كان الجزائري صامتا ومحبوبا، تكلم فصار منبوذا

حجم الخط
1

■ عرضت قناة «كنال +» الفرنسية، قبل شهرين، سلسلة بعنوان «الهمج»، تسرد قصة ديستوبية، تفضي أحداثها إلى وصول مُهاجر جزائري يُدعى إيدير شاوش إلى قصر الإليزيه، بعد فوزه في انتخابات رئاسية، ضمن وقائع تناقض ما ذهبت إليه رواية «استسلام» لميشال ويلباك (التي ترشح بنظرة سوداوية مهاجراً اسمه محمد كي يحكم فرنسا)، ولكن قبل أن يجلس إيدير شاوش على الكرسي، سوف يتعـــرض لمحاولة اغتيال، والمتهم ـ كما كان متوقعاً ـ جزائري آخر، هكذا هي إذن صورة الجزائري، في الشاشة، في الأزمنة الراهنة، سرعان ما يعـــــزل في خانة سلبية، يحلم بأن يصير عنصراً مؤثراً، أن يكسب ثقة وتعاطف من حوله، بدون أن يفلح في تخطي دائرة «التوحش»، التي تستملح الكاميرات حصره فيها.
لا يزال هذا الجزائري مرادفاً للعنف والحقد في الإنتاجات الفنية الكبرى، إلا ما ندر منها، يتقمص كل مرة جلد من يؤمن بالمؤامرة، ويدعي أن التاريخ غدر به، صورته تلتصق بصور أحياء سكنية عشوائية، وبجنح وجنايات وإسراف في استيراد الدين، والتباهي بفحولة فجة وفي خنق حقوق المرأة.
هذه هي الكليشيهات المتداولة، التي لا يمكن أن ننفيها كلها، والتي رافقت صورة الجزائري في أفلام كثيرة، مع أن ما حصل في بدايات السينما ناقض ما يجري اليوم، كان الجزائري يرفل في صورة مثالية، كان ملهماً، لكن ذلك حصل في ماضٍ بعيد، يوم كانت الشاشة صامتة وبلا ألوان. عام 1921، اكتشف العالم ممثلاً سوف يصير من أيقونات هوليوود، اسمه رودولفو دي فالونتينا (1895- 1926)، لكن بدءاً من ذلك العام تقمص اسماً فنياً: رودولف فالنتينو، وأضاف إليه الناس كنية «العربي»، وتداول آخرون سنوات طويلة تسمية: «الشيخ فالنتينو»، هذا الشاب الذي حل في نيويورك كمهاجر، نام في الساحات العامة، واحترف مهناً صغيرة، مرة كان بستانيا ومرة أخرى نادلا في حانة، راود السجن زمناً قصيراً ونام ببطن خاوية، قبل أن يصير راقص تانغو، ويتسلل إلى هوليوود بصفة راقص، شارك في البداية بصفته كومبارس في عدد من الأفلام، مقابل بضع دولارات، أحياناً أقل من مئة دولار نظير تصوير يدوم أسبوعاً كاملاً، بدون أن يتخلى عن طموحه في أن يجسد دوراً رئيسياً في فيلم ما، طال انتظاره أشهراً وكاد يهجر السينما، قبل أن يُصادف عرضاً سوف يحوله نجماً، ويجعل من الجزائري نموذجاً في الشاشات الغربية، حيث جسد دور البطولة في فيلم «الشيخ» للمخرج جورج ملفورد.

لا يزال هذا الجزائري مرادفاً للعنف والحقد في الإنتاجات الفنية الكبرى، إلا ما ندر منها، يتقمص كل مرة جلد من يؤمن بالمؤامرة، ويدعي أن التاريخ غدر به، صورته تلتصق بصور أحياء سكنية عشوائية، وبجنح وجنايات وإسراف في استيراد الدين

شاهد الناس رودولف فالنتينو في صورته الجزائرية، بزي تقليدي؛ يرتدي قندورة ويعتمر شاشاً، يدخن النارجيلة ويركب أحصنة عربية، ورغم أن الفيلم صور في أستديو هوليوودي فقد كان مطابقاً للواقع، كما جاء في الرواية التي حملت العنوان ذاته، والتي أقتبس منها، والتي تدور في مدينة بسكرة، وفي الصحارى المُجاورة لها، لقد كان ذلك الفيلم سبباً في أن يتعرف الأمريكي على الجزائر، بل إنه نشّط وكالات سياحية، وصارت ـ بحسب تقارير صحافية حينذاك ـ نساء كثيرة يحلمن بالوصول إلى الجزائر، إلى صحرائها تحديداً، وملاقاة شيخ جزائري يشبه الشخصية التي جسدها فالنتينو، يختطفهن ويحتجزهن في خيامه ويقعن في حبه، لقد روج ذلك الفيلم صورة حالمة عن الجزائري، استشراقية، خلصه من الكبت الذي يعيش فيه، داواه من سطحيته في تعامله مع المرأة، وهجره لمشاعر الحب، وصالحه مع واقعه، ورغم أنه فيلم صامت، بالأسود والأبيض، فقد استمال المشاهدين، بفضل عفوية ووسامة الممثل الرئيسي، لقد كان ذلك الإيطالي سبباً في إدخال الجزائري إلى قاعات السينما، في أمريكا وأوروبا، سحبه من عزلته، وكرس صورة مرغوب فيها عنه، ذلك ما حصل يوم كانت السينما صامتة، والجزائر كانت أيضاً صامتة، بكماء ومستأنسة بحياتها تحت الاستعمار، في بدايات القرن العشرين، لاسيما في الجزء الجنوبي منها (حيث تدور وقائع فيلم «الشيخ»)، سطعت صورة جزائري «فحل» وجواد، لا يخجل من البوح بمشاعره تجاه امرأة، بما يتوافق مع أحلام العاشقات الوردية، لكن تلك الصورة ظلت يتيمة، محتجزة في ماضٍ لم يتكرر، ولاحقا سوى يختفي الجزائري من السينما، إلى غاية ما بعد حرب التحرير، وقد تكرست حينذاك السينما بالصوت والصورة الملونة، وانقلبت اقتباسات الجزائري من رومانسية إلى عنف وغلاظة، ولم يقتصر الأمر عما ورد في أعمال أجنبية، بل إن مخرجين محليين روجوا تلك الصورة، ولا ضرر من الإقرار أنها تحمل شيئاً من الحقيقة، مع بعض التحامل مرات.
بعد الحرب العالمية الثانية، تحول اهتمام هوليوود بعربي الشرق الأوسط، وتراجع نظيره في شمال افريقيا، لاسيما مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وكثرت صورة العربي «القبيح»، إمحت صور الصحراء والإيكزوتيكية ونابت عنها صور دم، بينما اكتفى الجزائري بالتداول في السينما الفرنسية، مرة مهاجراً، يقيم في أحياء فقيرة في ضواحي المدن، متورطاً في جرائم وفي خبائث وممنوعات، ومرة في صورته الأكثر ابتذالاً في أفلام عن حرب التحرير، أفلام على كثرتها تكاد تتطابق، وكثيراً ما صادفنا صوراً عنصرية عنه، باعتباره فرداً طارئاً على المجتمع الفرنسي، تعذر عليه الاندماج، واستمر على ذلك المنوال إلى الثمانينيات، مع ظهور الجيل الأول من ممثلين فرنسيين، ذوي أصول جزائرية، حاولوا ترقيع تلك الصورة السيئة التي أشيعت عنهم، لكن أحداثاً ووقائع وجرائم تصدرت الصحف، أبطالها من جزائريين مهاجرين، كانت كل مرة تعيد القادمين من هذا البلد إلى خانة البداية، ثم بزغ مخرجون من أصول جزائرية، توجهوا مباشرة للصالات الفرنسية، وللمتفرج الفرنسي، من بينهم محمود زموري، مهدي شارف، يمينة بن غيغي وغيرهم، مع ذلك ظلت أعمالهم على الهامش، بالمقابل كلما تعمقت أفلام فرنسية لمخرجين فرنسيين في شؤون بوليسية، أو في قضايا جريمة، يندر أن لا نُصادف فيها مهاجراً جزائرياً، أمام هذا الواقع، يبدو أن تسويق صورة الجزائري، كما وردت في سلسلة «الهمج» لم تكن نشازاً، بل سايرت تطورات صورته في السينما، قدمته في البداية رجلاً ناجحاً، يصل إلى حكم فرنسا، قبل أن يصير مجرماً مطلوباً من العدالة.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية