لأنها تقيم علاقة أمتن مع النص: منغّصات بطاقة التعريف بالكاتب

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

منذ متى كانت بطاقة التعريف بالكاتب، أو سيرته الذاتية، دليل أعمالنا وأقوالنا، ومحكّمة ما نتفكره، أو نخططه هنا وهناك؟
كيف يمكن لنا أن نعطي البطاقة صلاحية الحكم على ما أنجزنا من أعمال ذهنية، وكتابية، وهي حتى الأمس القريب كانت في عِدَاد المجهول، أو الغفل من القيمة المعنوية أو الاعتبارية؟
من حيث المبدأ المعتاد، يسهل علينا بدايةً، تتبع بنية بطاقة التعريف بالكاتب والسبب الذي يبقيها في وضعية عدم استقرار، حتى بالنسبة لدار النشر الواحدة.
لنتوقف عند «مركز دراسات الوحدة العربية» – بيروت، وهو ذائع الصيت ولديه تجربة حيّة مع الكتاب وعالم النشر المتعلق بكتب تصدر عنه، وهي بالمئات طبعاً، عدا عن مجلته المعروفة «المستقبل العربي»، كما في حال المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، المعتمَد في النشر عنه كثيراً. ماذا نرى؟ لا ضبط للكتابة، ليس من صورة موضّحة لحقيقة المختلف عليه من كتاب لآخر، عند المقارنة بين كتبه، إلا إذا كان مُخرِج الكتاب، أو المشرِف عليه هو المعني بذلك. لكن المركز له سياسته التقنية في هذا المضمار، فلماذا هذا الاختلاف إلى درجة كبيرة في بعض الحالات:
في كتابه «تكوين العقل العربي»، ط9، 2006، نقرأ مباشرة على الغلاف الخارجي بحجمه الكبير، بطاقة تعريف بعد تثبيت اسمه، بدءاً من تاريخ التولد «ولد في المغرب عام 1936»، وبعد إشارتين، تبرز لائحة بأسماء بعض كتبه. وهذه من الصيغ المعتمدة في التعريف بالكاتب !
بينما في كتابه «نحن والثراث ـ قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي»، بيروت، ط1، مزيدة ومنقحة، 2006، وعلى الغلاف الخارجي أيضاً، توجد بطاقة تعريف مواليد المغرب عام 1936، ونوعية تحصيله الجامعي، وذكر عناوين من مؤلفاته، ولائحة العناوين أقل (خمسة)، وهناك في العنوان السالف الذكر أكثر، حيث نجد تاريخ الطبع واحداً. هل من خلل بنيوي على مستوى الإشراف، أو جرّاء عدم التدقيق في هذه الصفحة أو حتى أقل من الصفحة؟
ولكي نتعرف على المزيد من التفاوت هذا، نمضي إلى كتابه «في نقد الحاجة إلى الإصلاح»، 2005، وهنا نجد أنه ليس من أثر لبطاقة التعريف. ولا بد أن يسأل القارئ أسئلته المتوقعة: لماذا هذا الإخلال بمبدأ بطاقة التعريف؟ ما الذي يغيّر من زاوية التعامل مع البطاقة هذه؟ كيف يجاز لخطأ أو خلل وظيفي، وجمالي، أن يتصدر واجهة الكتاب الأخرى دون الكشف عنه؟
ومن ثم: ما الذي يمكن قوله في وضع غير متشابك، واضح السمات، كما تقدَّم؟
ألم يكن الكاتب نفسه متابعاً للمراحل التي يمر بها الكتاب حتى ساعة إخراجه من المطبعة؟ ألم يكن هناك من يراعي وحدة تشكيل معلوماتية بهذا الصدد، ومن قبل المسؤول عن ذلك؟ أم أن هناك تجاهلاً للبطاقة هذه، ولا أظنها تخفي فتنتها النفسية، ولو في صمت مقدَّر بحسبانه!
أم تراه كان غير معني بإخراج الكتاب، على صعيد الشكل، بما أن المهم هو كيفية، أو متى يكون ظهور الكتاب من المطبعة؟ وكيف يكون الاتفاق؟ أحسب أن الوضع ليس كذلك، وليبقى الخطأ القائم لافتاً، خطأ مسجل على مستوى تقنية الكتاب وخاصية التعريف الآنفة الذكر.
ولعل أول ما يَرِدُ في ذهن القارئ هو أن المركز لا يتابع بصورة حِرَفية الخطوات التي يمر بها الكتاب، وخصوصاً ما يتعلق بالغلاف، وإزاء بطاقة تعريف الكاتب/ المؤلف، وموقعها.
إن ضبط البطاقة، وزيادة معلوماتها عندما تكون هناك إضافات ضرورية، هو الذي يطمئن القارئ على أن ثمة متابعة فنية يقظة، وثمة تأكد من كل شاردة وواردة تعنيان عملية طبع الكتاب.
هذا الإخلال بتقنية إخراج الكتاب يفسّر، من جهة أخرى، بغياب التدقيق الفعلي فيما يجري، حتى إن سلَّمنا بتغير المعني بهذه العملية، إذ لا بد من ضابطة تقنية «في الإخراج» حفاظاً على الصورة المؤمثلة للكتاب .
ومن المؤكد أن القارئ عندما يجد نفسه إزاء كتاب معرَّف بكاتبه ولو بإيجاز، ستكون صلة وصل مختلفة، فيما لو انتفت كل معلومة، كحال حليم بركات في كتابه المعروف «المجتمع العربي المعاصر ـ بحث استطلاعي اجتماعي»، بيروت، ط9، 2006. هنا بطاقة التعريف لا تخلو من إغراء بالمتابعة وتحرّي أثر المؤلف وفي عناوين أخرى له، بدءاً بالتالي: روائي وعالم اجتماع وأستاذ في جامعة جورجتاون، واشنطن، دي سي، ثم تاريخ تولده 1933 والمكان والتركيز على أعمال له أدبية وبحثية.
فهذه السردية تكوّن في بنيتها نصاً فعلياً، له طابع قصصي، حكائي، حدثي بالمقابل، وإن وضع بطاقة كهذه، أو تصميمها يعزّز مكانة كل من الكاتب والكتاب والناشر معاً. إلا أن الملاحظ هو أن القارئ الفطين حين يقرأ محتوى البطاقة، تأخذه المعلومات المتضمَّنة إلى مسار بعيد، إلى عالم مركَّب، حيث يعيش/ يقيم الكاتب، وكيف يعيش، ويتفاعل مع وسطه، وما يخص شهادته من جهة أخرى. عدا عن أن قراءة هذا النوع من الشهادات يضيء عالم الكتاب من قبل قارئ يعوّل على الخارج: الغربي/ الأمريكي كثيراً، أو يلفت نظره هذا التحديد، أو لأن الكاتب نفسه حين يورد مثل هذه المعلومات ليفاجئ بها قارئه، فإنما بغية إدخاله في صلب الكتاب، أي ليكون قارئه المنتظر، وهو كلّيُّ الشعور بأن معلومة كهذه لها وقعها النفسي عليه. فلا أظن أن محصّل شهادة أكاديمية من جامعة غربية، غير منظور إليه خارج تقدير معين له أهميته، وفي الوقت الذي لا يكون ذلك مقياساً لمكانته الخاصة بالضرورة، لكنها علامة فارقة ابتداء، وكون الشهادة الممنوحة تكون شاهدة عيان على وجود رصيد ثقافي معتبَر لدى حاملها، كما يفترَض.
إذ إن التركيز على المركز العلمي والوظيفة القائمة من بين الملامح الرئيسة أو المعتبَرة الرئيسة تلك التي تنمّي دافعية نموذجية في بعض الأحيان لدن القارئ، إلى درجة السعي إلى متابعة كل أعمال الكاتب، من خلال جملة إشارات، هي في مقام الشيفرة الوامضة والمحفّزة على البحث والتقصي، لمعرفة المزيد عنه.
في مثال مواز، وعلى الصعيد الأكاديمي، عندما يجد القارئ نفسه إزاء كتاب الباحث المغربي والجامعي في مؤسسة تعليمية كندية محمد أصبور «المعرفة والسلطة في المجتمع العربي ـ الأكاديميون العرب والسلطة»، بيروت، ط2، 2001، ثمة بطاقة تعريف تسمّي مكانته، وموقعه البحثي، وتاريخ تولده 1947، والإشارة إلى بعض أعماله، ربما كان عاملاً مؤثراً هو الآخر في تعزيز فضيلة القراءة، والمقارنة الذاتية أحياناً، بين المتوقع اكتشافه، أو قراءته في كتاب آخر، ينتمي إلى حقله، إنما في بلد آخر، أو مدينة أخرى بلغتها، وأهلها، وكان المترتب على معايشة ثقافية ونفسية معه، هذا التحول إلى ناقد يتعزز معرفياً من الداخل.
ضمن هذا الإطار، يمكن أن أشير إلى مركز بحثي  لا بل وفكري، كان له شهرته ذاته يوم، وأعني بذلك «مركز الإنماء القومي» والعنوان لا يخفي دلالته، حيث كان يشرف عليه المفكر الراحل مطاع صفدي، فإننا نتلمس تفاوتاً في التعامل مع الكتب الصادرة عن مركزه وهو القيّم الأول والأخير عليها، كما في هذه العناوين: كتاب ميشيل فوكو» الكلمات والأشياء»، ترجمة جماعية، 1989- 1990، ثمة تثمين للكتاب، وليس هناك من تعريف مباشر للمؤلف. وكذلك كتاب فرنسيس فوكوياما «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، فريق الترجمة د. فؤاد شاهين وآخرين، بيروت، 1993، حيث يثمَّن الكتاب لأهميته كسابقه، ولو في منحى مختلف، من دون تعريف فعلي له. وكتاب فتحي المسكيني»نقد العقل التأويلي أو فلسفة الإله الأخير»، بيروت 2005، الذي وضِعت له بطاقة تعريف ص 6، لدى ناشرين آخرين. وأما عن كتبه، أي صفدي، فلدينا في كتابه «نظرية القطيعة الكارثية»، بيروت، 2005، درس اعتباري أو تأكيدي على هذا التفاوت، وربما التخلخل في العلاقة، فقد أفرد في بطاقة تعريف بالكاتب، بنفسه، صفحتين، وفي حقول مختلفة: في الفكر والفلسفة، في التعريب الفلسفي، في الأدب، في الشعر… وأنشطة له أخرى. واللافت هو أنه لم يأت على ذكر كتابه العقائدي والتنظيري الذي أصدره بعنوان «البعث: مأساة المولد، مأساة النهاية»، دار الآداب، بيروت، 1964، وفيه سرد عن تجربته المعيشة، كما هو مذكور على صفحة الغلاف الخارجي، وفي الداخل (ص 432)، لائحة بأعماله بين دراسات عقائدية، وأدبية وفلسفية، فلماذا تجاهل ذكر هذا العنوان؟ هل لأنه ندم على كتابته؟ هل تخلَّى كلياً عن محتواه، وهو الذي لازم صدام حسين حتى لحظة سقوطه، وكان من دعاته بالمفهوم القومي السائد، فقد كان «بطله التاريخي المزكَّى»؟
إن إقامة علاقة أمتن، وأكثر مرونة مع نص البطاقة تمنحنا المزيد من المعلومات المبحوث عنها، وهي محتواة داخل عبارات النص هذا، كما في إمكان المزيد من الكشف عن العلاقة التي تتمثل في هذا الترتيب المعلوماتي: ذكر الاسم وسنة التوالد، والشهادة المحصَّلة، ومن ثم جملة العناوين التي تعرّف بالكاتب. إذ إنها هي التي تقف وراء المعلومات السابقة، دونها لما كان هناك أي داع للتعريف بالاسم الشخصي أو الشهادة، لانتفاء وجود كتاب. وهذا يعني أنه يمكن أن تورد مجموعة مؤلفات، وتالياً يأتي الاسم الشخصي ونوعية التحصيل العلمي، وما يترتب على تغيير مواقع من هذا النوع من تغيير في طريقة التلقّي، وفي التأثر، وكيفية التفاعل كذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية