لم تعد السلطة في مصر تهتم بعيد الإعلاميين.
تذكرت هذا العام أن اليوم مر بدون احتفال يشهد شاغل موقع الرئيس، خلافا لما كان يحدث في زمن «أبو علاء» في كل عام؛ إذ كان يُنظم احتفالاً ضخماً يشهد تكريم عدد منهم، ومن الرواد، كما يتم تكريم عدد من الصحافيين أيضاً، ولعل مصر البلد الوحيدة الذي يميز بين وظيفتي؛ الإعلامي والصحافي، والآخرون لهم نقابتهم، وأخيراً تم إنشاء نقابة للإعلاميين، عينت الحكومة النقيب والمجلس، لفترة مؤقتة مدتها ست شهور، لكنها امتدت لسنوات.
عندما بحثت إن كان الجنرال قد احتفل بعيد الإعلاميين في السنوات الماضية، لم أجد على النار هدى، وظهرت لي تصريحات له يخاطب من خلالها الإعلاميين، لكن أطلقها في الاحتفال بعيد الشرطة، فهل فعلاً لم يحضر عيد الإعلاميين منذ انقلابه العسكري؟
عيد الإعلاميين، ارتبط بيوم تأسيس الإذاعة المصرية (31 مايو 1934) وكانت مصر قد عرفت ما سمي بالإذاعات الأهلية، التي لا يصل ارسالها سوى لحيز جغرافي محدود في محافظة الإسكندرية، لكن النظام الحاكم ألغى هذه العشوائية، ووضع يده على الفكرة بمرسوم ملكي، ومع أن ثورة يوليو 1952، اتخذت موقفاً ضد كل ما يمت بصلة لـ «العهد البائد»، إلا أنها التقطت هذه الثمرة وعضت عليها بالنواجذ، ومن خلال الإذاعة كان البيان العسكري رقم واحد، بصوت السادات أحد الضباط الأحرار، وإذا كانت الانقلابات بطبيعتها تشهد سيلاً من التشريعات في بدايتها، فقد أصدرت عشرات القرارات في فترة وجيزة تخص الإذاعة، لكنها كانت جميعها تستهدف شيئاً واحداً، وهو استمرار تبعيتها للنظام الجديد!
قصة الشيخ عبد الوارث الدسوقي
كان وزير الإعلام في عهد ما قبل ثورة يناير، ينظر لنفسه على أنه «عريس» هذا اليوم، فالاحتفال يقام تحت اشرافه، كما أنه فرصة للحديث عن إنجازاته أمام رئيس الدولة، لا سيما بعد إنشاء مدينة الإنتاج الإعلامي، التي كان يعتبرها صفوت الشريف ما توج به زمانه، وقد كان مبارك يزورها ليستمع الى شرح موسع عن الاستوديوهات، والأعمال التي تم تصويرها فيها، ولم يعد يوماً للإذاعة، ولكنه أصبح عيداً للإعلاميين، ويلحق الصحافيون بهم، والذين كانوا يتعاملون على مضض مع هذا العيد، فالصحافة أقدم من الإذاعة، والصحافيون ليسوا اعلاميين، ودور النقابة هو ترشيح أسماء من سيتم تكريمهم، وبإمكان الوزير أن يستبعد منهم من يشاء!
لأكثر من عام ظل صفوت الشريف يستبعد اسم «عبد الوارث الدسوقي»، وهو شخصية استوقفني كثيراً، فلم أرى اسمه موقعاً على عمل صحافي، منذ أن التحقت بالمهنة، إلا بعد احتلال الكويت لمرة واحدة، وكان هو يشرف على صفحة الرأي اليومية في الأخبار «الرأي للشعب»، والتي كانت منبراً للهجوم على الغزو، وتزعم الحملة الكاتب الكبير خالد محمد خالد، وكتب رئيس تحرير «الأهالي» اليسارية، «فيليب جلاب» رأياً فيه أقرب لـ «المزاح»، بما عرف عن «جلاب» من فكاهة كواحد من الكتاب الساخرين، وقال إنه حول «الرأي للشعب» إلى «صوت الكويت»، وذكر اسمه مسبوقاً بلقب «الشيخ»، وهو لقب يناديه به الصحافيون الذين يعرفونه، وأحيانا يسبقون اسمه بلقب «الحاج»، ورد عبد الوارث الدسوقي عليه ونشرت «الأهالي» رده باسمه!
ولم التقيه إلا مرة واحدة، كانت في صيف عام 1987، وكنت لا أزال في «الأوله في الغرام»، لكني أمتلك اندفاعاً بحكم النشأة والتكوين، جعلني أتصور أنه يمكن أن ينشر لي مقالاً وأنا لا أزال محرراً تحت التمرين، ذهبت اليه بدون سابق موعد، فاستقبلني في مكتبه المتواضع، وطلب مني أقرأ ما كتبت بصوت مسموع، وما انتهيت منه حتى أشاد به، وقد يكون مجاملاً، لكني صدقته، وأخبرني عن قواعد النشر عنده، فلا ينشر لأحد يعمل في صحيفة أخرى، وقال لي بلهجته الريفية بحدة مسكونة باللطف، اذهب لوحيد (يقصد رئيس تحرير الأحرار وحيد غازي) وقل له: عمك عبد الوارث يقول لك انشر هذا المقال، فسأكون كاتباً أفضل منك. ونقلت الرسالة نصاً، ولم ينشر المقال، ألم أقل إنني كنت مندفعاً، بدون حيثيات منطقية!
بجانب صفحة الرأي كان عمنا عبد الوارث الدسوقي يشرف على الصفحة الدينية في يوم الجمعة، بدون أن ينشر اسمه أيضاً، لكنها كانت على عكس الصفحات من هذا النوع في الصحف، التي هي تأدية واجب، وأقرب للقص واللزق، لأن اليد التي تقوم بصياغتها تلف بحرير، إنه واحد من «الأسطوات الكبار» في الصحافة، لكنه كان بعيداً عن الأضواء، بيد أني قرأت عنه في مذكرات الصحافيين الأقدمين، وكيف أنه كان عمدة المؤسسة الذي يفصل بين مصطفى أمين مؤسس «أخبار اليوم»، وبين موسى صبري، رئيس المؤسسة ورئيس تحرير الأخبار، وبين جلال الحمامصي والأخير، فيما شجر بينهم، وكان رأيه حكماً!
وقدر لي أن أعمل بعد ذلك مع رئيس تحرير كان على اتصال دائم به، لنكتشف جانباً مهماً فيه وهو هذه السخرية غير المتكلفة، قال له صاحبنا ذات مرة وهو يهاتفه: نريد أن نعمل شيئاً لآخرتنا، فرد عليه: آخرتنا؟ نحن موتنا ودخلنا النار!
أزمة مع الوزير
كان تلاميذ عبد الوارث الدسوقي يدفعون لترشيحه عبر نقابة الصحافيين في كل عام للتكريم في عيد الإعلاميين، لكن المفاجأة في كل مرة كانت باستبعاد اسمه، وقد عرفوا السبب!
فأستاذ جامعي على صلة بالوزير صفوت الشريف وطلب وساطته لنشر مقال له في «الأخبار»، والذي أرسله بدوره لرئيس التحرير، الذي أرسله للحاج عبد الوارث، لكن المقال لم ينشر، وبعد أيام ذهب الكاتب ليسأل عن السبب؟ فإذا بالدسوقي يسلمه مقاله وهو يقول له: لا يصلح للنشر، وفي حال انصرافه طلب منه أن يسلم له على «صفوت بيه»، وإذ نشر المقال في اليوم التالي في «الأهرام»، إلا أن صفوت الشريف أسرها في نفسه، فكان الرد باستبعاد اسمه من التكريم في كل عام!
وبعد الاستبعاد الأخير، اجتمع تلاميذه وقرروا أن يدعو الى احتفال كبير بنقابة الصحافيين يكرموا فيه «عبد الوارث الدسوقي» رداً على ذلك، وعلم الوزير بالأمر، وشعر أن بساطاً يسحب من تحت قدميه، لما في ذلك من تحد له، يهز هيبته وهو من مراكز القوى في الدولة المصرية، وقطع وعداً بأن تكريم العام المقبل سيشمله، وهو ما حدث فعلاً.
وكنا نشاهد الاحتفال على الشاشة عندما نودي اسمه، وصعد مدير تحرير الأخبار حينذاك جلال دويدار على المنصة ليتسلم الجائزة بالنيابة عنه من الرئيس، وقيل إن الاعتذار لدواعي السفر، لكن في ذات اللحظة كان زميل في مكتب عبد الوارث الدسوقي يسأله عن السبب في عدم ذهابه وهو ليس مسافراً فمن يعتذر عن تسلم جائزته من الرئيس؟ فقال إنه يعرف متى يكرم نفسه ومتى يهينها، ولا يحتاج لتكريم من أحد!
لكن بعد ذلك، وقع الانفصال، وأعلنت الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين أن يوم 10 يونيو/حزيران هو عيد الصحافيين، وهو اليوم الذي شهد انعقاد جمعية عمومية لمدة عام احتجاجاً على قانون تكميم الصحافة 95 لسنة 1993، لكن استمرت السلطة تحتفل بعيد الإعلاميين في 31 مايو/آيار، عيد إنشاء الإذاعة المصرية، وقد جاء السيسي فلا إعلاميين ولا صحافيين، ولا إذاعة ولا تلفزيون، في انتظار إخلاء مبنى ماسبيرو، المطل على النيل، لبيعه بالمتر أو بالشبر.
ليسقط العيد من قعر القفه.
أرض- جو:
-يسأل عمرو أديب عن أزمة السينما في مصر؛ فلدينا فنانون، وكتاب، وإنتاج، وفلوس، ودور سينما، فماذا ينقص؟ ونجيبه بأن ما ينقصه هو رفع احتكار السلطة لصناعة السينما، لا سيما إذا لم تكن على وعي بماهية السينما والدراما، فأحالت الكتاب والفنانين للتقاعد، من أجل طبقة جاهلة تصنعها على عينها، ضعف الطالب والمطلوب!
صحافي من مصر