كاتب بين ضفَّتي المتوسط: نموذج عبدالفتاح كيليطو

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

في مجمل أعمال الكاتب والباحث المغربي الكبير عبدالفتاح كيليطو (1945-…)، من الصعب تجاهل الآخر “الأوروبي” في أيّ منها، وهي في الكثير منها عبارة عن مقالات ونصوص أدبية وثقافية قصيرة. وهذا شاهد عيان بليغ طبعاً، على أنه انطلق من ولادته “الثانية”: الثقافية، وعيناه على الآخر، بوصفه مثال الدرس الذي يغْنيه في كتابة موضوعاته، لا بل ويعرّفه التعريف المعاصر ليس على أدبه العربي “الكلاسيكي” فحسب، وإنما على غالب ثقافته العربية والإسلامية في الوقت نفسه، لتكون ضفتا المتوسط الفاصلتان بين عالم وآخر، بينهما فرْق كبير في اللغة والثقافة والأدب والنظرة إلى العالم، محكَّ اختبار له، ومراجعة ذاتية بين كيفية النَّهل من ثقافة الآخر: الفرنسية التي اعتاد قراءتها والكتابة بها كثيراً، والعربية: لغته الأم وثقافته، وهي بطابعها المركَّب: الديني والقومي بالمقابل.

كيليطو الذي لا يخفي أنَفته، وهو بصدد الحديث عن ثقافة الآخر، الأجنبي “الفرنسي، ومن خلاله، عبر الفرنسية”، وحين يتناول موضوعات مختلفة من ثقافته لا يمكنه إخفاء مدى التأثر بثقافة الآخر هذه: فكراً وأدباً، رغم أنه برع كثيراً، وخلاف نسبة كبيرة من الذين أقبَلوا على الآخر ثقافياً ممن سبقوه أو تلوه، وعاشوا في قالبه دون مراجعة. في هذا النوع من العلاقة المركَّبة في الصميم، يسهل تبيّن طبيعة هذه المفارقة التي تلوّن عالمه البحثي، وفي أمكنة مختلفة من كتاباته. أشير هنا، جهة الإحالة المرجعية إلى أعماله الصادرة عن دار توبقال- الدار البيضاء على صعيد تاريخ طباعة كل منها، بغية الرجوع إليها عند اللزوم.

في التمهيد لكتابه ” الأدب والغرابة”، 1982، ج 2، 2015، يشير بشكل لافت إلى كيفية خروجه من عالمه الضيق إلى ذلك العالم الواسع والذي مثَّلته الثقافة الأجنبية الفرنسية، “لغة المستعمِر سابقاً”، ويظهر كيف أنه استصعب قراءة منبر ثقافي فرنسي وبالفرنسية. الضفة المتوسطية المقابلة لضفته كانت بين يديه، وإنما تتحداه ثقافياً، ولم يجد بُدّاً من الانشغال بثقافتها. وأستغرب كيف أنه لا يستطيع تذكر السنة وليس السنة التي تخص حديثه عن المجلة المذكورة، وقد كانت مفصلية في حياته. وبعدها يحصل ما كان سبباً لظهور كيليطو الذي يعرفه قارئه العربي، إنما الأجنبي وبالفرنسية كذلك في لغة تأكيد الذات: “في ذلك الجو ومع مرور الأيام، تغيَّرت نظرتي إلى الأدب” ص 8.

يتأتى ذلك من في توضيحه لتلك المفاهيم الأكثر قرْباً إليه، واشتغالاً عليها من ناحيته: النص والأدب، وهذا ليس بالأمر السهل لحظة تناول العلاقة التاريخية العميقة بينه كمكوّن ثقافي، تربوي، ونفسي، وطبيعة قراءاته ونوعية كتابته. وهنا يكون الأدب حين ينوّه إلى لزوم التفريق بين الأدب، وهو في مفهومه الخطابي والأخلاقي، والأدب بمفهومه الأدبي الخالص، وكما هو مكتوب بالفرنسية. يستشهد في الحالة الأولى بكتاب ابن La literature، ويؤرخ للثاني، ككلمة تبعاً للسجلّ التاريخي الأجنبي: “المفهوم الذي تؤديه حديث الميلاد لا يتعدى عمره قرنين من الزمن”. ص 21.

إذا تابعنا مسيرة كيليطو الاحترافية، نتلمس الكثير في بنية العلاقة “المتوسطية” في بنيانه الثقافي، حيث يتقطع السرْد تحت وطأة التثاقف، وغواة ثقافة الآخر هنا. في الاستهلال الجديد، والمتعلق بدراسته للمقامة الخامسة للحريري، 1987، وفي الطبعة الجديدة 2015 ص229، وفي إشارة لافتة إلى الشدياق، وكيف ألمح إلى ظهور أسلوب جديد في الكتابة، سوف يعرَف به، وهو بطريقته تلك، كما لو أنه يسدل الستار على الحريري، الرمز الثقافي العربي – الإسلامي قبل ثمانية قرون: “ذلك أن أفول الحريري تزامن مع اللقاء بالأدب الأوروبي وما نتج عنه من استشراف آفاق جديدة في الكتابة. ليس بالإمكان وضع تاريخ محدد لهذا التحول، لكن سنة 1885 قد تكون دالة ، فخلالها نشر اللبناني أحمد فارس الشدياق في باريس – وهذا شيء له دلالته ولا يجوز إغفاله – الساق على الساق، سيرة ذاتية بضمير الغائب. أعلن الشدياق على الفور أن القارىء لن يجد في تصنيفه أسجاعاً ومحسنات بديعية، وأضاف بلهجة متعالية أن ما على المولعين بهذه الأمور إلا التوجه إلى مقامات الحريري”.

كيليطو يؤرخ لعلاقة شهدت انزياحاً في مفهوم التعامل مع الذات والآخر طبعاً. سوى أن هذا التأريخ من لدن كيليطو بالذات يشكّل شاهد عيان آخر وأمضى، وهو يضاف إلى جملة المؤثرات التي كان مسرحاً ذاتياً لها، وانشغل به، وكتب في مناخها أيضاً، كما لو أنه، ومن خلال المثال الأول، كان شدياقياً، وإن لم يصرّح مثله مباشرة .

في كتابه “ترحيل ابن رشد”، 1997، ج1، ط2، 2018، هناك بحث يخص به “أسباب السفر” ومن خلال ابن بطولة، الأشهر من أن يعرَّف. يتناول فيه أسباب سفره، ويوجز إحدى النقاط في إنارة رحلته، بأن المقصد منها طلب العلم: الرحلة كذلك محفورة بالرغبة “والواجب” في لقاء أهل العلم حيثما يوجدون. ص 68. ربما كان ذلك كافياً، وإلى درجة ما، لمعرفة بنية الهاجس الثقافي لدى كيليطو، كاسم كبير، ومن خلال مجموعة معتبَرة من مؤلفاته، ضمَّت قصصاً ورواية كذلك. إن أول ما يمكن التأكيد عليه هو أنه دائم السفر، إن لم يكن عملياً (أي انتقالاً) من مسقط رأسه إلى العالم الأوروبي، وفرنسا، بصورة خاصة، فإنما من خلال ترحالاته بين الكتب، أو داخلها أيضاً.

إنه بمفهومه “البطّوطي”، إن جاز التعبير، لا يمضي إلى هذه الجهة الثقافية أو تلك، لينقل عنها ما هو موجود فيها، ومن منطلق انتمائه إلى ثقافة مكتملة، وعالم سياسي مشهود له بالقوة، وإنما، ربما، بالعكس من ذلك، لأنه كان يستشعر ضعفاً في التكوين السياسي، الجغرافي، والتاريخي الذي عاش في ظله، وطلب أسباب القوة الذاتية. خصوصاً وأنه كان، وإلى الآن، على دراية صريحة أو مضمرة أن المميَّز بالثقافة، والممنوح احتراماً، هو الذي ينتمي إلى الضفة الأخرى للمتوسط. ولهذا، فإن كيليطو عُرِف فرنسياً، قبل أن يعرَف عربياً كمكانة بحثية أو ثقافية، وأن هذه المكانة التي لا تخفى في بلاده، وعالمه العربي بالذات، إنما مرتبطة بتلك اللغة التي كتب بها، وأجادها، وسطّر موضوعات مؤثّرة بطريقتها.

كيليطو لا يخفي هذا النزوع اللامستقر في فعل الارتحال أدباً وفكراً، صنعة كتابة، وأسلوب متخيل وتفكير، جهة علاقته بثقافة الآخر، وهو يعلَم جيداً، أنه بالطريقة تلك يضمن بقاءه أكثر، ويصغى إليه أكثر في الوقت نفسه. وربما أمكن الوقوف على جانب من الرثائية لثقافته التي يعرَف بها بداية، وهي في وضعية جمود، أو عدم تفعيلها، من خلال التفاعل مع متغيرات العالم، وكيفية الصعود إلى حيث تكون الحياة الفعلية، ومأساة هذا الوضع المستدام. وربما أمكن، بالمقابل، تبيُّن ذلك الألم الذي يعانيه، وهو يعيش استمرارية هذه المأساة، واستفحال البؤس الثقافي وسواه.

كيليطو، يعرَّف به فرنسياً، أكثر من التعريف به عربياً، رغم وجود اعتبار معلوم له، ولكنه دون الثقافة التي تشهد زخماً مستمراً، وتحولات مستمرة، وانفتاحاً على العالم، ونقوداً لا تهداً لمختلف مفاهيمها، وفسحة الحرية المتشكلة هنا، والتي تعرَف بباعها الطويل، جهة المفردات القائمة، والأرضية المساعدة على طرح أي موضوع خارجاً دون تردد.

في الحديث عن يوم مشهود له تاريخياً، بصدد جثمان “ابن رشد” والأثير كثيراً على كيليطو (ج1، ص63-64)، ويقرَأ عنه في أكثر من مقال وبحث، هناك إشارة مفعمة بالحزن العميق، أو الحِداد الذي لا يبدو عليه مفارقاً لأهليه إلى الآن. يشير في “ترحيل ابن رشد”، وقبل ثمانية قرون، استناداً إلى ابن عربي في ” الفتوحات المكية “، حيث تقابلَ تابوته ومؤلفاته “يا للروعة الصادمة حقاً!”. ويتم نسيانه، حتى يعاد “إحياؤه” أوروبياً، وهو مبعث فخار هنا: “ستدفن الجثة في قرطبة، لكن الكتب ستتابع السفر. ستُترجَم إلى العبرية، ثم إلى اللاتينية، ووجودها سيطبع بقوة النقاش الفلسفي حتى القرن السادس عشر… سيحيا” أي ابن رشد، “عند اللاتين حياة بعد الوفاة”…الخ.

هذه الكتابة لا أعتقدها سُطّرت، فقط للتنويه إلى لائحة المفارقات في الثقافة التي ينتمي إليها، وإنما للتأكيد على أن ابن رشد ما زال رحالة أمكنة، أو بدقة أكثر، ما زال ترحيله المعنوي قائماً، ومن خلال كم وافر من الدلالات، طالما أن هناك عملية انتقال الباحث عما هو معرفي، والأهم، عما يجعله كائناً يتنفس الحرية والأمان والاستقرار، ويكون له شأن. وكأن كيليطو هو ابن رشد، كأن ابن رشد يجد مبتغاه في كتابة كيليطو، إعلاماً ببؤس الجاري عربياً، ودون التقليل من خاصية جرح كيليطو النازف، وهو يقبِل على تناول موضوعات كهذه. إنما، في الوقت نفسه، إلى أن كيليطو، وهو مقيم على الضفة التي تصله بأهله وأسلافه، تتراءى عيناه وهما تتركزان على الضفة الأخرى، بمقدار ما تتابعان كل جديد هناك، مهما أبدى من تحفظات على نوعية علاقة الآخر “الأجنبي” بتاريخه ومن ينتمي إليه، حيث تكاد المقارنة تنعدم، على وقْع تفاوتها، ليكون كيليطو، بطريقة كتابته هو الآخر لنفسه، الآخر للمحيطين به. وربما أكثر من ذلك، الضفة المتوسطية الأخرى، والتي تحاول تحريك الساكن في المساحة الواسعة، بل الهائلة من جغرافية متوسطه، والتي تتعدى نطاق الصحراء، بمعان شتى، حيث يناوب بين التحدث، وكذلك الكتابة بلغتين: لغته المفجعة له، ولغة الآخر الموجعة له، بعائدها النفسي وأبعد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية