لبنان: استشارات التكليف معلّقة بين عدم حماسة الحريري للعودة وتوجّس حزب الله من حكومة تكنوقراط وتمسك باسيل بالتوزير

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: إنه اليوم الـ 25 على قيام الانتفاضة الشعبية المتواصلة والتي لم تتراجع شرارتها رغم رهان السلطة على تعب المتظاهرين وانكفائهم. واليوم تستمر الاحتجاجات تحت عنوان “أحد الاصرار” على تنفيذ المطالب التي باتت معروفة وفي طليعتها تأليف حكومة تكنوقراط، استرداد الأموال المنهوبة، وإجراء انتخابات نيابية مبكّرة.

ولكن إذا كانت الانتفاضة حققت أولى أهدافها باستقالة الحكومة، إلا أن الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة الجديد لم يُحدّد موعدها بعد، وهذه هي المرة الأولى منذ اتفاق الطائف يتأخر فيها إجراء مثل هذه الاستشارات الملزمة خلافاً لما كان يجري في السابق، حيث كانت تتم الاستشارات بسرعة ويتم التكليف وتتأخر أحياناً عملية التأليف بين 3 أشهر لغاية 11 شهراً في انتظار تبديد شروط التوزير والتوافق على حصص الكتل والأحزاب السياسية. ولهذه الغاية كان المشهد السياسي ينطوي أحياناً على حضور رئيس مكلف مع رئيس حكومة تصريف الأعمال في المناسبة الوطنية نفسها سواء أكانت عيد الاستقلال أو عيد الجيش.

ومردّ هذا التأخير في الاستشارات هو أولاً عدم رغبة الرئيس سعد الحريري بالعودة إلى رئاسة الحكومة رغم إصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على هذه العودة واعتباره أن تأليف حكومة من غير التكنوقراط لن تحدث الصدمة الإيجابية المطلوبة لدى المتظاهرين في الشارع، وقد لا ترضي مزاج بعض الدول العربية والغربية، وثانياً خوف رئيس الجمهورية ميشال عون ومعه التيار الوطني الحر من أن تتم التسمية وأن يفرض الرئيس المكلف شروطه للتأليف خصوصاً أن أحد أسباب تقديم الرئيس الحريري استقالة الحكومة هو اصطدامه بموقف القوى السياسية التي رفضت فكرة التعديل وإخراج وجوه وزارية استفزازية للانتفاضة الشعبية بينها الوزير جبران باسيل.

وإذا كان الرئيس الحريري ومعه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، يفضّلون تشكيل حكومة تكنوقراط متناغمين بذلك مع مطلب المحتجين في الشارع، فإن حزب الله ومعه التيار الوطني الحر مرتابان من هذا التوجّه خشية أن يخفي وراءه محاولة للانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية التي أفرزت أغلبية لفريق 8 آذار وأن يكون هدفها عدم عودة الوزير باسيل وتمثيل حزب الله إلى الحكومة.

وبات معلوماً أن دخول حزب الله إلى الحكومات المتعاقبة بدأ منذ العام 2005 فيما دخول التيار الوطني الحر بدأ منذ العام 2009 وحافظ الطرفان على تحالفهما طيلة هذه الفترة منذ ما بعد توقيع ورقة مار مخايل، وينسّقان خطواتهما في الكثير من الملفات كما يفعلان حالياً في موضوع الحكومة حيث تتقاطع مصلحة الحزبين على ضرورة تشكيل حكومة تكنو سياسية إن لم يكن في الإمكان تشكيل حكومة سياسية صافية.

أكثر من ذلك، فإن حزب الله الذي يحبّذ عودة الحريري وبعث له بأكثر من رسالة ترفض استقالته أولّها في خطاب الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في 17 تشرين الأول/اكتوبر أي بعد يومين على انطلاق الانتفاضة، يتوجّس كالعادة من أن تكون إيحاءات أمريكية وغربية وراء الدعوات إلى تأليف حكومة تكنوقراط في لبنان بهدف إخراج الحزب من الحكومة تتمة لموضوع العقوبات الأمريكية المفروضة على حزب الله بهدف تطويق الحزب سياسياً ونزع الغطاء عنه بعد محاولات تطويقه مالياً واقتصادياً. وما عزّز هذا الاعتقاد هي التصريحات التي ترد على لسان وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، الذي أكد “انّ علينا مساعدة شعوب العراق ولبنان على التخلّص من النفوذ الإيراني وتحقيق تطلعاتهم”. ومن هنا تحدث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عن شكوكه بمن يركب موجة الحراك الشعبي وبمن يموّله، مسمّياً صراحة سفارات بالوقوف وراء بعض الحراك وتمويله.

غير أن مقاربة حزب الله تختلف عن مقاربة قوى سياسية تطالب بتأليف حكومة تكنوقراط إذ تقول “من ساواك بنفسه ما ظلمك” إذ إن المطالبة بإستبعاد الوجوه السياسية تسري علينا قبل غيرنا لأن الناس فقدت ثقتها بالطبقة السياسية وبكل الوعود والأوراق الإصلاحية، وتريد وجوهاً جديدة من اختصاصيين تتولّى تسيير شؤونها تترافق مع إعداد قانون لتقصير ولاية مجلس النواب وإجراء انتخابات نيابية مبكّرة تعيد إنتاج طبقة سياسية من خارج الوجوه التقليدية على الرغم من اعتبار البعض أن أي انتخابات وفق القانون الحالي القائم على التقسيمات الراهنة والصوت التفضيلي، سيعيد إنتاج نفس التوازنات السياسية في البرلمان مع تعديل بسيط.

يبقى أن اطلالة السيد نصر الله في الساعات القليلة المقبلة يوم الاثنين ستحمل تعبيراً واضحاً عن موقف حزب الله من موضوع الاستشارات المجمّدة ومن شكل الحكومة التي أصبح الحزب لاعباً اساسياً في تشكيلها وفي فرض الثلث المعطّل داخلها منذ اتفاق الدوحة.

وفي الانتظار، فإن الأوضاع الاقتصادية والمالية بلغت حد الانهيار مع إقفال العديد من المؤسسات قسراً ومع غياب السيولة من السوق المالية وخصوصاً الدولار وخوف المودعين على أموالهم في المصارف. وفي محاولة للحد من الأزمة والمساعدة في إيجاد حل يصل موفد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإجراء لقاءات مع كبار المسؤولين حاملاً رسالة تحذيرية وهي “تشكيل حكومة ضمن تسوية بسرعة قبل الانهيار” والسعي لحلحلة العقد التي تؤخر انطلاق عملية التكليف والتأليف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية