بيروت-“القدس العربي”: مرّت 48 ساعة من مهلة الـ 72 ساعة التي حدّدها رئيس الحكومة سعد الحريري لشركائه في التسوية ليعطوه جواباً واضحاً ومقنعاً بالإصلاح ووقف الهدر والفساد وإلا الاستقالة في وقت حاولت السلطة من خلال تدخّل الجيش وقوى مكافحة الشغب الحد من زخم التحركات الشعبية التي شكّلت منذ يوم الخميس الفائت أضخم تحرك شعبي منذ انتفاضة 14 آذار/مارس 2005 رداً على الضرائب التي تعتزم الحكومة فرضها والتي شكّلت ضريبة 6 دولار شهرياً على مكالمات الواتساب شرارتها المباشرة التي طفح بها الكيل وأشعلت الثورة التي عمّت مختلف المناطق اللبنانية من الجنوب إلى الشمال مروراً ببيروت، من دون أن توفّر المناطق المسيحية التي شهدت في مرة نادرة قطع طرقات واوتوسترادات حيوية ولا المناطق الشيعية التي شهدت أيضاً احتجاجات ضد الثنائي الشيعي وخصوصاً ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري في عقر داره في صور والزهراني والنبطية.
وهكذا نزل المواطنون إلى الشارع عفوياً وتجاوز ناشطون سياسيون أحزابهم وسبقوهم إلى التظاهر بعدما يئسوا من الوعود. ولكن اللافت أنه أمام زخم الغضب الشعبي والغليان الذي تُرجم قطع شرايين الدولة، عاد المسؤولون في لبنان إلى نغمة تقاذف المسؤولية عن الفشل والفساد والهدر بدل تحمّل مسؤولياتهم والاعتراف بعدم الالتزام بوعودهم الكاذبة كما لو أنهم أمام أزمة سياسية عادية قبل أن يبدأ بعضهم الاستثمار السياسي للاحتجاجات الشعبية وركوب الموجة. وهذا ما لاحظه البعض من خلال اطلالة رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل من قصر بعبدا وكأنه “ناطق رئاسي” حسب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي سأل وزراءه “من نصّب جبران باسيل ملكاً على السلطة؟”.
فقد وقف الوزير باسيل على منصة المنبر الرئاسي ليقول إنه يتفهّم غضب الناس، وليرى أن “ما يحصل هو لصالحنا وليس ضدنا” مجدداً إتهام الآخرين بعرقلة الإصلاحات التي يريد العهد تطبيقها، ليأتيه الرد من قطبي 14 آذار أولاً الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من خلال تحريك شارعه وتوجيه الاتهامات إلى رئيس التيار بتخريب العهد، وثانياً رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي دعا بدوره مناصريه إلى التحرك ورمي كرة المسؤولية عن الأزمة في ملعب العهد وحزب الله ولتجديد الدعوة إلى استقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط واراحة الناس من الطبقة السياسية لبعض الوقت.
وقد كانت الاستقالة الفورية خياراً كبيراً لدى الرئيس سعد الحريري مهّد له بإلغاء جلسة مجلس الوزراء قبل أن يتلقى اتصالات من رئيس الجمهورية ميشال عون والوزير باسيل والثنائي الشيعي، نصحته بالتفكير ملياً قبل الإقدام على هذا الخيار. وقد ناقش الحريري مع حلفاء ومقرّبين تداعيات أي استقالة تلقائية وما ستتركه من آثار سلبية إضافية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والمالية المتدهورة والتي كانت أولى وجوهها انخفاض حاد في قيمة السندات الدولارية للدولة اللبنانية. وتخلل النقاش أيضاً تداعيات الاستقالة على مستقبل الحريري السياسي كرئيس حكومة تنصّل من مسؤولياته الوطنية وما يمكن أن تخلّفه هذه الخطوة من فوضى.
امتصاص النقمة الشعبية
ومن الخيارات التي طرحت استقالة وزير الاتصالات محمد شقير لامتصاص النقمة الشعبية بعدما كان هو سبب الشرارة باقتراح فرض رسم على مكالمات الواتساب. غير أن الخيار الأخير للحريري مع مستشاريه وقع على مخاطبة الرأي العام ومصارحتهم بالحقائق والعراقيل التي أخّرت تطبيق إصلاحات “سيدر” ووقف الهدر مع إعطاء مهلة لشركائه للإيفاء بوعودهم على أمل تحقيق اختراق جدي وإلا قلب الطاولة بعدما قلب هذه الطاولة قبل 3 سنوات على نفسه من أجل مصلحة البلد من خلال السير بالتسوية السياسية وانتخاب العماد ميشال عون رئيساً لوقف الفراغ الرئاسي.
وقبل إنتهاء المهلة التي حددها الحريري لشركائه لتقديم جواب مقنع، أطلّ السيد حسن نصرالله موجّهاً رسالة إيجابية ضمنية للحريري لجهة “أن الجميع يتحمّل المسؤولية ولا يتنصّل منها، وأن الاحتجاجات ليست رسالة لفلان أو لفلان بل هي رسالة للجميع” ليضيف “نحن لا نؤيد استقالة الحكومة الحالية وترف تشكيل حكومة جديدة غير موجود”. ونفى نزول حزب الله إلى الشارع وردّ على تساؤلات المتظاهرين عن سبب عدم نزول الحزب بقوله “نحن حزب كبير وإذا نزلنا لا نغادر الشارع قبل تحقيق الأهداف” قائلاً “أهمية حركة المتظاهرين أنها كانت عفوية وعابرة للطوائف والمذاهب وقوة هذه الحركة كانت أنها بمعزل عن الأحزاب السياسية ولو نزل حزب الله لقيل إن إيران ترسل رسالة إلى أمريكا”. وأضاف “التظاهرات التي تتبناها أحزاب موجودة في السلطة ستحوّل مطلبكم من اجتماعي إلى سياسي وهدفها إسقاط العهد، وهذا العهد لا يمكن أن تسقطوه ومن يريد إسقاط العهد يضيّع وقته”.
حلول سحرية
ولولا عملية الانعاش التي أعطاها نصر الله للتسوية قبل إنتهاء مهلة الحريري لكانت الساحة السياسية شهدت على سقوط التسوية السياسية وخروج سعد الحريري من الحكم بعد خروج كل من سمير جعجع ووليد جنبلاط. إلا أن حزب الله والعهد يمانعان حالياً خروج الحريري من دون أن يمانع خروج وزراء الاشتراكي والقوات اللبنانية على الرغم من دعوة نصر الله إلى عدم الهروب من المسؤولية. وهذا الخروج لفريقين أساسيين من الحكومة سيفقدها التوازن السياسي والوطني المفقود أصلاً والذي كان موضع شكوى القوات والاشتراكي. وقد قال جنبلاط “أفضّل أن يحكموا وحدهم ربما يبلغون حلولاً سحرية كي لا أشارك كشاهد زور”. وأوضح أنه قال للحريري إن “ما من شيء سيتغيّر في 72 ساعة وربما الضغط الشعبي سيزداد. وقلت له إنني سأخرج من الحكومة وأفضل ان أبقى في المعارضة الهادئة”.
أما جعجع فقال “نتفق تماماً مع التوصيف الذي أعطاه الرئيس الحريري للواقع السياسي القائم، فالمشكلة في البداية ناجمة عن ممارسة سياسية خاطئة جداً وبعيدة كل البعد عن منطق الدولة ومصالح الشعب اللبناني، ويبقى ان الظرف الحالي لا يسمح بأي حال من الأحوال بأنصاف الحلول، فيجب هذه المرة الاستفادة من الزخم الشعبي للقيام بنقلة فعلية نوعية، وليس مجرد ترقيعات في ثوب بال، والنقلة النوعية تكون بتشكيل حكومة جديدة بعيدة كل البعد عن الطقم السياسي الحالي لتبدأ عملية النهوض الاقتصادي المرجو في البلد”.
وكان الوزير باسيل في ذكرى 13 تشرين الأول/اكتوبر الأحد الفائت هدّد بقلب الطاولة و”جرف من ينتظرون جثتنا على ضفة النهر” في إشارة ضمنية إلى جنبلاط. وجاء هذا التهديد بعد اجتماع على مدى 7 ساعات بين باسيل والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
وربط البعض هذا التهديد بالمتغيّرات الإقليمية والتوازنات الجديدة في المنطقة، ولم يكن الزعيم الدرزي بعيداً عن هذه القراءة وخصوصاً أنه ذكّر بمرحلة التمديد للرئيس السابق إميل لحود عندما اقترح على الرئيس الشهيد رفيق الحريري السير بالتمديد والموافقة على خروج وزرائه من الحكومة ومعارضة هذا التمديد. وبدا أن جنبلاط لا يرفض تكرار هذه التجربة من خلال بقاء الحريري رئيساً للحكومة من أجل مصلحة البلد والاستقرار على أن يخرج هو وجعجع من الحكومة ويعارضان من الخارج.
وإذا كان من مصلحة العهد والتيار وحزب الله بقاء الحريري على رأس الحكومة لأنه الوحيد القادر على التكلم مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والدول المانحة ودول الخليج، فإن الحريري الذي انكبّ على جلسات عمل مع فريقه بعد تحديده مهلة الـ 72 ساعة يشترط للبقاء قبول شركائه في التسوية من دون نقاش السير بخطة إنقاذية تتضمن سلّة من الإصلاحات منها إلغاء الضرائب التي جرى الحديث عنها مؤخرا ومن بينها الضريبة على الواتساب وتأمين الكهرباء في العام 2020 مع تصوّر للخصخصة وخفض الدين العام مع مساهمة أساسية من القطاع المصرفي وتسريع لمندرجات مؤتمر “سيدر” السلّة وإكمال الانطلاقة نحو تصفير العجز في الموازنة وتعزيز الحماية الاجتماعية.
لكن هل يسير الرئيس عون ومعه الوزير باسيل والثنائي الشيعي بشروط الحريري أم تستمر المكابرة وتكون الموافقة الأولية في خلال الاتصالات لثني الحريري عن الاستقالة مجرّد مناورة يعود بعدها النهج الذي حذّر منه رؤساء الحكومات السابقون إلى ما كان عليه لفرض تجاوزات دستورية تستهدف في الدرجة الأولى مقام رئاسة الحكومة ودور رئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعاً، فتسقط التسوية السياسية المترنّحة إلى غير رجعة مع ما تحمله من فجوات واهتزازات من فترة إلى أخرى، وتنتقل البلاد من كارثة إلى كارثة أكبر والهروب من مكان إلى آخر؟