بيروت-“القدس العربي”:حافظت ساحات الاعتصامات على وتيرتها في إطار الاحتجاجات الشعبية التي يتخلّلها من حين إلى آخر قطع طرقات رئيسية قبل إعادة فتحها من قبل الجيش اللبناني.
ويصرّ معتصمون على البقاء في الساحات بهدف الضغط على رئيس الجمهورية ميشال عون والمعنيين لتسريع إجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة العتيد وتأليف حكومة اختصاصيين بعيدة عن الولاءات السياسية واسترضاء الزعامات حسب ما وعد الرئيس في رسالته إلى اللبنانيين مع بداية النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
وهكذا يأمل اللبنانيون في حكومة منتجة وتوحي بالثقة علماً أن هناك أكثر من سيناريو طرح لشكل الحكومة الجديدة:
1-أن تكون حكومة مصغّرة من 16 إلى 24 وزيراً لإحداث صدمة إيجابية في الرأي العام بدلاً من الحكومات الفضفاضة الثلاثينية التي كانت تؤلف من أجل إرضاء القوى السياسية وتمثيلها.
2-أن يتم الفصل بين النيابة والوزارة بحيث لا تضمّ الحكومة نواباً كي لا تصبح مجلساً نيابياً مصغّراً على غرار العديد من الحكومات السابقة.
3-أن تكون حكومة تكنوقراط تضم خبراء واختصاصيين كل في مجال عمله بحيث ينطبق عليها القول “الرجل المناسب في المكان المناسب”.
غير أن أمام هذا الشكل من الحكومات مطبّات وتساؤلات على القوى السياسية تجاوزها والإجابة عنها. فهناك من يسأل هل معيار فصل النيابة عن الوزارة سينطبق على رئيس الحكومة الذي يفترض أن يكون ممثلاً لطائفته وخصوصاً في ظل حكم الأقوياء وبوجود رئيس للجمهورية قوي في طائفته وبوجود رئيس مجلس نواب قوي في طائفته؟ فإذا كان لا ينطبق هذا المعيار على رئيس الحكومة، فالشخصية الأقوى تمثيلاً للطائفة السنّية اليوم هي الرئيس سعد الحريري، وعليه يفترض أن يعود هو إلى رئاسة الحكومة إلا إذا ارتأى تسمية من يمثّله.
ومن بين التساؤلات هل انتهت المعادلة التي تربط بين عودة سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل إلى الحكومة والتي كانت السبب في عدم التوافق المسبق على حصول تعديل أو تغيير حكومي؟
وكيف يمكن التوفيق بين مطلب الانتفاضة الشعبية باستبعاد الوجوه المستفّزة وتشكيل حكومة تكنوقراط وبين رغبة رئيس الجمهورية وحزب الله بعدم كسر الوزير باسيل الذي حظي بأكبر نسبة من الغضب الشعبي والشتائم في خلال التظاهرات؟
على هذا التساؤل تجيب مصادر التيار البرتقالي عبر محطة “OTV” بأن “هذه المعادلة ليست وصفة شافية للوضع القائم الذي يطالب فيه الحراك بحكومة تكنوقراط أو تكنوسياسية. والصحيح ليس إطلاق المعادلات وإنما ترسيخ الهدوء ثم إجراء الاستشارات ثم التكليف وبعدها التشكيل”.
ومن المعلوم أن التيار البرتقالي ينظّم اليوم الأحد تحركاً شعبياً في اتجاه قصر بعبدا لدعم مواقف رئيس الجمهورية بعد الأصوات التي ارتفعت ضده والمنادية بسقوطه. وإذا كان الوزير باسيل في ذكرى 13 تشرين الأول/اكتوبر لوّح بقلب الطاولة وبالنهر الجارف وكان هو والـ 11 وزيراً لـ “تكتل لبنان القوي” أول من دفعوا الثمن جرّاء استقالة الحريري وقلب الطاولة عليهم وعلى حزب الله، فماذا سيعلن اليوم؟ وما هو مصير التسوية السياسية التي عقدها مع الحريري والتي تعرّضت لهزّة كبيرة هذه المرة قد يصعب ترميمها كما حدث في مرّات سابقة نتيجة مواقف سابقة للوزير باسيل اعتبرت استفزازية في حق الشارع السني ومن بينها عندما رأى “أن السنية السياسية قامت على جثة المارونية السياسية”؟
من الواضح أن الوزير باسيل الطامح إلى رئاسة الجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس عون لا يريد أن تضعف أوراقه ولا أن يصبح وزيراً سابقاً، وهو الذي كان شكّل موقعه في وزارة الخارجية أفضل فرصة له للمشاركة في المؤتمرات الدولية والعربية وإطلاق المواقف التي تريح حزب الله وتدافع عن سلاحه ومن بينها ما أعلنه أخيراً عن المطالبة باستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية واعتزامه زيارة دمشق للبحث في عودة النازحين السوريين.
ولكن باسيل، الذي سبق أن تعطّلت حكومات لأشهر في انتظار توزيره بدليل أن الجميع يتذكّر قول العماد عون “لعيون صهر الجنرال ما تتشكّل الحكومة” لا يمكن أن يتم توزيره إلا من باب حكومة تجمع بين التكنوقراط والسياسة، ومن هنا انطلقت فكرة حكومة تكنوسياسية. وهذا ما جرى البحث فيه والتركيز عليه قبل تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة للتكليف بهدف جلاء الصورة.
وحسب أوساط قصر بعبدا، فإن تأخير موعد الاستشارات لا يشكّل ثغرة، والأفضل التأخر في الدعوة إلى استشارات التكليف أياماً على أن نكلّف ويتأخر التأليف أشهراً نظراً إلى التجارب في تشكيل الحكومات السابقة. ورأت الأوساط “أن التأليف والتكليف يسيران بشكل متساو ولو جرى الاتفاق على نوع الحكومة أي أن تكون سياسية أو تكنوقراطية أو تكنوسياسية لكان جرى تحديد موعد الاستشارات النيابية”.
يبقى أن الحكومة المرتقبة لا يفترض فقط أن تنال رضى القوى السياسية الممثّلة في المجلس النيابي بل عليها أن تنال رضى الشارع الذي انتفض وقد ينتفض عند أي تأخير في التكليف والتأليف كما حصل في ظل التسوية الرئاسية فكيف عند تصدّع هذه التسوية.
ولعلّ تغريدة النائب جميل السيّد خير تعبير عندما قال “الانتفاضة تترقّب ماذا ستفعل الدولة؟ اليوم حرب الكواليس حول الحكومة المقبلة رئيساً ووزراء! فرقاء السلطة يرْضون خسارة بالشكل لا بالمضمون، وهم مخطئون! رأيي: إذا ما صلّحتوها اليوم، بُكرا السعر عليكم أكبر. “