لبنان: الحريري أمام خيارات أحلاها مرّ والكلام بات عن مرحلة ما بعد الاعتذار

سعد الياس
حجم الخط
0

بيروت-»القدس العربي»:  لم يعد الكلام في بيروت عن اعتذار الرئيس المكلّف سعد الحريري عن عدم تأليف الحكومة بل عما بعد الاعتذار، هذه هي المعادلة التي باتت تحكم الواقع الحكومي في ضوء التعقيدات التي برزت في وجه التشكيلة الحكومية وعدم مبادرة الأطراف المعنية وخصوصاً فريق العهد لتقديم التنازلات كي تقلّع حكومة الانقاذ التي ينتظرها اللبنانيون، علّها تسهم في الحد من المزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والحياتي.

وباتت أسفار الحريري في الخارج أكثر من حضوره في الداخل، ولعلّه بهذا الغياب يعوّض عن حالة الضياع التي يعيشها بين الاستمرار بتكليف صعب أو اعتذار أشدّ صعوبة، وهذا ما يفسّر غياب أي مؤشرات جدية حول هذا الاستحقاق، في وقت تتعاظم الاحتجاجات وتنذر بتمدّدها وتفاقمها بعد المشهد الذي حصل في طرابلس، والمخاوف من استغلال أطراف داخلية معينة حالة الفقر والجوع واليأس لوضع أهل المدينة في مواجهة مع الجيش بهدف تحويل الاحتجاجات إلى فوضى وتحقيق اختراقات على الساحة الطرابلسية والسنّية.
ولا يمكن فصل قرار الحريري بالاعتذار أو عدمه عما يمكن أن يحدث بعده، ولاسيما إذا لم تكن الخطوة مدروسة بظروفها ومنسّقة مع الرئيس المكلّف في توقيتها، كي لا يؤدي أي قرار إلى نتائج عكسية وخصوصاً في حال عدم نضوج الحل وعدم التوافق على هوية الشخصية التي ستخلف الحريري في رئاسة الحكومة، والتي ستحظى بمباركته وبرضى دار الفتوى ورؤساء الحكومات السابقين.
ويبدو الحريري عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: الخيار الأول رغبته الفعلية في الاعتذار نظراً لشعوره بغياب الدعم العربي والدولي الذي كان يعوّل عليه للاستمرار في تكليفه الأمر الذي سيجعل مهمته مقيّدة، لكن هذه الخطوة تصطدم لغاية الآن بعدم مباركة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لا يرى عن الحريري بديلاً، الخيار الثاني عدم رغبته في أن يكون اعتذاره عن عدم التأليف بمثابة هدية إلى رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل اللذين سيعتبران إزاحته انتصاراً لهما وانكساراً للممثل الأكبر للطائفة السنية في لبنان الذي يحظى بتأييد دار الفتوى ورؤساء الحكومات السابقين وشريحة شعبية واسعة.
وفي كلا الحالتين، فإن الحريري سيخسر من رصيده، سواء إذا استمر بتكليفه ونجح في التأليف وبقي مكبّلاً نظراً لعدم التجانس بينه وبين العهد ووضع المطبّات أمامه، وسواء إذا اعتذر بعد تسعة أشهر من عدم القدرة على التأليف رغم تمتّعه بالميثاقية السنّية والتمثيلية.

أفشل العهود

وليس العهد بأقل خسارة، فهو مع كل يوم يمرّ من دون حكومة تقترب الولاية من نهايتها من دون تحقيق أي انجازات، وسيسجّل التاريخ أن هذا العهد كان من أفشل العهود وشهد على أكبر كارثة اقتصادية ومالية واجتماعية وعلى ثالث أكبر انفجار في العالم. وإذا كان الحريري بعلاقاته العربية والدولية قادراً على انتشال العهد من مأزقه وإعطاء نفحة أمل بإمكانية الحد من الانهيار في حال تطبيق برنامج إصلاحات، فإن خروجه من المشهد الحكومي ومجيء شخصية سنية غير وازنة على غرار الرئيس حسان دياب سيعمّق المأزق.
ويبدو العهد وتياره حالياً في شبه عزلة داخلية وعربية ودولية، فباستثناء حليفه حزب الله الذي بدأ يشعر بالإحراج جرّاء المواقف المتصلّبة للتيار العوني ومحاولة تخييره بين حليفه المسيحي وحليفه الشيعي، انقطعت علاقات هذا العهد بمعظم الأفرقاء على الساحة اللبنانية وخصوصاً على الساحة المسيحية من الحزب الأقوى مسيحياً وهو القوات اللبنانية إلى تيار المردة فحزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار، في وقت ترتسم علامات استفهام كبيرة حول العلاقة بين رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية التي لولا خوفها على استحداث سابقة خطيرة من نوعها لرفعت الغطاء عن رئيس الجمهورية ليسقط في الشارع.
من هنا، وانطلاقاً من معادلة توزيع وتخفيف الخسائر، قد يبدأ التفكير لدى مَن بيدهم الحل والربط بسيناريو جديد يقوم على تأليف حكومة انتخابات واختيار رئيس لها غير مرشح لا هو ولا وزراؤه إلى الانتخابات النيابية المرتقبة على أن يكون لسعد الحريري كلمة في تسمية هذه الشخصية مع عدم استبعاد إعادة تسمية السفير اللبناني لدى المانيا مصطفى أديب تشكيل هذه الحكومة في حال وافق على هذه المهمة، ولاسيما أن إسمه كان محل توافق غالبية الكتل النيابية، حتى الكتل التي لم تسمّه كالقوات اللبنانية أبدت تقديرها واحترامها له عندما قدّم اعتذاره عن عدم التأليف بعد انقضاء المهلة التي حدّدها لنفسه بناء للمبادرة الفرنسية التي رعاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وحده مثل هذا السيناريو الذي لا يقوم على مبدأ غالب ومغلوب يمكن أن يبصر النور في حال رغب العهد وتياره، أما استمرار التعنّت والتمسّك بالشروط ومن يسمّي الوزيرين المسيحيين فيعني أن ولاية عون ستنتهي إلى أسوأ مما هي عليه اليوم، وسيخرج رئيس الجمهورية عاجلاً أم آجلاً من قصر بعبدا وسيفتقد جبران باسيل إحدى أوراق قوته وهي ورقة توقيع عمّه على مرسوم تشكيل الحكومة، كما سيفتقد الورقة الثانية وهي رئاسته لأكبر كتلة نيابية مسيحية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية