بيروت ـ «القدس العربي»: في انتظار ما سيصدر عن محكمة التمييز الجزائية حول طلب الوزيرين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر كف يد المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي فادي صوّان بداعي “الارتياب المشروع” فإن المسؤول الوحيد الذي تحدّث صراحة عن مسؤولية الأجهزة الأمنية في مرفأ بيروت هو رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية الذي لفت إلى دور مخابرات الجيش في ضبط ومراقبة كل مواد متفجّرة تدخل إلى لبنان ومن بينها ضرورة الاستحصال على ترخيص مسبق لاستيراد الألعاب النارية.
وإذا كان فرنجية وضع الأصبع على الجرح حول مسؤولية الأجهزة الأمنية ومعرفتها بكل شيء، فهو تجنّب ذكر أي دور لحزب الله في موضوع نيترات الأمونيوم بعد الاتهامات التي وجّهها أكثر من طرف بينهم اللواء أشرف ريفي عن استقدام هذه المواد الخطرة لصالح الحزب لاستخدامها هو والنظام السوري في البراميل المتفجّرة. ومن المعروف أن هناك هيمنة لحزب الله على القرار الأمني في البلاد ما يدفع إلى السؤال حول حصول تواطؤ أو كتم للمعلومات حول حقيقة إدخال نيترات الأمونيوم.
وتعتبر مصادر مواكبة للتحقيقات أن السؤال الأساسي الذي يفترض أن تجيب عنه التحقيقات ويشفي غليل أهالي الضحايا التوّاقين لمعرفة الحقيقة هو مَن أدخل مواد نيترات الأمونيوم؟ ومَن غطّى على وجودها على مدى 7 سنوات ؟ ومَن كان يوعز بالخفاء لعدم رفع الإشارة القضائية عن هذه المواد بهدف إعادة تصديرها كما طلب المدير العام للجمارك بدري ضاهر في أكثر من مراسلة إلى قاضي الأمور المستعجلة وإلى قيادة الجيش؟
وترى المصادر أن إدّعاء المحقق العدلي على رئيس حكومة تصريف الأعمال وثلاثة وزراء أمر جيّد بالنسبة إلى الرأي العام وأهالي الضحايا لعدم حصر الادعاءات بالمرؤوسين الذين قاموا بواجباتهم، ولكن يجب ألا تقتصر التحقيقات على الحلقة الوسطية المتمثّلة بإهمال وزير من هنا أو تقصير رئيس من هناك، بل يجب التركيز على المرحلة الأولى وهي كيف وصلت باخرة الأمونيوم ومِن يقف وراء ارسالها ؟ وكيف تحوّلت من موزامبيق إلى بيروت وكيف أفرغت من دون أي بيان جمركي مسبق؟ ومَن كان يتصرّف بهذه البضاعة التي نزلت كمياتها من 2750 طناً إلى ما دون 1500؟ وكذلك على المرحلة الأخيرة وهي الانفجار وكيف وقع هل هو ناتج فعلاً عن مسرحية تلحيم أم عن عمل تخريبي بعد إنكشاف وجود هذه المواد الخطرة واستخداماتها، أم عن عدوان خارجي إسرائيلي؟ فالأساس هو معرفة حقيقة من استقدم النيترات ومَن فجّرها؟ أما مسؤولية رؤساء الحكومات ووزراء الأشغال والمال والعدل والدفاع فمهمة لناحية عدم تحميل المسؤولية لمديرين عامين وضباط قاموا بواجباتهم وأطلعوا رؤساءهم على وجود هذه المواد طالبين معالجتها، إنما تبقى مسؤولية الرؤساء والوزراء وخصوصاً إذا كانوا غير ملمّين بخطورة هذه المواد مسؤولية معنوية وأخلاقية وتنتفي معها مسؤولية التخطيط للقتل أو القتل عمداً.
ولكن هل أراد المحقق العدلي الذي وجد نفسه في مأزق بعد توقيف مرؤوسين أن يستقطب دعماً شعبياً من خلال الادّعاء على وزراء وسياسيين، أو أنه توصّل إلى خيوط حول محاولات لفلفة أو تعمية على هذه المواد منطلقاً من أن الرئيس حسّان دياب كان ينوي تفقّد العنبر الرقم 12 ومحتوياته قبل أن يوشوشه أحدهم بالعدول عن هذه الجولة ويقنعه بعدم خطورة النيترات؟ وهناك من يسأل طالما أن القاضي صوّان شرب حليب السباع وإدّعى على رئيس حكومة ووزراء لماذا لم يطلب الاستماع إلى رئيس الجمهورية ميشال عون وهو القائد الأعلى للقوات المسلّحة ويدرك خطورة مواد نيترات الأمونيوم انطلاقاً من كونه قائداً سابقاً للجيش؟
في غضون ذلك، لم ينته الصراع السياسي القضائي حول نقل الملف من يد المحقق العدلي إلى مجلس النواب وبالتالي إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وبعد الاصطفاف السنّي رفضاً لاستهداف موقع رئاسة الحكومة أو إستضعافها، تمّت توضيحات من أوساط سنية رفيعة بأن الطائفة السنّية لم تضع خطوطاً حمراء في وجه القضاء بدليل توقيف المدير العام لادارة واستثمار مرفأ بيروت حسن قريطم والمدير العام للنقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي من دون تسجيل أي إعتراض. اما الاعتراض على الادعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال فهو من باب احترام الأصول والدستور الذي ينصّ على أن محاكمة الرؤساء والوزراء تتم أمام المجلس الأعلى بناء على اتهام ثلثي أعضاء مجلس النواب.
وتؤكد الأوساط على ما أعلنه الرئيس سعد الحريري من بكركي بعد لقائه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من أن “لا غطاء على أحد أو تغطية لأحد ضمن احترام الدستور” لتقول “لو لم يكن المحقق العدلي على دراية بالأصول لماذا سبق له أن وجّه رسالة إلى مجلس النواب قبل أن يعود ويتجاوزها؟” وهذا ما أكدت عليه هيئة مكتب المجلس في ردّها على القاضي صوّان.
يبقى أن التحقيقات ستكون مؤجلة إلى ما بعد الأعياد لغاية تاريخ 4 كانون الثاني/يناير حيث ستتضّح مجريات الأمور، وكيف سيكون وضع المحقق العدلي في ضوء صعوبة تكليف محقق عدلي بديل.