لبنان: الحريري تغيّر ولم يعد رجل التنازلات والعهد المتهالك يعيش حالة إنكار

سعد الياس
حجم الخط
0

خلافاً للعهد وتياره الذي يعيش في عزلة سياسية وتُقفَل أمامه الأبواب، فإن الرئيس المكلّف يستفيد من علاقاته الدولية والعربية ولا يخشى فرض عقوبات عليه كتلك التي تلاحق فريق العهد.

بيروت-»القدس العربي»:06
منذ تكليف الرئيس سعد الحريري في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2020 تأليف الحكومة، مضت ستة أشهر من دون أن يتمكّن الرئيس المكلّف من تنفيذ تعهّده تشكيل حكومة اختصاصيين من غير الحزبيين مهمتها تطبيق الإصلاحات وفق المبادرة الفرنسية لوقف الانهيار وإعادة إعمار ما دمّره انفجار مرفأ بيروت، بحسب ما أعلن من قصر بعبدا بعد تكليفه الرسمي بأصوات 65 نائباً.
ولا يتحمّل الحريري مسؤولية عدم التأليف لأنه قدّم إلى رئيس الجمهورية ميشال عون تشكيلة مكتملة من 18 وزيراً رفضها سيّد القصر المتهم بأنه يريد الثلث المعطّل وضمان المستقبل السياسي لصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بعد فرض العقوبات الأمريكية عليه وإنفراط علاقته بسائر الأطراف السياسية في لبنان ما عدا حزب الله.
وإذا كان الحريري وافق ضمناً على مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري المستوحاة من أفكار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بتوسيع الحكومة إلى 24 وزيراً على أساس 3 ثمانات من دون ثلث معطّل لأي فريق سياسي، إلا أنه كان ينتظر إعلاناً صريحاً من بعبدا بقبول هذه المبادرة ومنح «تكتل لبنان القوي» الثقة لحكومته في مجلس النواب قبل الغوص في تفاصيل التشكيلة ومواجهة عقد ومطالب جديدة كمن يسمّي الوزراء المسيحيين الإضافيين وسواها، ولكن لم يصدر مثل هذا الإعلان بل خرج الرئيس عون على اللبنانيين برسالة متلفزة لم يأت فيها على ذكر الحكومة بل ركّز على التدقيق الجنائي.
وهكذا تستمر المواجهة بين العهد والحريري، فالأول ما زال يحلم بنزع التكليف من الثاني والحؤول دون دخوله إلى السراي إلا بعد الإذعان لشروطه تحسّباً لانتهاء ولاية رئيس الجمهورية وعدم الاتفاق على انتخاب رئيس ودخول البلاد في فراغ رئاسي وتسلّم الحكومة صلاحيات الرئاسة الأولى وخشية أن يتحكّم الحريري وفريقه بالسلطة التنفيذية من دون أي شراكة فعلية مع التيار الوطني الحر. والثاني أي الحريري لن يحقق للعهد مبتغاه بالاعتذار عن عدم التأليف حتى لو لم يتفق مع عون على حكومة، معتبراً أن وضعيته كرئيس مكلّف أفضل من أن يكون فقط رئيس كتلة نيابية لأن باستطاعته من موقعه في السلطة أن يكون شريكاً في القرار بدلاً من أن يكون رئيس كتلة نيابية فقط في موقع المعارضة ولاسيما أن لبنان مقبل بعد سنة ونيّف على انتخابات نيابية وانتخابات رئاسية ولا يريد إخلاء الساحة في هذه المرحلة بل يريد مواكبة هذه الاستحقاقات من موقع الفاعل والمؤثّر في القرار وفي بلورة صورة العهد الجديد والإشراف على الانتخابات النيابية في حال إجرائها ويعتبر أن موقعه كرئيس مكلّف يمكّنه من التعامل معه كرئيس حكومة في بعض العواصم العربية والإقليمية والدولية وهو الذي يتمتّع بأوسع تمثيل لدى الطائفة السنّية في لبنان.
وبدا أن الحريري يقدّم صورة مغايرة عن تلك التي ترسّخت في ذهن جمهوره وبعض حلفائه، إذ تميّز في أكثر من محطة بأنه رجل التسويات والتنازلات وبأنه عند كل استحقاق يتجرّع «كأس السمّ» الأمر الذي يخيّب ظنّ جمهوره والأطراف المؤيدة له بما فيها دول عربية مثل المملكة العربية السعودية. أما هذه المرّة فيرفض الحريري تقديم هدايا مجانية والمساومة على قناعاته وقبول أي لقاء للتفاهم مع جبران باسيل بصفته «الرئيس البديل» بدل التفاهم مع عون بصفته «الرئيس الأصيل» وهذا يعيد تلميع صورته أمام جمهوره بدل السعي إلى تسوية بأي ثمن ويظهره بمظهر الحريص على صلاحياته كرئيس مكلّف وعلى تشكيل حكومة بحسب اقتناعاته وشروطه لا بحسب اقتناعات وشروط العهد وتياره.
وخلافاً للعهد وتياره الذي يعيش في عزلة سياسية وتُقفَل أمامه الأبواب سواء في قصر الإليزيه أو في الدول الخليجية والذي يُستثنى رئيس هذا التيار من جولات وكيل وزارة الخارجية الأمريكية دايفيد هيل ووزير الخارجية المصري سامح شكري والأمين العام المساعد للجامعة العربية حسام زكي، فإن الرئيس المكلّف يستفيد من علاقاته الدولية والعربية والإقليمية ويتنقّل بين فرنسا والإمارات ومصر وتركيا وأخيراً روسيا ولا يخشى من فرض عقوبات عليه كتلك التي تلاحق فريق العهد الذي يُتهم بالعرقلة.
ولعلّ هذا الانطباع الذي تكوّن في ذهن غالبية الأطراف حول مسؤولية العهد وتياره عن العرقلة يصبّ في مصلحة الحريري، ويعزّز الرهان عليه بدل الرهان على عهد متهالك لم يبقَ من ولايته أكثر من سنة ونصف، ويتخبّط في أزمات متراكمة انفجرت في منتصف الولاية بفعل السياسات التي انتهجها بالابتعاد عن المحور العربي والالتصاق بالمحور الإيراني السوري وتحالفه مع حزب الله بدل الترجمة الفعلية لسياسة النأي بالنفس التي لو التزم بها هذا العهد ولم ينزلق إلى تغطية الحزب وحروبه في الخارج ويصمت على التهجّم على الدول العربية، لما كانت هذه الدول امتنعت عن الوقوف إلى جانب لبنان ودعمه اقتصادياً ومالياً لمنعه من الانهيار بدل هذه المقاطعة غير المسبوقة بفعل غياب الثقة وانتظار تأليف حكومة موثوقة تطبّق خطة إصلاحية ولا تهدر المساعدات.
وعلى الرغم من كل هذه المعطيات لا يزال العهد يعيش حالة إنكار وينفي ارتكابه أخطاء ويعتقد أنه باسترجاع صفحات الماضي وتذكير الناس بإسم «ميشال عون» و»الجنرال» قادر على خلق حالة وجدانية وعاطفية كتلك التي تمّ استغلالها في مراحل ماضية في وجه الخصوم، فيما الواقع مختلف تماماً وبات الشعب بمعظم فئاته يحسب العدّ العكسي لانتهاء الولاية ورحيل هذه السلطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية