بيروت- “القدس العربي”: يواصل المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم مساعيه بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ناقلاً ملاحظات كل من الرئيسين على بعض الأسماء المرشحة للحقائب العالقة، وفيما أمل عون بتأليف الحكومة هذا الأسبوع، لا تبدو الأمور بهذه السهولة بدليل إنقطاع زيارات الرئيس ميقاتي إلى بعبدا حيث أفيد بأنه يبقى أمام عملية التأليف الاتفاق على أسماء لحقيبتين عالقتين هما العدل والاقتصاد.
غير أنه بموازاة أجواء التفاؤل التي يتعمّد البعض إشاعتها ليبرّىء نفسه من تهمة التعطيل والتمسّك بالثلث المعطّل، برز سجال بين قصر بعبدا ورؤساء الحكومات السابقين حول ما ورد في مقابلة الرئيس المكلّف الأخيرة لجهة أن “رئيس الحكومة هو الذي يتعرّض للمحاسبة في مجلس النواب وهو بالتالي المسؤول عن تشكيلها، وعليه اختيار الوزراء ليشاركوه المسؤولية”، فرأت أجواء منسوبة إلى بعبدا في هذا الكلام “تناقضاً ظاهراً لمواقف أُخرى تنمّ عن شيء ما”، وسألت “إن كان الأمر على هذا النحو، فلماذا شنّ رؤساء الحكومة السابقون في مسلسل بياناتهم الأخيرة، حملة على رئيس الجمهورية ووجّهوا وسائل الإعلام للتصويب في اتجاه العهد، وحمّلوه مسؤولية ما يجري؟ علما أن ميقاتي شارك في هذه الاجتماعات، ولا سيما الاجتماع الأخير الذي أصدر بيانا تعليقا على مذكرة الإحضار الّتي أصدرها المحقّق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت”. واضافت أجواء بعبدا: “لماذا، وكيف لا يحاسبون هم أنفسهم على ما ارتكبوه خلال وجودهم في المسؤولية، طالما أن رؤساء الحكومة يكونون موضع مساءلة ومحاسبة كما قالوا في هذا البيان؟ أليس في هذه المواقف من تناقض؟ ثم كيف يتجاهلون ما ورثه العهد من السنوات السابقة التي كان فيها هؤلاء الرؤساء في موقع المسؤولية على مدى ثلاثة عهود متتالية؟”.
اما رؤساء الحكومة السابقون فردّت مصادرهم بما يلي:” فيما عملية تشكيل الحكومة لا تزال تدور في الحلقة التعطيلية المعروفة، رغم كل الجهود التي يبذلها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، لجأت “أجواء بعبدا”، كما وصفت نفسها، إلى تسريبات جدلية مجتزأة وفي غير مكانها الصحيح في محاولة للتعمية على الوقائع الدقيقة.
وتوضيحاً للحقيقة، وحسماً للجدل نقول: أولا، إن الرئيس المكّلف، في حديثه التلفزيوني الأخير عن مسؤولية رئيس الحكومة امام مجلس النواب انطلق من نص المادة 64 التي تقول إن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها ويعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء، ويطرح سياسة الحكومة العامة أمام مجلس النواب.
ثانيا، ان موقف رؤساء الحكومات السابقين المعبّر عنه في البيان الأخير الذي أصدروه، بشأن مسؤولية رئيس الجمهورية في موضوع انفجار مرفأ بيروت، انطلق من كلام رئيس الجمهورية نفسه الذي قال فيه إنه تلقى قبل أسبوعين من تاريخ وقوع الانفجار تقريراً عن المواد المتفجرة المخزّنة في مرفأ بيروت، ولم يبادر إلى طرح الأمر من خارج جدول الأعمال في مجلس الوزراء، كما لم يدع بصفته رئيساً لمجلس الدفاع الأعلى، إلى عقد اجتماع للمجلس لدرس التقرير واتخاذ الإجراء المناسب بشأن هذه المواد، ولم يتابع الأمر مع من أشار إليهم بمتابعة أمر هذه الكميات الكبيرة والخطيرة من المواد القابلة للتفجير من أجل الحؤول دون وقوع المحظور. هذا علماً أنّ القاصي والداني يعرف أن فخامته، ومنذ فترة طويلة، يتدخل بالأمور الصغيرة والكبيرة- وبشكل يومي- ولكنه تغاضى عن هذه المسألة الخطيرة.
ثالثا، إن بيان رؤساء الحكومة السابقين أكد وبوضوح شديد على أهمية رفع الحصانات أياً تكن وعن الجميع ودون أي استثناء، لكي تأخذ العدالة الكاملة مجراها، وبالتالي يتحرر القضاء اللبناني من أية قيود تحول دون أدائه لعمله بتجرد وفعالية من اجل كشف جميع جوانب هذه الجريمة الإنسانية والاقتصادية للبنان واللبنانيين، وليس فقط الاكتفاء بالتركيز على التقصير الوظيفي. هذا علماً أن رؤساء الحكومة السابقين كانوا أول من طالب بلجنة تحقيق دولية لكشف جميع جوانب هذه الجريمة الكبرى، وذلك صباح اليوم التالي لهذا التفجير الإجرامي.
رابعا، يهمّ الرؤساء السابقون أن يلفتوا إلى أنه لا يجوز الاستمرار في استهلاك الوقت الحرج في السجالات التي لا طائل منها، ويأملون أن يتم فوراً وبدون إبطاء تشكيل الحكومة المطلوبة وفق المعايير والأعراف الدستورية والمقتضيات الوطنية. فاقتضى التوضيح”.
تزامناً، برز موقف عالي النبرة للمطارنة الموارنة برئاسة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أشبه بنداء المطارنة في ايلول عام 2000. فالمطارنة الذين أعربوا عن “ذهولهم وغضبهم وألمهم أمام التمادي غير المسؤول في سوء إدارة المصالح العامة والمال العام، وأمام تفاقم الأزمة السياسية، بحيث بات تشكيل حكومة شأناً مستحيلاً على رغم مرور أكثر من سنةٍ على تعذُّر هذا التشكيل لأسباب تحاصصية معيبة لأصحابها”، حذّروا “من مغبة ما يجري ويُخفي انقلاباً على الميثاق الوطني والدستور واتفاق الطائف”، وأكدوا “أن لبنان الحرية والسيادة والاستقلال وسلامة الأراضي بات على مشارف الزوال، وأن ثمة قوى إقليمية ومحلية تابعة لها وراء ذلك”، ودعوا “شعب لبنان إلى التصدي لها بما أُوتِي من قوّة، ومهما بلغت التضحيات”.
واضاف المطارنة الموارنة “القضيّة اليوم إنما هي قضيّة المصير وبالتالي قضيّة حياةٍ أو موت. لذا يناشد الآباء المجتمع الدولي المبادرة سريعًا إلى احترام القرارات الدولية المُتعلِّقة بلبنان والعمل على تنفيذها بقوّةٍ وحزم، إسهامًا في حماية بنية الدولة اللبنانية، ومصيرها ومصير أهلها، بعيدا عن الحسابات والتجاذبات الدولية والإقليمية التي لم تدفَعْ بلبنان إلا إلى الخراب”.