كاظم الساهر… ومآلات الصورة الأيقونية الأخيرة في الثقافة العربية

يُقدّم المغني والملحن العراقي كاظم الساهر، في إطلالته الإعلامية كافة، صورة شديدة الاتزان والرزانة، إذ تبدو أقواله وتصريحاته مدروسة بعناية، ومطروحة بتناغم واتساق منطقي، يجعلها أقرب إلى خطاب ثقافي مبسّط وموجّه للعموم، وهي حالة نادرة في الثقافة الجماهيريةPop Coulter ، خاصة العربية منها. وباتت أكثر ندرة في السنوات الأخيرة، بعد أن صار استهلاك تصريحات النجوم الإشكالية وفضائحهم، بل تفاصيل حياتهم، جانباً من شعبيتهم ونجوميتهم نفسها، عبر «تريندات» على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تتصاعد ثم تختفي فجأة، ويمكن اعتبارها الآلية والمظهر الأساسي في الثقافة الجماهيرية المعاصرة.
الساهر يبدو أقرب للمفهوم الكلاسيكي عن صانع الرأي والذوق الفني العام، يلعب دوراً توجيهياً، متقدماً بخطوة أو خطوات عن جمهوره، ومانحاً له «المثال» أي الصورة المقبولة اجتماعياً، التي تدفع هواتها للتماهي معها، ليشعروا بأنهم أفضل أو أرقى، اجتماعياً وأخلاقياً ونفسياً. لا ينتظر صانع رأي من هذا النوع حكم جمهوره عليه، بل هو من يمدّه غالباً بالقيم والتصورات، التي تمكّنه من الحكم على القضايا المختلفة. بعبارة أخرى يمكن القول إن الساهر يرى نفسه مُنتجاً للدلالات الثقافية، وليس مجرّد مُصدِّر لمظاهر وعلامات وأشكال جذّابة، قابلة للاستهلاك والتداول.
لا يمكن اعتبار هذا المظهر الكلاسيكي عارضاً في أداء الساهر وخطابه، أو نتيجة لتقدّمه في السن والمكانة، وترسّخ قيمته الفنية فقط، بل ربما كان ملازماً لمشروعه منذ بداياته، فبالارتباط مع الجانب الموسيقي البحت في أعماله، الذي يمكن أن يختلف حول تقييمه المختصون في هذا المجال، عمل الساهر بعناية على عدد من المفاهيم، التي صنعت صورته الأيقونية في أذهان جيل كامل من المتلقين العرب، وعلى رأسها الرهافة والاضطهاد والغربة والهوية، وكل مفهوم من هذه المفاهيم تطلّب منه أداءً ثقافياً شديد التعقيد، رغم سلاسة وصوله إلى المستمعين والمشاهدين.
إلا أن نموذج الفارس الرومانسي، القادم من بلد مظلوم؛ القادر على التسامي على ألمه الشديد والمزمن، وتقديم صورة «حضارية» عن الذات الفردية والجمعية للعالم بأسره، ربما بات ينتمي إلى زمن آخر، رغم كل الاحترام الذي ما يزال يتمتع به. إذ لم يعد قادراً على جذب جمهور جديد من الأجيال الأحدث، ولا حتى دفع المعجبين القدماء على المتابعة والتفاعل بالحماس السابق نفسه. يبدو الاحتفاء بالساهر اليوم أقرب لنوع من النوستالجيا لفترة من حياة المستمعين، لا يمكن أن تُبعث وتعود فاعلة من جديد. وعلى الأغلب لن يرجع زمن تكون فيه أغانيه هي الظاهرة الفنية الأبرز. وقد يكون لهذا أسباب تتعلق بانقضاء الشرط الثقافي والسياسي والاجتماعي، الذي بنى فيه صورته. فما الذي تغيّر فعلاً، ليجعل من الساهر صورة كلاسيكية محترمة، لكن منتهية الفعالية؟

إنقاذ «المينستريم» العربي

في الفترة التي عرفت أوج شهرته، بين نهاية ثمانينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، قدّم كاظم الساهر نفسه بوصفه قادراً على الجمع والتوفيق بين عدة مجالات ثقافية وزمنية واجتماعية. فهو كان الوسيط الأكثر شعبية بين الثقافة والموسيقى العراقية، المحاصرة لأسباب سياسية، وجمهور المتلقين في بقية العالم العربي. كذلك كان قادراً على المزج بين ما عُرف بموسيقى «الزمن الجميل» و»الموسيقى الشبابية»؛ بين اللهجات المحكية والعربية «الفصحى»؛ مزاج المثقفين المحبين للاستماع للقصائد، ومزاج العامة الأميل للكلمات والإيقاعات البسيطة والسريعة. تعامله مع شعر نزار قباني، الذي كان من أكثر العلامات أهميةً في مسيرته، هو المثال الأبرز عن هذا، فهو قد أعطى قصائد الشاعر السوري، الذي لم تكن تنقصه الشهرة والانتشار، القدرة على الوصول إلى شرائح أوسع، خارج جمهور القرّاء المواظبين؛ ومنح ألفاظ الحب والفراق والشغف، التي تمتلئ بها أشعاره، دلالات جديدة، إذ صارت تعبّر عن مغنٍ عراقي عانى من الاضطهاد الفعلي، وليس عن شاعر دمشقي بورجوازي، حظي في حياته بكل أشكال الامتياز.

قد تُبكي أغنية مثل «احبيني بلا عقد» من هم في منتصف العمر اليوم، لكن كل ما فيها من عناصر صار من الماضي. هنالك جيل جديد لا يعرف الكثير عن حصار واحتلال العراق، وربما لا يستطيع تحديد تاريخ سقوط بغداد؛ أسلوب عمل شركات الإنتاج الفني، وشروطها التمويلية والرقابية اختلفت؛ بل حتى حنان الترك، شريكته في الأغنية، تحجّبت، وباتت تعتبر التمثيل والرقص خطيئة.

دور الوساطة والتوفيق هذا، الذي لعبه الساهر، أعطاه القدرة على تمثيل أكثر القيم انفتاحاً وتمتعاً بالاحترام في الثقافة العربية السائدة، في زمن كان نموذج دولة الاستقلال العربية، التي رعت هذه القيم وأنتجتها، يضمحلّ وينهار. وإذا كان مغنو «الزمن الجميل» مثل عبد الحليم حافظ، أبناء بارين ومدللين لتلك الدولة في عز ترسّخها، فإن الساهر، الذي يشبّهه البعض بحليم، كان ضحية لها، أو للنتائج الكارثية التي أوصلت إليها رعاياها مع انهيارها. رغم ذلك عمل على استعادة ما اعتبره، هو وجمهوره، أفضل ما خلّفته من قيم. عندما يغني الساهر عن بغداد مثلاً فهو لا يقدّم لنا المدينة التي كان المعارضون وأبناء الأقليات يُسحلون ويُعدمون في شوارعها، بل المدينة العريقة، التي يجوب فيها شعراء وعشّاق وناس طيبون، يعانون من شرور وآلام، مصدرها غير محدد بوضوح، لكنهم قادرون على الاستمرار في الحب والحياة.
ساهم الساهر، من خلال هذه الصور الرومانسية، بإنقاذ التيار الرئيسي ضمن الثقافة العربية، في فترة شديدة الصعوبة. يمكن اليوم توجيه نقد كثير، من زوايا متعددة، للمفاهيم التي قدمها عن العواطف والأوطان والنساء، وكذلك ربطه الدائم بين هذه المفاهيم: الوطن المعشوق امرأة، والمرأة المحبوبة وطن. وما يحدد كل هذا ذات رجل مضطهد. قادر، رغم كل معاناته، على الافتخار بشغفه بكل ما يراه على هيئة ووظيفة الأنثى المثالية، في نمط خاص جداً من النرجسية. إلا أن الساهر لم يخترع هذه المفاهيم، بل كانت سائدة قبله بعقود، وكل ما فعله هو أنه أعاد إنتاجها بأسلوب جذّاب، مانحاً جمهوره ما يمكن الإيمان والتمسك به، في عالم يغرق ببطء.

«الرهافة» قيمةً سياسية

إلا أن الرهافة التي طبعت أغاني كاظم الساهر لم تكن مجرد عارض لنرجسية ذاتية مترسخة في التيار العربي الرئيسي، سواء كانت عاطفية أو أخلاقية أو جندرية، بل كانت أيضاً تركيباً سياسياً وثقافياً معقداً، يبدو أن الساهر وفريقه عملوا عليه بوعي شديد. في التسجيل المصوّر لأغنيه «احبيني بلا عقد» الصادرة عام 2004، نجد مزجاً واستخداماً بارعاً لعناصر متعددة: قصيدة شديدة الحسيّة لنزار قباني، انتُزعت منها كل المقاطع التي يمكن أن تثير حفيظة الرقابة؛ لحن بكثير من الانتقالات المقامية الصعبة، لكن بإيقاع سريع وشعبي؛ مقاطع وثائقية عن قصف واقتحام بغداد، إلى جانب الرقص والأداء التمثيلي، الذي قدمته الممثلة المصرية حنان الترك. لتكون النتيجة أغنية تعطي الانطباع بأنها أثقل من أن تكون مجرد أغنية عاطفية، بل أغنية عن مأساة العراق، وربما العالم العربي كله. وفي الوقت نفسه فإن كل هذا «الثقل» منزوع الأشكلة، لن يسبب صداماً مع أي سلطة كانت، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، ولذلك نال كل دعم ورعاية الشركة التي أنتجته، والتي تنتمي، للمفارقة، لبلد أيّد احتلال العراق.
«الرهافة» بهذا المعنى تعني القدرة على التعامل مع العناصر شديدة التناقض؛ والممنوعات الكثيرة والمتعددة، التي تشكّل الشرط الثقافي والاجتماعي العربي، للوصول إلى تركيبات تبدو أنها تقول الكثير، لكنها في الواقع تتجنّب أن تقول شيئاً محدداً؛ تشكّل جزءاً أساسياً من الثقافة الجماهيرية وقيمها، لكنها توحي بأنها أكثر رقياً ونخبوية منها. أي أن الساهر تمكّن من أن يكون عاشقاً مثقفاً جامحاً، دون أن يثير استياء الآباء والمستبدين والممولين. لكن هل ما يزال هذا النمط من «الرهافة» ممكناً؟

الأيقونة خارج عالمها

يبدو أن العالم، الذي كان قابلاً لرهافة كاظم الساهر، قد ولّى دون رجعة. التيار الرئيسي للثقافة العربية تفكك إلى كثير من المفاهيم والأفكار والفرعية، التي لم يعد أي منها قادراً على تحقيق الهيمنة. وما كان يُعتبر قضايا متسامية لم يعد ينال أي نوع من الإجماع، فضلاً عن أن نموذج الفنان/المثال تراجع لمصلحة نموذج «المؤثّر» الذي لا يسعى لإنتاج الدلالة بقدر ما يهتم بلفت الانتباه. كما أن هاجس معظم الناس صار كيفية الاستمرار بالحياة رغم الأزمات، وليس استعادة قيم ثقافية وجمالية ما.
قد تُبكي أغنية مثل «احبيني بلا عقد» من هم في منتصف العمر اليوم، لكن كل ما فيها من عناصر صار من الماضي. هنالك جيل جديد لا يعرف الكثير عن حصار واحتلال العراق، وربما لا يستطيع تحديد تاريخ سقوط بغداد؛ أسلوب عمل شركات الإنتاج الفني، وشروطها التمويلية والرقابية اختلفت؛ بل حتى حنان الترك، شريكته في الأغنية، تحجّبت، وباتت تعتبر التمثيل والرقص خطيئة.
وحده كاظم الساهر من حافظ على صورته الذاتية رغم كل هذه التغييرات، وربما تحافظ موسيقاه بدورها على مكانتها، بوصفها من كلاسيكيات الغناء العربي، وهي مكانة لن يؤثر فيها بالتأكيد أي نقد ثقافي ممكن.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية