لا تنجح الرواية القصيرة، كما يَعْرف كُتّابها ونُقّادها وقُرّاؤها، إنْ لم تتميزْ بظلّ طويلٍ يمنح خِفّتها ثُقل الجلال. ويُقيمُ النجاحُ هنا تحدّياً حقيقياً للكاتب من جهة صعوبة ملء وعاء صغير بماء أكبر بمتطلباته من حجمه، حيث ستجد شخصياتٌ ضروريةٌ نفسَها خارج الرواية أو ناقصة أعضاء، تسير باحثةً عن مؤلف بوزن لويجي بيرانديللو يكشف لها وبها العلاقة بين المؤلف وشخصياته. وليس من الغرابة في شيءٍ إن اكتشفنا أنّ من يجيدون كتابةَ الرواية القصيرة بقدرة التركيز العالي والخروج بـ «الخُلاصة» التي تمدّ قارئَهم بالعطر ما شاء له أن يمدِّد بكحول الإضافات التي تخصّه في أرجاء حياته؛ هم الشعراء، بسبب ما يتميز به الشاعر من قدرة التكثيف والاختزال بالمجاز وتضييق العبارة إلى ما لا يحدّ من اتساع الرؤيا.
ويبدو أن إنتاج روايةٍ يُقاس نجاحُها بالشواهد المؤثّرة التي لا تخلو منها صفحةٌ، لا بعدد الصفحات التي تحوي شاهداً في كل عشر منها، هو ما قامت به الشاعرة المغربية عائشة البصري في روايتها القصيرة المركَّزة «كجثةٍ في رواية بوليسية»، لتزوّد قارئَها بالتحريض على التساؤل أكثر من تقديم أجوبةٍ له، عن وجوده في واقعه الذي حدّده وعيه، وإلى أين تمضي جثّته وروحه التي انفصلت عنها إن كانت قد انفصلتْ. والأهمّ الذي تتمحور حوله الرواية: حقيقة حياته وأعماله التي أمضاها قبل أن يستحيل جثةً من زيفها الذي راكمه هو نفسه والآخرون الذين تداخلوا بشخصيته إلى درجة الحيرة إن كان قد ظل على ما هو نفسه أم هو شخصياتهم. وتزيد البصري إحارة قارئها ومنحه نوافذ نور في هذه الحيرة بتركيزها على شخصية الكاتب وعلاقته بشخصياته، من جهة أن الكُتّاب هم الأكثر ارتكاباً للتداخل والتزييف بين شخصياتهم وشخصيات رواياتهم، والأكثر إحارة للقارئ في التمييز بين من هو الحقيقة ومن القناع بينهم وبينها.
والأهمّ الأهمّ هو محاولة إيقاف القارئ أمام ميزان أعماله في الخير والشر عارياً من ثياب الزّوغان والتزييف، وفق إصرارِ مساعدة المقرّر على عدم مغادرة الجثة قبل جلاء الحقيقة، وإقامة الثنائيات التي يسير بها تشويق الرواية على صعيد فنيتها: بين جثة الرواية البوليسية وجثة الرواية بدءاً من العنوان: بين الوجود والعدم، الموت والحياة، الواقع والواقع الافتراضي وصولاً إلى نهاية الواقع، حيث يأتي قرار الرّاوية ألّا تَسقط في واقع المُقرِّر ومساعدته: «انحسر الخوف… لحد الآن أنا المنتصرة في هذا الحوار. ما زلت على الحافة، حافة أيّ شيءٍ وكلِّ شيء، لم أسقط بعد. ومع ذلك يجب أن أظلَّ حذرةً، فبمجرد أن أخطو داخل واقعهما سأفقد واقعي إلى الأبد». وبين الحياة ما قبل الموت الأول، والحياة ما بعده حتى بداية الموت الثاني، بين حياة الرّاوية الافتراضية ككاتبة، وحياتها الواقعية مع ناسها، بين الواقع والمتخيَّل، شخصيةِ الكاتب وشخصيات روايته، غرفِ تقرير المصير والخارج الذي يُلقي بالجثث في هذه الغرف، حيث: «ليس هناك توافقٌ زمني بين ما يقع في الغرفة، وما يصل من الخارج عبر مكبّر الصوت وجهاز اللاسلكي». بين مساعدة المقرِّر والراوية نفسها كمرآةٍ تُحرّض على كشف حقيقة النفس وزوغانها عن الحقيقة، بين الكاتبة ورواياتها التي تُوْرِدها كأسماء موازية لرواياتها أو كأحلام روايات لم تنجزها بعد، مثل: العدم عميقاً، اللواتي، الموشومات، ومنسيات الحروب التي هي من بلد بعيد وزمن آخر يُذكّر بالأكوان المتوازية، التي تُذْكَر فيها قطة صهباء.
وبين الشِّعر والرواية والرواية والواقع، حيث: «آه، فهمتُ، تريدني أن أتحدّث عن التحول من الشعر إلى الرواية؟ هذا السؤال طُرح عليَّ كثيراً بعد التاريخ الذي ذكرته، لأنه التاريخ الذي كتبت فيه أول رواية، حين قررت أن أقول الحقيقة وأسَمّي الأشياء بمسمّياتها… لم أقصد ذلك التحول، أو على الأقل، لم أتعمّده. بعد العودة من النفق، أصبحت الأشياء أكثر وضوحاً. لنقل إنني عدت بضوء في داخلي أنار عقلي، فاتضحت الرؤية…/ ـــ لا نريد حياتك الافتراضية، تهمنا حياتك الواقعية، الأولاد، العائلة الكبيرة، الأصدقاء، نجاحاتك، فشلك، خيباتك».
روايةُ «كجثة في رواية بوليسية»، التي لا علاقة لها بالرواية البوليسية كما يثير العنوان من توجيه، تمشي على صراط التضادّ الأدقّ من الشَّعرة والأحدِّ من السيف في تركيبها الذي يعتمد التباس العوالم إلى درجة الدخول في فلسفة الأكوان المتعدّدة وفق فيزياء الكم، على صعيد المصير الشخصي، ووضع تصورات مغايرةٍ عن مصير الإنسان العام بغاية تخفيف خوفه من الموت، وجعله متقَبَّلاً، بفلسفة أنه: «لو آمن البشر أن الموت عبورٌ وليس نهايةً، تواجدٌ آخر بشكل مختلف، لذهبوا إليه مطمئنّين راغبين»؛ في ظلّ أزمنة الوباء المرعبة المهدِّدة لمصير الإنسان ومصير البشرية ككل، بتخصيصٍ واضح وجليٍّ ومتابع بدقة، وفق سيناريو مبتكَر في الرواية، لردود أفعال وسلوك البشرية في جائحة فيروس كوفيد 19 التي عرفت باسم كورونا، وبتفاصيل مرعبة تكشف حيرة البشرية ولجوء بعضها في النهاية إلى خيار «مناعة القطيع» الذي يعني التضحية بالمسنّين أجداداً وجداتٍ وآباء وأمهاتٍ، وصراع البشرية حول هذا الخيار.
كبنيةٍ مبتكرة في فن الرواية، تضعُ البصري روايتَها في ثمانية فصول بأرقام من دون عناوين، وبمنظومةِ سرد تعتمد راويةً واحدةً هي فاطمة أو سعيدة وفق شغل الرواية على الثنائيات بخلاف الأب والأم على تسمية مولودتهما. وتقيم البصري جسراً بين غرفة التحقيق الطبية المحيِّرة بين الواقع والافتراض من حيث وجود كلّ ما فيها وفق وعي الراوية بوشوك اكتمالها جثةً، على شكل مثلث بما في ذلك السقف والنوافذ، وبين الخارج الذي يأتي إلى الغرفة عبر مُكبّر صوت جهازٍ لا سلكي تضع البصري بياناته بالأسود العريض تمييزاً له في الثنائية، وتحدّد من خلاله زمن الرواية بوقوع جائحة كورونا. وتُجري البصريّ روايتَها من البداية حتى اللانهاية وفق هذه الثنائية: تحقيقٌ مع امرأة كاتبةٍ حول حياتها الثانية من مقرِّر عبور الجثث ومساعدته، بعد هربها من موت حياةٍ أولى تمّ تدوينها من مقرري عبور الجثث بتاريخ فاصل هو السادس من شباط/ فبراير عام 2010، يتضح بعدها أنه تاريخ انتقالها من الشعر إلى الرواية وإنتاج روايتها الأولى.
وفي هذا التحقيق الذي سيقرّر مصير ذهاب جثتها، تكشف البصريّ أبعاد شخصية بطلتها الكاتبة، والشخصيات المرتبطة بها، باختزال ربّما تمنّى العديد من القراء لو كان ممتداً أكثر لزيادة كشف عوالم تداخل العوالم الممتع والفاتح لتساؤلات أكثر غيرِ شافية مهما امتدّت لعطش الإنسان حول معرفة مصيره. واكتفتْ منها الكاتبة ظاهراً بما يضيء خصوصها ككاتبة مرتبطة بشخصياتها المخلوقة وقارئها، وزادتها جوهراً بما يضيء عمومَ مواقف الكُتّاب والكاتبات اللواتي تبنّين قضايا النساء وتنطّحن للدفاع عن حقوقهنّ في العدالة والمساواة، حيث يأتي ندمُ الرّاوية: «ندمت، أنني لم أنتبه إلا في وقت متأخّر إلى أن تربيتَنا كإناثٍ على خدمة الجنس الآخر، هي التي قادتْنا إلى عبوديةٍ متسلسلة. جعلتْنا إماءً لآبائنا، لأزواجنا، لأبنائنا عن طواعية. ندمتُ لأنني حملتُ شعارات زائفةً وقتاً طويلاً».
وتزيد البصري جوانب كشف شخصية بطلتها من خلال التساؤل إن لم يكن شعورُها بتعاطف المحقّق الذكر معها هو نوع من متلازمة ستوكهولم في التعلّق بمضطهدها، وكشف بُعدٍ مفاجئ في شخصية المساعدة العدوانية التي تُصرّح لها أخيراً: «من الغباوة أن تظنّي أنني ضدّك، لأنك أنايَ. أنا وأنتِ من عالمين مختلفين، لكننا من نفس الكروموسوم. أنا غاضبةٌ منك، من خنوعِك، من سلبيتك. تقريرُك أغضبني كامرأة. كنت أنتظر عودة امرأةٍ أخرى أكثر إيجابيةً وشجاعةً، امرأةٍ استوعبت درس حياة سابقة. منذ بداية المساءَلة، وأنا أحثّك على شجاعة الاعتراف. أنت لم تولدي لتكوني امرأةً خانعةً وخائفة، ولدتِ تحت نجوم لامعة وكواكب داعمة. لديكِ كل مقوّمات الريادة والسعادة. كان يكفي انتفاضة صغيرة منك، لتغيّري حياتك وتكوني مثالاً لأخريات».
كما تكشف البصري في هذا التقرير المتداخل بين ما يحدث في الخارج ويؤثر على الداخل، أبعاد مسألة معالجة الموت، من حيث: «لا يبقى كل شيءٍ على حاله، فيما كل ما يحيط بك هو الموت»، وفق استشهادها بهذه العبارة من فيلم سينمائي كتقديم للرواية. وفي هذه المعالجة يَمثُل الموت أمامنا بصوره التي تبدأ بتدمير الإنسان لأرضه ومحيطاتها، وتسليمه قيادتها لرجال شعبويين شريرين تصل سذاجتهم إلى النصح في معالجة الفيروس بابتلاع المنظفات كما فعل ترامب، وتمرّ بنشر معتقدات حرمان المنتحرين من العبور إلى العالم الآخر وتركهم في برزخ الحيرة على ما فعلوا بأجسادهم التي لا يملكون، من خلال عرض البصري لمصير الكاتبات المنتحرات: «سيلفيا بلاث، فيرجينيا وولف، وأديل هوغو… كحالات عالقة».
ولا تنتهي بإيراد ما هو لصيق جداً بمحور روايتها في جردِ حقيقة أفعال الإنسان من قبل مقرِّر ذكرٍ ومساعدةٍ أنثى استناداً إلى معتقد الدين حول المَلَكيْن الذكرين «منكر ونكير» اللذين يحضُران فور دخول الجثّة القبر للتحقيق في أعمالها، وتقرير انتقالها إلى الجنة، أو إلى الجحيم.
عائشة البصري: «كجثة في رواية بوليسية»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2021
126 صفحة.