الرغبة في الوجود والحضور هي فقط التي دفعت نجوم الكوميديا من المُحترفين والمُبتدئين إلى دخول الماراثون الدرامي الرمضاني، دون استعداد حقيقي للمُنافسة، فرغم نُدرة الأعمال الكوميدية بهذا الموسم وخلو الساحة من أي مُصنفات لها ذات الطابع الخفيف المُفضل لدى المُشاهدين في شهر رمضان، إلا أن أحداً لم يستطع ملء الفراغ بما يستأهل المُتابعة ويستحق التشجيع.
من الوهلة الأولى للمشهد الفني العام يبدو الغياب اللافت للكوميديا والافتقار للتجديد هو محض إفلاس في الأفكار الفكهة وعدم وجود حماس من جانب المُخرجين لدخول تجربة المُسلسلات الكوميدية النوعية، تحسُباً للفشل وانصراف جمهور المُشاهدين عنها في ظل الكثافة والمنافسة الشديدة وتقلص الفرص المُتاحة للنوعيات الدرامية الخفيفة، باعتبارها نماذج مُستهلكة ينقصها التجديد والاختلاف.
اللافت في المسألة الكوميدية هو ذلك الاستنساخ للشخصيات الكاريكاتيرية وإعادة تدوير الإسكتشات التي تم تقديمها في السينما بعد انتهاء صلاحيتها بعدة سنوات في محاولة للعودة مُجدداً إلى الأضواء وتعويض فترة البطالة والخسارة وفقدان ثقة الجمهور.
«إكس لانس» نموذج بدأ عرضه في النصف الثاني من شهر رمضان وسبقته حملة دعائية على الشاشات الفضائية لاكتساب شعبية والتمهيد للدخول في السباق السنوي المحموم، على خلفية ما كان يتمتع به البطل محمد سعد من تأييد جماهيري قبل أن يُعيد تكرار نفسه في أكثر من صورة في شخصية اللمبي التي سكنته وتأبى أن تُفارقه، أو بمعنى آخر تشبث هو بها ويخشى أن يتركها فلا يجد بديلاً عنها لصناعة نجاح جديد يستلزم جهدا إضافيا وقُدرة على الابتكار بعيداً عن أسر الشخصية الواحدة التي استهلكها واستهلكته. مسلسل «إكس لانس» حالة كوميدية مُختلقة يتم الرهان عليها بلا مُبرر، فهي فاقده للون والطعم والرائحة، فضلاً عن أنها من بقايا الكوميديا السينمائية التي حفظها الجمهور عن ظهر قلب، وباتت من النفايات الضارة لصاحبها وللجمهور، لاسيما بعد ظهور طاقات شبابية جديدة وطلائع مُبشرة من الشباب الموهوب الذي لا تنقصه غير الفرصة لإثبات جدارته بقوة كجيل واعد لديه القُدرة على التجديد والتطوير، والدليل على ذلك استعانة محمد سعد نفسه ببعض العناصر التي حققت نجاحاً غير مسبوق، وفي زمن قياسي أثناء عملهم في مسرح مصر مع أشرف عبد الباقي ومنهم ويزو، فضلاً عن وجود نجمة الرومانسية في زمانها شيرين، التي تلعب في المسلسل زوجة الحناوي وتُمثل دعماً قوياً للبطل هي والكوميديان محمد فتحي. ولا شك في أن محمد سعد قد استعان بهؤلاء النجوم ليدعموه ويرفعوا من قيمة العمل لإحساسه بأنه قدّم كل ما لديه خلال السنوات الماضية، وليس لديه ما يُضيفه، خاصة في الإطار الذي سجن نفسه فيه، لهذا لم يُطل اللمبي على جمهوره إلا في النصف الثاني من شهر رمضان، مُكتفياً باستثمار الخمسة عشر يوماً الأخيرة واللحاق بآخر عربات قطار الموسم الدرامي الأكبر على مدار السنة. وقد أحسن صُنعاً حين فعل ذلك فلو أنه دخل السباق من بدايته لكانت خسارته حتمية، حيث نفاد طاقته واستهلاك كل إفيهاته ونكاته، حتى حركته ومشيته وتعثر كلماته كلها باتت أدوات غير فاعلة ولا تصلح لتوليد المواقف الكوميدية بالطريقة التي ابتدعها منذ عشرين عاماً على الأقل ولا يزال مُصراً عليها، رغم تقدمه في العُمر والخبرة.

النوعية الثانية من الدراما الكوميدية والمُقدمة للعام الثالث على التوالي تتمثل في مُسلسل «اللعبة» بطولة شيكو وهشام ماجد ومحمد ثروت ومي كساب وعارفه عبد الرسول، هذا المسلسل رغم الجهود المبذولة في الكتابة الجماعية من جانب فريق العمل المكون من أحمد سعد والي ومحمد صلاح خطاب وإبراهيم صابر وفادي أبو السعود، والأخير تولى مهمة الإشراف على الكتابة، رغم مشاركة كل هؤلاء ومحاولتهم المُضنية لصناعة عمل كوميدي جيد لم يصلوا في ما بذلوه من جهد إلى حد الإقناع بوجود حلقات كوميدية لها أصداء، فالجزء الثالث لم يتضمن شيئاً مُدهشاً أو مميزاً على أي مستوى مع أن المخرج مُعتز التوني يتحدى نفسه في الإتيان بالجديد، لكن العبرة في النهاية بما يصل للمُشاهد وما يؤثر فيه، والواقع يؤكد أن النتيجة حتى الآن سلبية، فما يُضحك الأطفال أو شريحة عمرية معينة من الجمهور لا يصلح بالضرورة لإضحاك بقية المُشاهدين، وكان الأولى أن يُكتب في تترات المُسلسل عبارة للصغار فقط لكي يكون التقييم مُختلفاً والتلقي خاصا بالشريحة المُستهدفة.
هكذا خلا الموسم الرمضاني من المواد الدرامية الكوميدية المتميزة، ليبقى الجزء السابع من مسلسل «الكبير أوي» لأحمد مكي ومحمد سلام وبيومي فؤاد ورحمة أحمد في صدارة المشهد كأن من كتبه لا يستطيع كتابة غيرة مع إن الشخصيات مُكررة والإفيهات محفوظة والأداء نفسه، لكنها الرغبة في استنفاد كل طاقات النجاح حتى الرمق الأخير!
كاتب مصري