«كوريغرافيا رجل الضواحي» مجموعة الشاعر اللبناني أنطوان أبو زيد: باقةٌ من نجومٍ مُرْتَجَلَةٌ بضربات نرد الجمال

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
1

ربّما يلاحظ بعض قراء الشعر، بحساسيةٍ تنتمي إلى الشطح أكثر منها إلى دقة ملاحظة الدراسة، في مقارناتهم، ظاهرةَ تكثيفِ إدخال عمليات جريان الكتابة وتداخلها، في عوالم الصور والموضوعات المتشابكة إلى حدود التماثل، من قبل شعراء ما بعد السوريالية، وبالأخصِّ منهم الملتاثين بعوالم نهاية الواقع والأكوان المتعدّدة والاحتمالات بلعب النرد مع الكون. وقد يعزو البعضُ ورود هذا التكثيف إلى كشوفات العلم المفاجئة التي تصلُ حدود الأسطورة، وتعيد بصدماتها إيقاع سحرِ جملةِ سردية التكوين المعروفة: «في البدء كان الكلمة»، التي تضجّ في دواخل شعراء الآن آتيةً من خلائط سحيقة في القدم، وتومض لهم بتصميم كوريغرافي عابث، بأنه «في البدء كان غير ذلك كذلك».
والأمر المدهش الذي يفتح باب التفكير إلى شطحٍ آخر ربما يكونُ صادماً، لكنه يحدث في تركيبات الكتابة الآلية على أيّة حال، هو ما يكمن في سؤال ما إذا لم تكن عملية الكتابة داخل الشعراء المتعاملين بصوفيةٍ مع لمس عملية الخلق في الكتابة، تجسيداً متشابكاً كمومياً بلغة الفيزياء، مع عملية تكوين الأرض ونشوء وارتقاء كائناتها بعد الانفجار الكوني الكبير. ولكنْ، يبدو أن لهذا الشطح الصادم ما يبرِّره، في اعتبار هؤلاء الشعراء أنفسَهم، بانعكاس هذا في قصائدهم، ذراتٍ من ذرار الكون، هي أصغر بالطبع من ذرّة أمهم الأرض، وأنهم يحملون في دواخلهم شيفرة ماضي الكون، إن لم يشطحوا أكثر إلى مستقبله، كي يعيشوا لحظة موت الزمن فيه، كما يفعل الشاعر اللبناني أنطوان أبو زيد في تصميمه الكوريغرافي لمجموعةٍ شعرية مميزة ونابضة بالحياة وعوالم الاحتمالات، ومثقفةٍ بمسرح عبث الانتظار، تحت عنوان: «كوريغرافيا رجل الضواحي» حيث:
«في الانتظار، تحت ظَلّة الصفيح
هنالك،
كلماتُ المطر شديدةً
ثم لطيفةً
مرَّ دهرٌ آخرُ ولا يزال
منتظراً، هبوب إله أخضر،
مصحوباً بكائنات خفيفةٍ
وموّاجةٍ مثل غيم ترابيٍّ،
ولا يناديه أحدٌ من متاهِه.
العاصفةُ على مدى الفم،
وفيضُها في العين،
كأنّها الأولى وليستْ».

إحساس يقود السّكب:

في كوريغرافيا الضواحي التي تُذكِّر بموسيقى وغناء ورقص «أولاد الشارع الخلفي»، حيث تجد الفوضى تجسّداتها الطليقة؛ يتقصّى أبو زيد، منمنماتِ ما تَشَكَّل في ضواحي بيروت المهمَّشة السادرة في الظلال من كائناتٍ وأشياء، توشك على الوصول إلى نهاياتِها في اليباب قبل الانفجار، من دون حاجة لذكر بيروت، لأنّ ما تَشكل من عبث خاص بها، وما يعبِّر هو عنه بالإيحاءات والمجازات وكلمات الطبيعة والبيئة من زعتر وأزهار ودلالات مميّزة لتاريخ ومواصفات أرض كنعان، يدلُّ عليها. كما يتقصّى منمنمات نفسه كمصمِّم حرٍّ يمتلك خبرة الأحاسيس لرقصات التكوين في هذا المسرح الذي يكاد ألَّا يُرى على طرف المجرّة، لكنه يلتقطه؛ مثلما يتقصّى منمنمات الآخَر الذي تَشَكَّل من عبث تلك الضواحي ليقود رقصاً مغايراً على الضفة الأخرى من التشكُّل.
وفي هذا التقصّي الذي يوصله إلى حدود قصوى في قيادة الإحساس متداخلاً بالعقل، من غير عقلٍ للإحساس، يكوِّن أبو زيد كوريغروفاه، كما لو كان الكونُ نفسُه يَخلُق بفوضاه (ولا شرط بعد الانفجار الكبير أو قبله، أو بغيره، حيث ننتظر الكومبيوتر الكمومي الهائل لكي نعرف)، الحياةَ بأشكالها المعروفة وغير المعروفة المتنوعة المتداخلة لنا، كما فعل ويفعل الشعراء والفنانون الحالمون، سواء بوحي أحلامهم عن تكويناتٍ نبضتْ بها أزمان سحيقة تعود لتكوينات الخلق الأولى، أو أحلامٍ عن تكوينات لم توجد بعدُ وتُشكِّلُها عقولٌ مُنحت قدرة التشكيل. وأرتْنا ما فعله جيروم بوش بقلب التصورات على سبيل المثال، أو مازالت ترينا إياه كوابيس الفنانين والسينمائيين عن تشوّهات التشكل بفعل انحرافات رغبات الإنسان من إحياء الأرض إلى تدميرها، بكائنات الأحياء الأموات التي تُسقط جدار الجليد في «صراع العروش» مثالاً، لتلتهمَنا وتعيد تكويننا، مثلما يجري في قصيدة «عواصف أولى»، والقصائد التي تعالج مسائل البداية والنهاية، وتحمل تعبيرات البدء آن النهاية: «سكب أول، بداية الرحلة، الليلة الأخيرة، أول الانغراس، وسنابل أولى».
وفي هذا التكوين المتراكب، الآلي، بما يعني الانتماء إلى التدفق فيما عُرف عن الكتابة الآلية؛ يدوّن مصممُ رقص فوضى الضواحي، من خلال بقعته الصغيرة، الأرضَ الكبيرةَ الصغيرةَ، في سريان يبابها قبل التوقف، حيث تمرّ قصائد: «اختراع، حرائق، مقهى ناصيف، عواصف أولى، الميزان والهزيمة، خيط الخيبة، أعراسٌ وهِمَمٌ، أولُ الانغراس، وشيء في الأجواء»، قبل «سنابل أولى»، التي يتغيّر بعدها طول القصائد، حيث:
«الصوتُ، الصوتُ آتياً من الداخل/ ألا تسمعون؟/ هو الهبوب الأول، أو/ الحفيف الخافت لرحلة الخارجين/ من موجة البدء،/ أو هنهنات الواقفين/ هنا،/ على أول السطر/ يمدّون أرجلاً إلى الفراغ/ ويعودون إلى سكّة/ التراب الرفيعة/ كرأس سنبلة./ أنا أو هو ضربة/ وترٍ،/ أو هواء/ على قصبة».

سكب تدوين على ماء:

في بنية سكبه الأول وما يتوالى بعدها، يترك أبو زيد لقصائده حرّية التوالي ظاهراً، حيث تتوالى في المجموعة بالترتيب قصائد النثر القصيرة أولاً بطول صفحةٍ للواحدة أو أقل، بعدد ستّ وثلاثين قصيدة تليها قصائد نثر طويلةٌ نسبياً إلى حدود الأربع صفحات، تكملها إلى إحدى وخمسين قصيدة.
وفي هذه القصائد، قد لا يجد القارئ هلوسات اللطم والثياب السوداء مجلودةً ومدمّاةً بجنازير عُقد الذنب، على قتل الحسين السوريّ في الجوهر، ولا يجدُ الحياة التي تضجُّ بالمهاجرين وباعة كل شيء، في مدينة خائفة لم تعدْ في عينها غايةٌ لشيء؛ لكنه يعيش أجواء اليباب الساري، بالاحتمالات التي ينتهجها أبو زيد فلسفةً لقصائد تكوينه، ويعبِّر عنها بإكثار الإشارات حول لعب النرد، وبالأخص في قصيدة يوم استراحة الربّ من تعب الخلق، الأحد، الذي يمكن أن يكون أي شيء:
«ويمكنه أيضاً أن يصيرَ خفيفاً/ يضعُ قناعاً لجانوس أو بربارة/ ويدور على تائهي الضواحي/ مع عصبة من الأطياف الخِفاف/ تربطهم نجمةٌ من/ شملة الرأس البيضاء/ ويغنُّون أغنية الضياع/ في البراري،/ وعندما يصلون أسكب لهم/ آخر كأسٍ للذكرى».
وفي أجواء اليباب هذه يتجلّى الخلق المتداخل للأشياء والكائنات والطبيعة: أنسنةً وحيوَنة وأشيَأة، وأزمَنةً، وعموماً هي الأكوَنة، حيث: «أسكب ُ ثلاثة أغصان ٍ/ لأصنع طيراً،/ وندىً لدهرين معاً/ ليحصلَ فيءٌ/ ويختمرَ الترابُ ثانيةً/ مع عصف نداءاتٍ وأنواء/ مطفأة مع الثمار،/ ولأجدَ متَّكأً على/ حاجب المنزل/ وتحت رمش الجنينة».
ويتجلّى الصوت المنظِّم من الراديو، وحياة الأيادي، والشتاء بشوق مطره، ووعورة الدرب بين عالمين يفترقان، والنزواتُ في لجّة النهر، والتغيُّرات غير المرئية التي تفجر الثورات في الأكوان، كما تتجلّى عوالم الجن والعوالم المتعددة، والأشباه في الأكوان المتوازية، والحياة، والموت الذي لا يبدو موتاً طالما ينتهي بالتداخلات ما بين أشياء وكائنات الكون. ويحضر الحاضر الذي يدلُّ على إهلاكنا للغد، كما يحضر اللاجئون العابرون الذين تجبر الحياة جراحاتِهم. ويحضر اليباب في أجواء سكون ما بعد حربٍ عالمية ثالثة، أو مجرد مَحْقٍ برفَّة جناح فراشةٍ، على ماراكم الإنسان من دواعيَ للمَحْق.
ويحضر اللاعبون المختلفون المتخالفون على لون الماء في مقهى يمثّل لبنان. كما يحضر غودو بهيئة من لا يحضر، في تيه الإنسانية وبحثها عن خيط نجاة. ويحضر الغناء والرقص بتصميم رجل الضواحي فوق ما ذهب ولن يعود في محسب شاعر يُدوّن دورةَ الأرض ما قبل اليباب القادم. ويحضر الحبّ كذلك بمقاييس الموت الذي ليس موتاً، في أرض كنعان السعيدة التي تتقدم بعصا حزينة في ظلال وادي الصمت الكبير. وفي النهاية اللانهاية تحضر امرأةٌ تتحدّث كما لو كانت الأرض وهي تتشكل مرة أخرى من غبار انفجارها.

في فنون السكب:

وفق ارتجالات رقص الضواحي، يميّز أبو زيد أسلوبَه بنهج ربط العلاقات المتباعدة غير المنظور بين جمل القصيدة، وبينها وبين عنوانها، في اندياحٍ للكتابة الآلية السوريالية، بلغةٍ سلسة متدفقة، تتناغم مع موضوعها في تراكب الخلق الأول، وتداخل عملية الكتابة في الخلق، وإلغاء الزمن لعيش جميع لحظاته في آن واحد، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، قبل وخلال وبعد طوفانٍ أو قيامة.
كما يميّز أسلوبه بالجملة والأسطر القصيرة التي تتكاثف إلى كلمتين وكلمة، لكنها تتواصل أيضاً بجمل أخرى لتخلق مشهداً صورياً.
وفي الإيقاع الحرّ وفق تصميم رقصاته، يميّز أبو زيد إيقاع قصيدته بحرية الكلمات في تشكيل نقلاتها، رغم وضوح قدرته على تفعيل جُمَله الشعرية التي تَرِد مفعّلةً في معظم جمل القصيدة، لكنها سرعان ما تنتقل إلى استرسال النثر وهدوئه.
وفي كل هذا التركيب لا يبدو الشاعر مبالياً بفهم القارئ الذي تدفعه القصيدة للتركيز وتقليب الأوجه للوصول إلى ما يتشارك عيشه مع الشاعر وفلسفة الجمال لديه. وفي جميع ألوان فنّيات السكب وتوشيحه بالغموض الدافع للاكتشاف، تبرز مجموعة «كوريغرافيا رجل الضواحي» في الختام، نتاجاً مهماً بين نتاجات الشعر الذي لا يساوم على كون الشعر رائد فنون الاكتشاف.
أنطوان أبو زيد: «كوريغرافيا رجل الضواحي»
دار راية للنشر، الشارقة، بيروت 2023
112 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية