لم تعد كرة القدم رياضة ترفيهية كالتي عهدناها قبل عقود، ولم تعد رياضة تنافسية تهم عشاق اللعبة فحسب، بل باتت ركنا اقتصاديا مهما للكثير من المستثمرين والتجار ورجال الأعمال، كون مسابقاتها تدر الكثير من المال الى درجة تصعب على المحنكين من المستثمرين تجاهلها، وبالتالي صارت وظيفة الأندية واللاعبين هي التنفيذ كأدوات تكميلية لمشاريع تجارية.
الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين (فيفبرو) كشف الأسبوع الماضي في تقرير مهم إن الجدول الكروي المزدحم المتزايد يترك لبعض اللاعبين ما يصل إلى 12% فقط من العام للراحة، وهو ما يعادل أقل من يوم عطلة واحد في الأسبوع. وقال الاتحاد الذي تقدم بشكوى إلى هيئات مكافحة الاحتكار في الاتحاد الأوروبي ضد جدول المباريات الدولية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إن قلة الراحة تتعارض مع معايير الصحة والسلامة الدولية وهي نتيجة لعدم إعطاء منظمي المسابقات الأولوية لرفاهية اللاعبين. وذكر تقرير لموسم 2023-2024 أن 54% من 1500 لاعب تمت مراقبتهم تعرضوا لضغط كبير في العمل، إذ تجاوز العديد منهم التوصيات الطبية. وشارك ما يقرب من ثلث اللاعبين (31%) في تشكيلات المباريات لأكثر من 55 مباراة، وشارك 17% منهم في أكثر من 55 مباراة. وشارك حوالي 30% منهم في ستة أسابيع متتالية على الأقل من مباراتين أو أكثر في الأسبوع.
ومن الأرقام المثيرة، معرفة مثلا ان ليس هناك لاعب إنكليزي لعب دقائق أكثر في سن الحادية والعشرين من جود بيلينغهام (19 ألف دقيقة)، والذي متوقع له خوض 1224 مباراة خلال كل مسيرته، ما يقوده الى التفوق على نجوم سابقين مثل فرانك لامبارد الذي خاض 1002 مباراة خلال مسيرته، أو وين روني (895) وديفيد بيكهام (839). في حين خاض النجم الألماني الواعد فلوريان فيرتز 11501 دقيقة بحلول عامه الـ21، مقارنة بـ4175 دقيقة فقط لعبها الأسطورة مايكل بالاك في نفس سنه. فيما لعب نجم ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور بسن 24 عاما 369 مباراة، في حين لعب مواطنه رونالدينيو عندما كان في سنه 163 مباراة فقط.
ووسعت المسابقات الأوروبية الثلاث للأندية إلى 36 فريقا هذا الموسم وبدأت الاتحادات الأوروبية العضوة في «فيفبرو» إجراءات قانونية ضد الفيفا بشأن كأس العالم للأندية الموسعة للرجال المؤلفة من 32 فريقا، والتي تبدأ في يونيو/حزيران المقبل في الولايات المتحدة. وتمثل المباريات الدولية، مع النادي أو المنتخب، 30% من المباريات التي يخوضها اللاعبون الذين يعانون من ضغط زائد. وقضى اللاعبون ما يصل إلى 18% من وقت عملهم السنوي في معسكرات المنتخب أو في أنشطة إعلامية أو أنشطة للشركاء في الموسم الماضي.
وكي يتعامل مع الامر بذكاء، لم يُدرِج تشلسي مهاجمه الهدّاف كول بالمر ضمن قائمة اللاعبين المؤهلين للمشاركة في المرحلة الأولى من النسخة الجديدة لكونفرنس ليغ، في محاولة لإدارة دقائق لعب النجم الإنكليزي خلال موسم قد يمتد حتى منتصف تموز/يوليو. واستُبعد الثنائي البلجيكي روميو لافيا والفرنسي ويسلي فوفانا بسبب «إدارة الجهد البدني» وفقا لتقارير، إذ يشارك الفريق الإنكليزي في النسخة الموسعة من مونديال الأندية. وسجّل بالمر (22 عاما) في نهائي كأس أوروبا بين إنكلترا وإسبانيا الذي انتهى بفوز الأخير 2-1، قبل 33 يوما من انطلاق الدوري الإنكليزي. ولم يُدرج اسم بالمر في قائمة «الأسود الثلاثة» للمشاركة في أول مرحلتين من دوري الأمم الأوروبية أمام ايرلندا وفنلندا هذا الأسبوع.
وقالت رابطة اللاعبين المحترفين، إن الأداء الرائع الذي قدمه النجمان النرويجي إيرلينغ هالاند والمصري محمد صلاح في بداية الموسم يوضح لماذا يجب على اللاعبين الحصول على فترات راحة مناسبة، حيث سجل النجم النرويجي 7 أهداف لمانشستر سيتي، فيما أحرز نظيره المصري 3 أهداف وقدم 3 تمريرات حاسمة لزملائه في ليفربول خلال المراحل الثلاث الأولى للدوري الانكليزي الممتاز هذا الموسم. ويعود هذا التألق لحصول اللاعبين على عطلة صيفية مثالية، حيث لم يشارك أي منهما في بطولة دولية في فترة ما قبل الموسم، فيما لعب الأرجنتيني خوليان ألفاريز والإنكليزي فل فودن، زميلا هالاند في السيتي، 75 و72 مباراة على التوالي للنادي ومنتخبي بلديهما.
المسابقات مهمة لادارات الأندية، لانها تشكل المداخيل المهمة لتسيير النادي ودفع فواتيره، لكن من الناحية الصحية للاعبين، فلا يرف جفن لأي مسؤول في عالم كرة القدم. واللاعبون لا يستطيعون الشكوى خشية استبدالهم وبالتالي فقدان رواتبهم الخيالية. «فيفبرو» رفع حاليا قضيتين قانونيتين منفصلتين ضد الفيفا بسبب ما يراه من افتقار للتشاور بشأن أجندة المباريات الدولية. وتسعى الدعوى الأولى، التي تنظرها المحاكم البلجيكية، لتحديد إذا كانت حقوق اللاعبين كموظفين قد تعرضت للانتهاك، في حين تتهم الشكوى الثانية، المقدمة للمفوضية الأوروبية، الفيفا بإساءة استخدامه سلطاته، لكن لن يعالج مشكلة «احتراق» اللاعبين، سوى اللاعبين أنفسهم، بثورة ضد المنافسات المتزايدة والأعداد الهائلة للمباريات، ولكن هناك من يتلذذ بالاحتراق.