بيروت- “القدس العربي”: لم تغب الاحتجاجات تحت العنوان الاجتماعي والمعيشي عن طرابلس وعدد من المناطق اللبنانية لليوم الثالث على التوالي، وتجمع في ساحة النور في عاصمة الشمال مواطنون وقطعوا الطريق، ورمى بعضهم الحجارة في اتجاه سرايا المدينة وتم إحراق غرفة الحرس، وأفيد عن توجه عدد من المحتجين من عكار لمؤازرة المعتصمين.
ومن الشمال إلى الجنوب حيث نظم “حراك النبطية” تحركا أمام خيمته قرب السرايا للمطالبة بحقوقهم تحت شعار “من حقي عيش بكرامة”، تضامنا مع “حراك طرابلس”. وحمل المحتجون الأعلام اللبنانية وبُثت الأناشيد الحماسية وسط إجراءات أمنية اتخذتها عناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
وفي صيدا تم قطع الطريق عند دوار إيليا، فيما نفذ عدد من المحتجين على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والغلاء اعتصاما في ساحة الشاعر خليل مطران في بعلبك وقطعوا الطرق المؤدية إلى الساحة.
وترافقت هذه الاحتجاجات مع انتشار كثيف لوحدات الجيش اللبناني، وأفاد بيان لقيادة الجيش بأن “31 عسكريا أصيبوا بجروح مختلفة ورضوض جراء تعرضهم للاعتداء والرشق بالحجارة وقنابل المولوتوف والمفرقعات النارية من قبل عدد من المحتجين أثناء تظاهرات شهدتها مدينة طرابلس، كما تضررت آليات عسكرية وعتاد، وتم توقيف خمسة أشخاص لإقدامهم على التعدي على الأملاك العامة والخاصة وافتعال أعمال شغب والتعرض للقوى الأمنية”.
وفي وقت سادت خشية من استغلال الشارع والأوضاع الحياتية لإحداث فوضى، نبه الرئيس المكلف سعد الحريري “أهلنا في طرابلس وسائر المناطق من أي استغلال لأوضاعهم المعيشية”، وطالب “الدولة والوزارات المختصة باستنفاد كل الوسائل المتاحة لكبح جماح الفقر والجوع وتوفير المقومات الاجتماعية لالتزام المواطنين قرار الإقفال العام”.
وجاء في تغريدة للرئيس الحريري عبر تويتر “قد تكون وراء التحركات في طرابلس جهات تريد توجيه رسائل سياسية وقد يكون هناك من يستغل وجع الناس والضائقة المعيشية التي يعانيها الفقراء وذوو الدخل المحدود. وليس هناك بالتأكيد ما يمكن أن يبرر الاعتداء على الأملاك الخاصة والأسواق والمؤسسات الرسمية بحجة الاعتراض على قرار الإقفال. لكن هذا لا ينفي حقيقة أن هناك فئات من المواطنين تبحث عن لقمة عيشها كفاف يومها، ولا يصح للدولة إزاء ذلك أن تقف موقف المتفرج ولا تبادر إلى التعويض عن العائلات الفقيرة والمحتاجة”. وأوضح أن “قرار الإقفال هدفه حماية المواطنين من خطر كورونا، والالتزام به مسؤولية لا يجوز التهاون فيها تجاه سلامة أولادنا وعائلاتنا ومجتمعنا والسلامة تتطلب خطة واضحة تتكامل فيها جهود المجتمع المدني والمقتدرين في القطاع الخاص مع إمكانات الدولة لضمان السير بقرار الإقفال في الطريق السليم”.
الاحتجاجات تؤجج الشارع في طرابلس وعدد من المناطق وسط خشية من استغلالها
وترافق تنبيه الحريري مع نفي المستشار الإعلامي للشيخ بهاء الحريري جيري ماهر أي علاقة لبهاء بهذه التحركات، وقال “لم ولن نطلب من المواطنين النزول إلى الشارع، وغير صحيح أننا وراء الاحتجاجات، فنحن نفهم وجع الناس لكن سلامة المواطن اليوم أولوية وسط جائحة كورونا”.
كذلك نفى العديد من الأطراف وقوفهم وراء هذه الاحتجاجات، في وقت أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب خلال اجتماع اللجنة الوزارية لمتابعة الخطة الوطنية للقاح كورونا “إن صرخة الناس مفهومة ومسموعة… واللبنانيون يواجهون تحديات ضخمة. الدولة تقدم مساعدات رغم وضعها المالي الصعب، والجيش بدأ بتوزيع الدفعة الجديدة من مساعدة الـ400 ألف ليرة لحوالي ربع مليون عائلة”.
وأضاف “صحيح أن هذه المساعدة لا توازي حاجاتهم.. لكنها تساهم في تخفيف الأعباء. لكن، هناك فرق كبير بين التعبير الصادق عن وجع الناس، وبين أعمال التخريب والاعتداء على مؤسسات الدولة وأملاك الناس. هناك فرق كبير بين الناس المحتاجين فعلا، وبين الاستثمار السياسي بحاجاتهم وتشويه المطالب المحقة للناس. ما رأيناه في اليومين الماضيين لا يشبه مطالب الناس، ولا يعبر عن معاناتهم. ما رأيناه هو محاولة خطف مطالب الناس واستخدامها في معارك سياسية. لا يجوز تخريب مدينة طرابلس من أجل توجيه رسائل سياسية منها. غير مقبول أن تبقى طرابلس، أو أي منطقة من لبنان، صندوق بريد بالنار. لا يجوز قطع الطرقات على الناس، في سياق منطق التحدي بالسياسة”.
ولفت دياب إلى أن “الحكومة لا تتشكل ولا تتعطل بالدواليب المشتعلة وقطع الطرقات والاعتداء على مؤسسات الدولة واستهداف قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني. وما يحصل يزيد من معاناة اللبنانيين. الوباء ينتشر بسرعة، ولولا الإقفال العام، لكانت الأمور تصبح بمستوى الكارثة الوطنية. عدد الوفيات المتصاعد مؤشر إلى حجم الكارثة التي كانت آتية. كنا سنرى مشاهد مؤلمة جدا في الشوارع وأمام المستشفيات. ومَن أصابه الوباء خلال الأسابيع الماضية يعرف كم انتظر دوره للحصول على سرير في المستشفيات، أو جهاز أوكسيجين. وباء كورونا يقطع أنفاس اللبنانيين، والإقفال هو محاولة لوقف زحف هذا الوباء القاتل”.
وختم أن “مفتاح الحلول للأزمات في لبنان، هو تشكيل حكومة تكمل الإصلاحات التي بدأناها، وتطبقها، وتتابع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتبدأ بتنفيذ الخطة الاقتصادية. مع بعض تدوير الزوايا، هناك إمكانية لاختصار معاناة لبنان عبر تشكيل الحكومة التي أمامها تحديات كبيرة”.