بيروت- “القدس العربي”: يترقب الوسط السياسي والشعبي في لبنان القرار الذي يتخذه الرئيس المكلف سعد الحريري بعد إفشال مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري واستمرار رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل في تصلبه لناحية التشكيلة الحكومية التي وافق الحريري على توسيعها من 18 إلى 24 وزيرا.
وقد دخل الحريري السبت إلى اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى وورقة الاعتذار بسبب عدم التأليف في جيبه إلا أنه خرج مكلفا من أعلى مرجعية سنية في لبنان وهذا هو التكليف الثالث بعد الاستشارات النيابية الملزمة وبعد جلسة مجلس النواب التي تُليت فيها رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون التي ضمرت سحب التكليف من الحريري.
وفي حال قرر الحريري الاعتذار فإن ما يعتقده فريق العهد انتصارا وتخلصا من الحريري سينقلب عليه وعلى البلد، وسيفتح بابا لصراع حاد بين التيارين الأزرق والبرتقالي تكون نتائجه شبيهة بنتائج حربي التحرير والإلغاء اللتين أضعفتا المكون المسيحي في عهد عون نفسه وأدت إلى معركة 13 تشرين الأول/أكتوبر التي أطاحت بعون من قصر بعبدا.
ولم يكن الرئيس بري بعيدا عن إسداء النصيحة للحريري بعدم الاستعجال في الاعتذار وانتظار ما ستسفر عنه المحاولة الأخيرة لإنقاذ مبادرته، فيما بيان المجلس الشرعي الإسلامي حمل دعما مطلقا للرئيس المكلف، وأكد أنه “في الوقت الذي توشك فيه السفينة على الغرق، فإن بعض المسؤولين أو الذين يُفترض أن يكونوا مسؤولين، لا يرف له جفن، ولا يتحرك لديه ضمير أو حس وطني أو إنساني”.
وقال في إشارة ضمنية إلى عون وباسيل إن “هذا البعض غارق في “الأنا” وفي نرجسياتهم الوهمية، وكأن الأخطار التي تحدق بسفينة الوطن لا تعنيهم من قريب أو بعيد. إنهم يرفضون حتى أن يمدوا أيديهم إلى الأيدي الممدودة من وراء الحدود لإنقاذهم من أنفسهم، ومن الغرق في دوامة الفوضى والانهيار”. وشدد المجلس على أنه “لا يمكن السماح بالمس بصلاحيات رئيس الحكومة المكلف”، معتبرا أن “أي سعي إلى أعراف جديدة في ما يتعلق بالدستور أو باتفاق الطائف أمر لا يمكن القبول به تحت أي حجة من الحجج”.
ومن المقرر أن يُعقد لقاء بين بري والحريري لجوجلة الأمور ونتائج المحادثات التي أجراها الخليلان ومسؤول الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا مع باسيل الذي تساجل مع معاون بري علي حسن خليل بعد محاولته رمي كرة التعطيل في ملعب الحريري، فيما هو بحسب المعلومات أصر على موقفه بعدم منح الحكومة الثقة انطلاقا من عدم مشاركة التيار في التشكيلة، ما يعني أن حصة رئيس الجمهورية ستكون 8 وزراء وهو أمر سبق للحريري أن أبلغ رفضه له. وأفيد بأن باسيل الذي يرفض تسمية الحريري للوزيرين المسيحيين اقترح أن يسمي أحدهما المجتمع المدني وأن يسمي الآخر المجلس الوطني للإعلام ليكون وزيرا للإعلام.
من جهتها، فإن أوساط الرئيس نبيه بري أبدت استياءها مما آل إليه التعاطي مع المبادرة، وقالت لـ”القدس العربي” إن “هناك أناسا ينحرون الوطن بخنجر ويستمرون في غيهم وتصلبهم غير آبهين بالأوضاع”.
في هذه الأثناء، لم تكن المواقف الصادرة عن المرجعيات الروحية المسيحية بعيدة عن أجواء ما صدر عن دار الفتوى. وسأل متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأورثوذكس المطران إلياس عودة “ألا يزعج أحدا مشهد الذل المتنقل في كل مكان؟ عند محطات المحروقات، في الأفران والصيدليات والسوبرماركت؟”. وقال في عظة الأحد “لقد وصل اليأس بالشعب إلى حد القرف”. ودعا “المسؤولين إلى التجول في شوارع العاصمة ليلمسوا حقيقة ما وصل إليه اللبنانيون من تعاسة وضيق وقرف”.
وتوجه إلى رئيس الجمهورية بالقول “فخامة الرئيس، أستحلفك بأحفادك الذين ترى الحياة في عيونهم أن انزل إلى الشارع واستمع إلى شعبك وعاين الذل الذي يعيشه. هل تقبل أن يموت إنسان جوعا أو مرضا في عهدك؟ هل تقبل أن يعاني طفل في عهدك؟ هل تقبل أن يُهان مواطن في عهدك؟ هل تقبل أن يضمحل لبنان في عهدك؟ والدعوة عينها موجهة إلى رئيس الحكومة المستقيل منذ أشهر طويلة ولم يقم مع حكومته بأدنى واجبات الحكومة، ولم ينفطر قلبه وجعا على حال اللبنانيين، وإلى الرئيس المكلف المطلوب منه التعالي عن الأحقاد والخصومات، والإسراع في تأليف الحكومة رحمة بالوطن والمواطنين، وإلى رئيس مجلس النواب ونواب الأمة ربما يدركون حجم الكارثة”.
وأضاف “لجميع المسؤولين والزعماء نقول باسم الشعب: إذا أردتم أن تتقاتلوا أو تتنازعوا وتتشاتموا فأنتم أحرار، إنما قوموا بذلك بعيدا من حياتنا ومستقبل أولادنا واتركونا نعيش بسلام وكرامة. وإلا تناسوا خصوماتكم وادفنوا أحقادكم وقوموا بواجبكم”، سائلا “ألا يستحق لبنان تنازلا وتضحية؟ هل بسبب وزير أو حقيبة يُدمر وطن ويُنحَر شعب؟ هل تقبلون أن يموت عزيز عليكم جوعا أو مرضا أو يأسا وأنتم تتقاتلون على ملك زائل؟ كفى اغتيالا لهذا البلد الجميل وهذا الشعب العزيز. كفى جشعا وكبرياء وتعنتا. ارحموا هذا البلد وشعبه. عندما نسمع أن نائبا في البرلمان البريطاني استقال لأنه تأخر عن موعد الاجتماع، وأن وزير الصحة في الأردن استقال بسبب وفاة أشخاص جراء نقص الأوكسجين، أخجل من حكام يصيب بلدهم ما أصاب لبنان وهم لم يتنحوا خجلا واعتذارا من الشعب، بل لم يحركوا ساكنا لتحسين الوضع ووقف الاستنزاف”.
وفي إشارة إلى أمين عام حزب الله سأل عودة “أين الدولة من قرار فردي لرئيس حزب يلزم الدولة كلها، وماذا تفعل الدولة إذا قرر كل رئيس حزب التفرد بقراراته والتطاول على هيبة الدولة؟ ألم يحن الوقت بعد لتحزم الدولة أمرها وتستعيد قرارها وتفرض هيبتها على الجميع؟”.
أما البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي فتوجه للمسؤولين الذين يعطلون تأليف الحكومة ونهوض الدولة قائلا “لقد عرفنا سياسة الأرض المحروقة، لكننا نرى في هذه الأيام سياسة الشعب المحروق. العالم كله ينتظرنا لكي يتمكن من مد يد المساعدة من أجل إنهاض الدولة. أما أنتم فغارقون في لعبة جهنمية، في الأنانيات والأخطاء، في سوء التقدير وسوء الحوكمة، في المحاصصة والمكاسب، وفي السير عكس أماني شعبنا…”.
وأضاف “لا يكفي أن تعترفوا بعجزكم وضعف صلاحياتكم لتبرروا المراوحة، وتتركوا الأزمات تتفاقم والمآسي تتعمق والانهيار يتسارع. هذه البلاد ليست ملكية خاصة لكي تسمحوا لأنفسكم بتفليسها وتدميرها”.
ورأى أن “الوقت حان لخروج الدولة من لعبة المحاور الإقليمية التي قضت على علاقات لبنان العربية والدولية”، وختم “لقد ضربت هذه الجماعة السياسية سمعة لبنان الدولية، فيما كان اسم لبنان رمز الإبداع والنهضة والازدهار في بلاد العرب والعالم”، داعيا “حكومة تصريف الأعمال لتقوم بواجباتها بحكم الدستور والقانون والضمير، فتبادر إلى توفير الغذاء والدواء والمحروقات وحليب للأطفال. أليس من أبسط واجباتها دهم مستودعات وخزانات الاحتكار، وتوقيف شبكات التهريب المنظمة والمحتضنة، وإقفال المعابر غير الشرعية وضبط المعابر الشرعية، وإقفال المتاجر ومنع غلاء الأسعار والتزوير؟”.