراجعة الأداء وتنضيج التصورات. ومنح جمهور تشرين قدرة أكبر على صوغ مطالبهم وتعظيم أصول وطقوس الضغط عند تشرين، وهي أهم جماعة ضغط عرفها العراق».
ورأى أن «جوهر تشرين هو الكشف عن قوة التحول الاجتماعي العميق. والتخلي عن تردد الأحزاب التقليدية وبطئها وتبريراتها، وان يكون العمل السياسي مقاربا لسرعة تحول جيل الشباب وغضبه..مع مراجعات لتنظيم صحيح للغضب والزخم الشبابي».
ومضى يقول: «وهو أمر حقق معجزات وغير قواعد اللعبة في العراق وترك أثره على صورة بلادنا في المنطقة والعالم، وسيمهد لتغييرات عميقة في دور العراق داخل النظام الاقليمي تدريجيا». وأشار إلى استذكار «اللقاء» كلمات للخبير الاستراتيجي هشام الهاشمي (اغتيل مطلع تموز/ يوليو 2020) حثّ فيها «التشرينيون» على تنظيم صفوفهم في تشكيل سياسي لخوض الانتخابات، قائلاً: «استذكر الأصدقاء كلمات الحبيب الراحل هشام الهاشمي. كأنه حضر اجتماع بابل. وفرحوا وفرحنا معهم بدموع الفخر برؤية البيت الوطني وحركة امتداد حاضرين مع بعض يديران خلافات الشباب بحكمة. وحضور طيف واسع يسار ويمين من حكماء البلاد شيبا وشبابا. بإصرار على إدارة التنوع، في المواقف بنحو معتدل ومسؤول أمام دماء الشهداء الشجعان وما منحوه لمن بقي حيا من الناجين».
وختم يقول: «الأيادي مفتوحة. نحو إدارة الخلافات بنهج إعتدال. مع الشركاء والخصوم والدنيا التي تراقب العراق. تشرين تكتب مدونة لمرحلة جديدة من النضج».
كذلك، قال الكاتب والإعلامي والشاعر علي وجيه، معلّقاً على صورة تجمّع المشاركين في «لقاء بابل» في منشور على صفحته في «فيسبوك» إن «هذه المجموعة من أحزاب الاحتجاج الناشئة، يجب أن تُدعم من قبل جمهور الاحتجاج إن قرروا المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات المقبلة، هذه آخر فرصة لاستثمار زخم الاحتجاج من أجل صناعة بديل سياسيّ ضمن هذه الطبقة».
وزاد: «الدائرة الأولى هي أحزاب الاحتجاج، الدائرة الثانية الأوسع والأقرب لها من غيرها هي كل قوى الدولة التي تتحدث بألف باء دعم الدولة والدستور والابتعاد عن السلاح المنفلت والتوترات وضد التوجهات الطائفية والعنصرية». وأشار إلى إن «العمل وفق الواقع هو ما يمكن أن يغير الوضع، تدريجياً، في السياسة لا ينغلق الأفق أبداً» معتبراً في الوقت عيّنه إن «هذا الاجتماع ضروري، حتى وإن لم يتمخض عنه شيء، العقل السياسي هو غير العقل الاحتجاجي».