بيروت-” القدس العربي”: خلافاً للأجواء الصدامية التي طغت قبل لقاء رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري على خلفية دعوة عون الحريري إلى “التأليف الفوري للحكومة واذا وجد نفسه عاجزاً ليفسح في المجال أمام كل قادر”، وردّ الرئيس المكلّف بتخيير عون بين “توقيع التشكيلة الموجودة بين يديه أو الذهاب إلى انتخابات رئاسية مبكّرة”، فقد شكّل اللقاء الـ 17 بين الرئيسين عون والحريري فرصة للتخفيف من حال التوتّر بين بعبدا وبيت الوسط في انتظار لقاء جديد يوم الاثنين يستكمل البحث في الصيغة الحكومية المقترحة حيث لا شيء مقفلاً بحسب أوساط القصر الجمهوري.
وكان الحريري زار قصر بعبدا حاملاً بيده مغلّفاً ومنفتحاً على تبديل أسماء يريد رئيس الجمهورية تغييرها في التشكيلة السابقة، وشكّل اللقاء محاولة لإيجاد قواسم مشتركة حول التشكيلة.
وقال الحريري بعد اللقاء الذي دام ساعة كاملة” تحدّثت مع رئيس الجمهورية حول تطلعاتي لتشكيل حكومة مؤلفة من 18 وزيراً من الاختصاصيين، لكي ننتشل البلد من الأزمة الاقتصادية التي يغرق البلد فيها. ففي نهاية المطاف، الهدف الأساسي من أي حكومة هو وقف الانهيار الذي نواجهه اليوم. واستمعت الى ملاحظات رئيس الجمهورية واتفقنا على الاجتماع مجدداً يوم الاثنين، وستكون هناك أجوبة حول إمكانية وصولنا إلى حكومة في أسرع وقت ممكن”.
وأضاف “الهدف الرئيسي اليوم من أي حكومة هو السير بداية بوقف الانهيار من خلال برنامج صندوق النقد الدولي وأن نعيد ثقة المجتمع الدولي بالبلد.واليوم ترون كيف تتدهور الليرة اللبنانية يومياً، وإذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي، نجده لا يبرّر أن تكون الليرة بهذا الانهيار، لكن ما يبرّر ذلك هو غياب الأفق عند الناس”.
وختم “ربما رأى اللبنانيون بالأمس اصطداماً بين رئاستي الجمهورية والحكومة، وقد أتيت اليوم لكي نحاول التخفيف من هذا الاصطدام ونعمل على تهدئة الأمور.
وكما كنت دائماً صريحاً معكم، سأبقى كذلك وسأقول لكم في كل لحظة ما الذي يحصل. الآن هناك فرصة، لنستغلّها ونفكّر لكي نتمكن من الخروج بشيء ما الأثنين المقبل”.
وسبق لقاء بعبدا جولة اتصالات قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم وشملت المعنيين بالطروحات الحكومية بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، غير أن محطة NBN التابعة للرئيس بري وصفت حركة الاتصالات في ملف تشكيل الحكومة بأنها ” خجولة بعكس ما يُشاع”.
وكانت الأنظار اتجهت إلى اللقاء المنتظر في بعبدا في ظل حبس أنفاس حول النتائج التي سيخرج بها ولاسيما أنه انعقد على قول رئيس الجمهورية للرئيس المكلّف” ألّف أو اعتذر”، وردّ الحريري على عون ” وقّع أو استقل”.
وفي وقت تردّد أن موعد لقاء الرئيسين هو الساعة 11 قبل الظهر، فقد حدّد الرئيس عون موعداً للحريري عند الثالثة بعد الظهر، وصدر عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية ما يلي” إن رئاسة الجمهورية تعوّل على الحسّ بالمسؤولية الوطنية لدى الرئيس المكلّف، فيأتي حاملاً تصوراً لتشكيل حكومة تراعي مقتضيات التوازن والميثاقية والاختصاص،مستخلصاً بذلك أشهر التكليف الخمسة”.
وكان بعض الإعلام اللبناني قرأ في موقف الرئيس عون الذي أطلقه مباشرة على الشاشات نوعاً من “مذكرة جلب” بحق رئيس الحريري، فيما رأى البعض الآخر أنه أشعل بموقفه “حرب إلغاء” تكليف الحريري، مصوّباً مدفعية قصر بعبدا باتجاه “بيت الوسط” ليحاصر الرئيس المكلف بين خيارين: “الاستسلام للشروط العونية أو التنحّي عن مهمة التأليف”، وهو ما ردّ عليه الحريري بالعيار الثقيل أيضاً ” وقّع التشكيلة بين يديك وفي حال العجز ليفسح في المجال أمام انتخابات رئاسية مبكّرة باعتبارها الوسيلة الدستورية الوحيدة لإلغاء مفاعيل انتخاب عون من قبل مجلس النواب قبل 5 أعوام “تماماً كما اختاروني رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة قبل 5 أشهر”.
في هذه الأثناء،وضع النائب نهاد المشنوق معادلة “اعتذار سعد الحريري مقابل استقالة ميشال عون”، واستحضر تجربة الرئيسين بشارة الخوري وصائب سلام بقوله ” يشهد التاريخ أنه في ١٨ أيلول ١٩٥٢ قال صائب سلام لبشارة الخوري عبر الهاتف: أنتَ من يجب أن يستقيل. لستُ أنا المقصود. أنتَ المقصود. لا تطلب منّي أن أعتذر دون أن تستقيل. اعتذاري أنا مقابل استقالتك أنتَ”، واضاف “هكذا كان”.
ورداً على معادلة المشنوق، غرّد النائب في التيار الوطني الحر سليم عون عبر “تويتر” قائلاً : “كان بدّن يوقفو التدقيق الجنائي مقابل تشكيل الحكومة، واليوم صار بدن استقالة فخامة الرئيس مقابل اعتذار الرئيس المكلّف. حلم إبليس بالجنّة”.
من جهته،سأل عضو ” اللقاء الديموقراطي” النائب بلال عبد الله “ألم يحن الوقت لكي يسمع المعنيون، أنين الناس ووجع الفقراء وقلق الأهل على مستقبل أولادها، فيتواضعون وينهون المكابرة وينجزون التسوية الحكومية المؤقتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الانهيار الشامل؟”، مضيفاً لن ينفع أي ندم في ما بعد”.
كذلك رأى عضو ” تكتل الجمهورية القوية” النائب عماد واكيم أن “دولار الضغط السياسي يتسابق مع دولار الجشع والمافيات!”، وقال “النتيجة واحدة الدولار يقفز والسلطة تتفرّج والشعب يدفع الثمن! حتى حماية المستهلك في خبر كان”. وتابع” با جهابذة، اجتماع اقتصادي أمني لا ينفع، المطلوب تأليف حكومة اختصاصيين مستقلين، وضع خطة نهوض شاملة واعتناق الحياد. أنتم زائلون أما لبنان فباق”.
وكانت السفارة الروسية في لبنان نفت في بيان ” الشائعات حول مطالبة موسكو لحزب الله بالضغط على الرئيس عون والتيار الوطني الحر لتسهيل تشكيل الحكومة”، وأكدت ” أن هذه الشائعات عارية عن الصحة شكلاً ومضموناً “، مشددة على ” أن روسيا الاتحادية تؤكد مبادئها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة والرفض القاطع لسياسات الضغط والاملاءات الخارجية”. ونقلت عن وزير الخارجية سيرغي لافروف قوله لوفد حزب الله ” على اللبنانيين أن يقرّروا حل هذه القضية السيادية بأنفسهم، وسوف تحترم موسكو اياً من خياراتهم”.
ميدانياً، تواصلت الاحتجاجات الشعبية في بيروت وعدد من المناطق اعتراضاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع سعر صرف الدولار، وقطع مواطنون أوتوستراد الجيّة بالاتجاهين بالإطارات المشتعلة، واقفل محتجون طريق المطار بحاويات النفايات ومدخل مدينة بعلبك وساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس.
كذلك، نفّذ عدد من الصيادلة وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الصحة، مطالبين برفع جعالتهم واستيراد الأدوية بالكميات المطلوبة،محذّرين من اضطرارهم لاقفال صيدلياتهم بشكل تام إذا لم تحقّق مطالبهم، ومشتكين من شراء الأدوية على سعر السوق السوداء وبيعها على السعر الرسمي 1515 ليرة.