لبنان: استنفار سنّي في مواجهة انقلاب عون على الطائف

سعد الياس
حجم الخط
0

يستقوي عون وصهره بسلاح حزب الله للبقاء في بعبدا وصمّ الآذان عن الأصوات وهتافات الناس وأوجاعها التي لا تتوقّف عن المطالبة برحيل هذا العهد الذي أوصل البلاد إلى الانهيار.

بيروت-»القدس العربي»:من يدرك طبيعة وذهنية رئيس الجمهورية ميشال عون وعناده وطموحه الشديد إلى أعلى المناصب بأي ثمن منذ أن كان جنرالاً لا يستغرب أداءه وشروطه في عملية تشكيل الحكومة التي دفعت كلاً من الرئيس سعد الحريري والسفير اللبناني في المانيا مصطفى أديب إلى الاعتذار، في وقت يعاني الرئيس المكلف الحالي نجيب ميقاتي ما يعانيه في مشاوراته لإنجاز عملية التأليف وكيف في كل اجتماع مع رئيس الجمهورية كأن البحث في الحكومة يعود إلى المربع الأول على الرغم من اعتبار الرئيس عون أن شخصية ميقاتي تختلف عن شخصية الحريري لأنه بارع في تدوير الزوايا ويعرف كيف يأخذ ويعطي.
هذا الجموح نحو السلطة دفع بالجنرال عون إلى إعلان حرب التحرير ضد سوريا عام 1989 بعدما وصلته إشارات إلى أن دمشق لا تنظر إليه كرئيس محتمل للجمهورية. ثم أعلن عون حرب الإلغاء ضد القوات اللبنانية عام 1990 بعدما وصلته إشارات سورية إلى امكانية تبنّيه كمرشح رئاسي في حال ضرب القوات وآلتها العسكرية. وعلى الرغم من خسارة عون في الحربين المتتاليتين لم يغادر قصر بعبدا إلا بعملية عسكرية في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 متهماً القوات بالتواطؤ مع الجيش السوري لإخراجه.
اليوم يعيد التاريخ نفسه، فالجنرال عون موجود في بعبدا وبدل أن يشنّ الحروب العسكرية شمالاً ويميناً يشنّ حروباً سياسية وقضائية لا تستثني أحداً من المرجعيات بدءاً برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رؤساء الحكومات السابقين إلى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، حتى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لا يسلم من تهجّم مناصري التيار الوطني الحر عندما يتخذ مواقف لا تروق للجمهور العوني.
لكن التصعيد العوني الأكثر وضوحاً هو على جبهتين: أولاً القوات اللبنانية التي تشكّل منافساً قوياً للتيار الوطني الحر على الساحة المسيحية في ظل خشية عونية من أن يصبح سمير جعجع الأكثر تمثيلاً بعد الانتخابات النيابية المرتقبة ويخطف من أمام النائب جبران باسيل فرصة القول إنه الأكثر تمثيلاً وأنه الأولى بانتخابه رئيساً على غرار عمّه. ولذلك يتحيّن التيار أي فرصة للانقضاض على القوات وتشويه صورتها أمام الرأي العام سواء بعد الإشكال مع مناصري الحزب الشيوعي في منطقة الجميزة أو بعد اكتشاف خزانات بنزين لشقيق القيادي في القوات ابراهيم الصقر في منطقة زحلة، حيث خرج باسيل ليصوّب على القوات التي لا تتوقف عن اتهام التيار بالفساد في الكهرباء واستئجار البواخر التركية والسدود الفارغة من المياه والمحسوبيات في التعيينات. فقال باسيل «صار واضح انّو يلّي عاشوا آخر سنينهم على اتّهامنا زوراً بـ»المازوت الأحمر» والنفط، هم حماة «الفيول المغشوش» وأرباب تخزين ملايين الليترات ولو على حساب سلامة الناس».
ثانياً موقع رئيس الحكومة في ظل محاولة التيار العوني الانقلاب على اتفاق الطائف الذي قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية ووضعها في مجلس الوزراء. وإذا كان عون وتياره يؤكدان في العلن السير بالطائف إلا أن الممارسة توحي بعكس ذلك من خلال استبدال عون اجتماعات مجلس الوزراء باجتماعات المجلس الأعلى للدفاع وتعقيد مهمة الرؤساء المكلفين بتشكيل الحكومة وتطويق صلاحياتهم الدستورية وصولاً إلى تيئيسهم ودفعهم إلى الاعتذار وما تعنيه هذه الممارسات من محاولة لكسر هيبة ومكانة رئاسة الحكومة.
وقد جاءت قضية إصدار المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت مذكرة إحضار بحق رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب لتزيد من حال التشنج ولتطرح المزيد من علامات الاستفهام حول المستفيد من استضعاف موقع رئيس الحكومة ولو كان مستقيلاً. وبرز اتهام واضح من قبل رؤساء الحكومات السابقين لأروقة قصر بعبدا بإدارة ملف التحقيق العدلي، وردوا على الأمر بطلب «رفع الحصانة عن رئيس الجمهورية الذي كان يعلم قبل 15 يوماً بوجود نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت وتقاعس وامتنع عن القيام بأي عمل للحؤول دون حصول تلك الكارثة الإنسانية والاقتصادية والعمرانية التي حلّت بلبنان، علماً أن هذه المدة كانت كافية لتفكيك قنبلة نووية فكيف الحال بالنسبة لهذه المواد القابلة للتفجير».
ثم جاءت خطبة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الصريحة التي استهجن فيها طريقة التخاطب مع رئيس الحكومة، متوجّهاً إلى رئيس الجمهورية بدعوة إلى «إنقاذ ما تبقّى من عهده وإلا فنحن ذاهبون إلى الأسوأ وإلى أبعد من جهنّم إلى قعر جهنّم كما بشّرتنا».
وفي ضوء هذه المعطيات، وفي انتظار ما ستنتهي إليه مفاوضات التأليف التي يجريها الرئيس ميقاتي مع الرئيس عون والتي ترتسم في أفقها غيوم سوداء عبّر عنها الرئيس المكلف بوضوح بقوله إن الأمتار الاخيرة في السباق الحكومي فيها جبال ووديان وبحار، ستتحدّد طبيعة التعاطي من قبل القيادات السنية ودار الفتوى مع سيّد القصر الجمهوري. فالمعلومات تؤشّر إلى أن ميقاتي في حال اعتذر أو جرى إفشاله في مهمته سيكون آخر رؤساء الحكومات المكلّفين إذ سيمتنع رؤساء الحكومات ودار الفتوى عن ترشيح أي إسم لرئاسة الحكومة أو توفير الغطاء السني لأي مرشح للرئاسة الثالثة، وسيخوض هؤلاء معركة قاسية ضد العهد تطالب باستقالة عون من أجل تصويب المسار، في وقت يستقوي عون وصهره بسلاح حزب الله للبقاء في بعبدا وصمّ الآذان عن الأصوات وهتافات الناس وأوجاعها التي لا تتوقّف عن المطالبة برحيل هذا العهد الذي أوصل البلاد إلى الانهيار. أما آخر المآثر العونية المنتظرة على طريق البقاء في القصر فهي التحضير لزيارة رئاسية إلى دمشق بعد زيارة وفد وزاري رفيع المستوى برفقة المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم علّها تفتح أبواباً أمام جبران باسيل في طريقه إلى خلافة ميشال عون في رئاسة الجمهورية.
أما لمن يسأل عن موقف المسيحيين من سياسة رئيس الجمهورية، فمن الواضح أن شعبية عون هبطت من نحو 70 في المئة بعد انتخابات 2005 إلى 40 في المئة في انتخابات 2009 و32 في المئة في انتخابات 2018 . أما حالياً فشعبيته في الوسط المسيحي في أدنى مراتبها وقد تفرّق من حوله الكثير من نواب «تكتل لبنان القوي» ومجموعة الخط التاريخي للتيار. ولهذا السبب لم تُجر الانتخابات النيابية الفرعية على المقاعد النيابية التي شغرت إما بالاستقالة أو بالوفاة، ولهذا ربما لن تجري الانتخابات النيابية العامة في ربيع 2022 لئلا ينكشف الواقع العوني وحقيقة إدّعاءاته بالدفاع عن حقوق المسيحيين، علماً أن أكثر مرحلة شهدت هجرة مسيحية من البلاد إلى الخارج كانت في عام 1990 في فترة تولّي عون الحكومة العسكرية وفي هذه الفترة عندما وصل عون إلى سدة الرئاسة.

الصورة: الرئيس عون والمكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية